الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

التداوي بالأعشاب في الضفة.. 'أوهام' تباع يوميًا والرقابة 'نائمة'

27 أكتوبر 2013
رحمة حجة

وطن للأنباء – المعجزات والأوهام بشفاء أمراض مزمنة ومستعصية.. هي السمة الدارجة في أسواق العطارة الفلسطينية، وبين بيوت المعالجين بالأعشاب الذين يذيع صيتهم في القرى وعلى أطراف المدن.

لكن… هل من قوانين منظمة لهذه الأسواق؟ وكم حجم ظاهرة (التداوي) بالأعشاب الطبية في الضفة؟ وهل يسقط ضحايا جراء تناولها؟ 

هذه الأسئلة وأكثر.. كانت محرك البحث الدائم في التحقيق الاستقصائي الذي أعددناه في “وطن للأنباء” بالتعاون مع شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية).

ويقع التحقيق في جزأين، هذا الأول منه، الذي يدخل عالم الأعشاب والعطارة التقليدية، والثاني منه سيبحث في التداوي بالأعشاب غير التقليدية من خلال كشفه عن انتشار منتجات مصنعة “عشبية” في الضفة، رغم حظرها من قبل وزارة الصحة. 

وفي هذا الجزء، تنكّرنا كمرضى وتحدثنا مع خبراء وبائعين وزبائن بل وأخذنا عينات إلى التحليل في أحد المختبرات المستقلة أملا في توثيق النتائج. 

وأظهر التحقيق أن المشكلة لا تقتصر على القانون أو إجراءات تطبيقه، إنما في المجتمع نفسه، خاصة عندما وجدنا طبيبا يستعين بأعشاب ضارة لعلاج زوجته، وعندما وجدنا مرضى يستعينون بالمشعوذين من أجل “العلاج”.. ! 

وماذا لو علمتم أن رجلًا يحمل رتبةً عسكرية، جرى خلف “وهم الأعشاب” حوالي 14 عامًا من مسيرة 20 عامًا قضاها باحثًا عن علاج للعقم، وكان يدفع أكثر من ثلثي راتبه لقاء ذلك طيلة هذه المدة!؟ 

من أين نبدأ؟ 

بدأ البحث عن الحقائق للإجابة على سؤال رئيس: ما هي الأعشاب المخالفة والممنوع تداولها في الأسواق؟ 

ذهبنا إلى وزارة الصحة وقابلنا إبراهيم عطية مدير دائرة صحة البيئة والرعاية الصحية الأولية، المختصة بالرقابة على المراكز والمحال التي تبيع الأعشاب الطبية. 

وقابلنا أيضًا محمد المحاريق مدير دائرة التسجيل الدوائي، المختصة بتسجيل الأدوية المختلفة قبل تداولها في الأسواق. 

اللقاء لم يكن مجديًا… 

قال المحاريق: لا توجد قائمة لغاية الآن نعلنها للجمهور، لذا نحن نستأنس بقوائم الدولالمجاورة، وحاليًا ندرس كل حالة على حدة، ونستعين بالقائمة الإسرائيلية للأعشاب المسموح استيرادها. 

وأكدّ على ذلك عطيّة بقوله “لا توجد قائمة رسمية أو محاذير على الأعشاب، حيث لا تأتينا أعشاب تشكل خطورة”. 

وفي ظل غياب قائمة بالمسموح والممنوع خاصة بوزارة الصحة الفلسطينية، قررنا إعداد نموذج مصغّر لـ”قائمة” مبنية على الأعشاب الثابتة خطورتها طبيا، مستعينين بفريق من الباحثين المتخصصين المستقلين. 

فطلبنا من رئيس قسم الكيمياء الدوائية والنباتات الطبية في كلية علوم الصحة بجامعة النجاح، محمد مسمار، أن يفيدنا بقائمة أعشاب طبية سامة وخطيرة متداولة في السوق المحلي، قبل أن نبدأ رحلة التأكد من وجودها فعلًا بين يدي المستهلك. 

أفادنا بالآتي: 

– رجل الغراب (يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد)

–  المردقوش (يؤثر على الدورة الشهرية لدى السيدات)

– للوز المر (يحتوي مادة السيانيد السامة)

– السنامكة (تستخدم عادة لعلاج الإمساك لكنها تؤثر سلبًا على المعدة فيما بعد وقد تؤدي إلى فشل كلوي( 

– الديجيتاليا (يستخدم لعلاج هبوط القلب الاحتقاني وزيادة منه تؤدي إلى الوفاة( 

– الحرمل (يتم امتصاص مكوناته في الجسم بحيث تذهب إلى الجهاز العصبي المركزي، وتعتبر منبهات شديدة له، ولها تأثيرات سيئة على الجسم)

قررنا في اليوم التالي أن نزور مراكز الأعشاب ومحلات العطارة بحثا عن “الأعشاب الضارة” الواردة في القائمة. 

جولة ميدانية 

تجولنا في سوق مدينة رام الله، مستخدمين الكاميرا السريّة، وزرنا محال العطارة الرئيسة فيه، طالبين ما تحمله قائمة “الأعشاب الضارة” التي أعددناها. 

ومن أجل عدم لفت الأنظار قلنا في كل مرة إن “شيخًا” سيقوم بتركيب خلطة منها لعلاج السرطان، ووجدناها جميعًا. 

تكررت التجربة خمس مرات في بعض محال العطارة في مدينتي الخليل ونابلس، وهذه المرة بكاميرا عادية، سجلت على شاشتها ظواهر “مشبوهة” لبيع الأعشاب، الخطير منها، والمرفق في بعضه توصيفات علاجية “تتعارض وقوانين وزارة الصحة”. 

والنتيجة من تلك الجولات.. الأعشاب الضارة موجودة ومتاحة للجمهور بلا أي عناء. 

استعان فريق التحقيق بمتخصص آخر وهو الباحث والمختص بالعلاج الطبيعي نصر أبو خضر (يحمل شهادة الدكتوراة في العلاج الطبيعي) الذي أكد على ذات الأسماء الواردة في “قائمتنا”. 

وكشف عن خطر آخر، وهو تداول أعشاب يؤدي تناولها إلى الإدمان، مثل “شقائق النعمان” التي تستخدم عادة لعلاج السّعال، حيث تحتوي مادة “كودائين الفوسفات”. 

وفي محاولة للتأكد من خطورة الظاهرة قررنا أن نسير في اتجاه آخر.. تقديم بعض هذه الأعشاب إلى “مختبر خاص” نفسها ضمانا للحيادية. 

وطلب منا المختبر بعض الوقت… 

قوانين لا تنفذ 

بعد الاطلاع على قانون الصحة العامة ضمن أنظمة وقوانين وزارة الصحة، وجدنا في الفصل الخامس (الصحة المهنية/ مادة 31): يحظر مزاولة أي عمل أو حرفة لها أثر علي الصحة العامة أو صحة البيئة، إلا بعد الحصول على موافقة مكتوبة من الوزارة. 

كما أن هذه المحلات والمراكز تخالف القانون في مادة 62 “يحظر الترخيص لمزاولة أي مهنة صحية، أو مهنة صحية مساعدة، إلا بعد توافر الشروط المحددة من الوزارة والنقابة ذات العلاقة”، والمادة 63 “يحظر مزاولة أية مهنة صحية، أو مهنة صحية مساعدة، إلا بعد الحصول على الترخيص”. 

والشروط لمزاولة هذه المهن تتطلب بالأساس حصول الشخص على شهادة علمية في أحد علوم الصيدلية. 

وعليه، فإن ما يحدث في معظم محال العطارة من تحضير لتراكيب علاجية وبيعها للمواطنين، يعتبر مخالفًا للقانون، بالإضافة إلى الذين يحضرونها من داخل بيوتهم. 

واجهنا وزارة الصحة بما توصلنا إليه… 

فقال مدير دائرة التسجيل الدوائي محمد المحاريق، إن القانون “غير واضح وهو بحاجة لآليات وأنظمة حتى يتم تفسيره”. 

لكن الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان معن ادعيس، قال إن القانون على العكس من ذلك واضح تماما وجيد جدًا. 

إلا أن المشكلة حسب ادعيس تكمن في “التطبيق”. مضيفًا “في كل القضايا المتعلقة بالصحة، يعود القضاء أو النيابة إلى وزارة الصحة من أجل الحصول على الخبرة الفنية، لكن الإمكانيات الضعيفة للوزارة لا تُمكّن من إثبات الضرر”. 

بمعنى أن “تقرير الخبرة” الذي تطلبه المحكمة لا يستطيع إثبات العلاقة المزعومة في شكوى ما، بين الدواء وما ألم بالشخص الذي تناوله من أضرار، حسب ادعيس. 

وهو ما اعترف به المحاريق من أن وزارة الصحة “لا تستطيع الإشراف على كل هؤلاء ممن يحضرّون الأدوية” من ناحية الإمكانات والتنظيم. 

فالكادر الرقابي بالوزارة غير كاف، حسبما قال مدير دائرة الرعاية الأولية في وزارة الصحة أسعد رملاوي، كما لا تستطيع الوزارة إجراء دراسة سريرية لكل عطّار وفق مدير دائرة صحة البيئة إبراهيم عطية. 

كما يرى الباحث نصر أبو خضر، أن قوانين وزارة الصحة “غير واضحة حيث لا تميّز بين العطّار والمختص”. 

أما عطية فأكد أن من اختصاص دائرته، التأكد من نظافة وتهوية الأماكن التي تبيع الأعشاب الطبية. التي وصفها بــ”التجارة المتوارثة”، و”لا تحتوي أي مشاكل”.. 

وتابع: ما يتم عرضه عادة في محلات العطارة ومراكز الأعشاب مجفف وغير قابل للتلوث ما دامت نسبة الرطوبة أقل من 5%. 

لكن ذلك غير صحيح حسب جولاتنا الميدانية المتكررة خلال أشهر، حيث كانت تلوح لنا أثناء تجوالنا مظاهر الإهمال بين محال العطارة، فرائحة الرطوبة تسيطر على إحداها في مدينة نابلس، إضافة إلى الغبار المتراكم على الرفوف والبضائع المعروضة ومعظمها غير مغلف، رغم أن المحل معروف بـ”عراقته” وتوارثه من الأجداد إلى الأحفاد! 

ومن العطارة “المبكتّة” التي تحدث عنها عطية في تمييزه بين الأعشاب المعروضة دون تغليف والأولى، وجدنا في الأسواق أكثر من صنف لا يحمل اسم وزارة الصحة الفلسطينية عليه كإثبات لتسجيله، إضافة لاحتوائه ورقة كتبت عليها أنواع الأمراض التي يعالجها المنتج. 

سألنا مدير عام الرعاية الصحية الأولية أسعد رملاوي، حول ذلك، فقال: هذا خلل.. إذا كُتبت كلمة علاج على المنتج أصبح دواء، بالتالي يجب أن يُمنَع في السوق، لكن يُسمح بأن يُكتب (أنه يساعد كمواد غذائية).

وقال لنا مصدر خاص من وزارة الصحة، رفض الكشف عن اسمه، إن مثل تلك الورقة توضع عادة بعد أن يتم تسجيل المنتج، حيث يأخذ المصنع الترخيص من وزارة الصحة على المنتج كمغذ، ثم حين يُسوّقه يُرفق به الأوراق! 

جهل المجتمع 

بعيدا عن الشق القانوني، يتمثل جزء من المشكلة في غياب الوعي لدى المجتمع. 

وزارة الصحة تقول إن غياب الوعي يتسبب في عدم التوصل إلى المخالفين بشكل ما أو آخر، رغم أن هناك نظامًا لتسجيل الشكاوى لدى الوزارة ومتاح لكل المواطنين. 

فمنذ عام 2011 حتى 2013 وصل وزارة الصحة أربع شكاوى من مواطنين فقط، حسب ملفات دائرة الجودة الدوائية في الوزارة، التي أطلعتنا عليها مديرتها سيرين القاروط. 

فحاتم زيتون هو سائق تاكسي اتبع وصفة قدمت له من خلال برنامج إذاعي يستضيف “خبير أعشاب” الذي وصف “الخل” علاجا ناجعا لحالة حاتم المصاب بأمراض مزمنة مثل الضغط، ونصحه بتناول “ملعقة بعد كل وجبة غداء” دون تحديد فترة زمنية. 

لكن حاتم (48 عامًا) قال إن حالته ساءت بعد اتباع نصائح “الخبير”. 

ويوضح تقرير أخصائي أمراض الجهاز الهضمي والتشخيص بالمنظار رائد الطيطي، لحالة زيتون إصابته بجرثومة في معدته وقرحة في الاثني عشر بسبب الخل. 

ويقول الطيطي: صحيح أن الخل علاج لتخفيف الوزن لكن المشكلة في أن الوصفة تعطى دون تاريخ زمني معين وبكميات أكثر من اللازم. 

وأكد أنه استقبل في عيادته “عشرات المرضى ممن تناولوا الخل بهذا الشكل المضر بصحتهم… بل إن بعض المرضى فقد حياته ثمنا لذلك”. 

وقال الطيطي إن من بين الوفيات شابة لم يتجاوز عمرها 23 عامًا في محافظة الخليل، داومت على تناول الخل من أجل تخفيف الوزن، كان والدها أخبر عنها في اتصال بالطبيب خلال استضافته في برنامج إذاعي، قبل نحو عامين. 

من جهته، قال الدكتور في كلية الصيدلة بجامعة النجاح، محمد مسمار، إن “الكمية المناسب للإنسان تناولها يوميًا من الخل، هي 5 مل لتر، وتساوي ملعقة شاي صغيرة، لا كما ينصح بها بعض العطارين ومروجي التداوي بالأعشاب”. 

التقينا المُداوي بالأعشاب (ج.س)، وقمنا باستخدام الكاميرا السرية من أجل التوثيق.. وهو ذاته الذي وصف لحاتم علاجه العشبي، ويظهر يوميًا عبر إحدى الإذاعات المحلية في محافظة الخليل، إذ يصف للناس علاجات على الهواء مباشرة بمجرد أن يقول له المستمع مم يعاني. 

وإما أن يقوم المريض بتحضير الوصفة بنفسه، أو يرسلها (ج.س) إليه إلى مكان سكنه عبر شبكة علاقاته، أو يستلمها من الإذاعة. 

تأكدنا من هذا الشيء حين ادعينا معاناتنا من عديد الأمراض.. 

أما عن علاقة الخل بالموضوع، فقد اتصل به أحد الزبائن وقال له إنه يريد “تخفيف كرشه” لينصحه (ج.س) بتناول “ملعقة كبيرة من خل التفاح وخلطها مع كأس ماء صغير بعد السحور وبعد الفطور وقبل النوم (أي ثلاث ملاعق كبيرة!) 

سألنا (ج.س) أيضا عن شهادته الجامعية أو خبرته رغم أنه كفيف، لكنه نفى أي علاقة بين ما يقوم به وبين أن يكون دارسًا، وقال “تعلّمتُ تركيب الوصفات عبرالبرامج التلفزيونية والقراءة” لافتًا “أنا ذاكرتي قوية وأحفظ كل شيء”!. 

عدنا للمختصين من أجل معرفة مدى صحة الوصفة التي قدمها هذا “الضيف الإذاعي”، حيث طلبنا منه تحضير وصفة لعلاج سرطان الدم، فبعثها لنا مع سائق تاكسي إلى رام الله. 

وكان قال لنا إن العشبة التي يستخدمها بشكل أساس في الخلطة، تُدعى “الوينكا”. 

سألنا الدكتور رمزي صنصور، وهو مؤسس مختبر الفحوص في جامعة بيرزيت، الذي أوضح لنا أن هذه العشبة تحتوي على “قلويدات وهي عالية السميّة لذا تستخرج منها نسبة قليلة جدًا في التحضيرات الكيميائية لعلاج ذات المرض”. 

أما التركيبة بالشكل الذي اشتريناه فهي “غير دقيقة التصنيع” حسب صنصور، ويمكن أن تسبب “تسممًا للمريض، الشيء الذي يزيد من خطورة حالته”. 

لمعرفة مدى الجهل استخدمنا التصوير السرّي لإثبات أن محلات العطارة تبيع وصفات علاجية دون أدنى تشخيص أو تأكد من الحالة المرضية. 

ففي أحد المحال برام الله، اشترينا وصفة لعلاج مرض الصدفية (مرض جلدي مزمن لم يتوصل الطب إلى علاج نهائي له)، فنصحنا العطّار بملعقتين من خلّ الحصلبان (يتم خلط الواحدة بكأس ماء) يوميًا إلى جانب المرهم الذي حضرّه بنفسه، فاستفسرنا عن علاقة الخل بالصدفية من مسمار، فنفى أن يؤثر خل الحصلبان عليه. 

وقال مسمار: الحصلبان جيد، حيث يعمل على توسيع الأمعاء الدموية في المخ ما يؤدي إلى حسن ترويته، وينشط الذاكرة، وأسباب الصدفية تعود إلى جهاز المناعة الذي يكون أجسامًا مضادة وأحيانًا ضد نفسه، بالتالي لا علاقة بينهما. 

“بيع الوهم” ربما هذا ما يحصل فعلًا في محال العطارة أو بيوت المعالجين بالأعشاب والمراكز التي تروج لها، حسبما يقول اختصاصي الجراحة العامة وجراحة المنظار جهاد شاور، القاطن مدينة الخليل، لأنه هو نفسه “اشترى هذا الوهم”. 

شاور يقول إنه فقد زوجته قبل نحو شهرين من البدء في إعداد هذا التحقيق، والسبب هو السرطان. 

زوجة الطبيب أيضًا وقعت ضحية استغلال مروجي الأعشاب الذين يقولون “العلاج شاف مئة بالمئة”. 

يقول شاور، ودمعة تلمع في عينيه، بلغة الذي فعل كل ما يقوى عليه وأوكل أمره لله: أصيبت زوجتي بالسرطان، وكان بيتنا بمثابة مستشفى، هيأت لها كل الظروف المناسبة للعلاج، وحاولنا المُستطاع كي تنجو من هذا المرض، ولم نترك مشفىً متخصصًا في الداخل أو الخارج إلا وذهبنا إليه. 

يكمل: بعد ذلك نصحنا الأقارب والمحبون في التوجه إلى العلاج بالأعشاب، فاستخدمنا أنواعًا عديدة، من فلسطين وعُمان، ومن الأخيرة اشترينا منتجًا بقيمة 5000 دولار، ولم نكن نعرف مكوناته، أو أعراضه، لكنّي رأيت آثاره السيئة والسامة على زوجتي، أدت بنا إلى وقف استخدامه، قبل إنهاء الكمية. 

الآخرون الذين التقيناهم، ورفضوا فكرة التصوير أو ذكر أسمائهم، كان منهم (ع.ح) من محافظة نابلس، ويبلغ من العمر 33 عامًا، الذي حاول مرارًا وتكرارًا علاج مرض العشى الليلي (ضعف الرؤية ليلًا) عن طريق الأعشاب بعدما عجز الطب عن علاجه. 

لكنه بعد العلاج بالأعشاب تحول العشى الليلي إلى نهاري! وكان الدواء عبارة عن مجموعة من الخلطات العشبية بقيمة 500 دولار. 

حاول (ع.ح) علاج ما ألم به عن طريق أحد الأطباء، لكن لم ينفع أيضًا، وكانت حالته حسبما قال لنا “نادرة”. 

لم ييأس.. فبعدما سمع عن علاج في مصر، سافر إليها مباشرة، واشتراه بقيمة 1000 دولار، إلا أن المضاعفات ازدادت ولم يتحسن إلى الآن… 

نسأله، ما الذي دفعك لتكرار التجربة رغم تضررك من سابقتها؟ ويجيبنا بصوت متهدّج ملؤه الحزن: أنا كنت بدي أتخلص من المرض بأي طريقة، رغم إني بعرف ما إله علاج، بس كان في أمل.. المجرّب بس بحس في هاد الإشي، والله يبعدُه عنِك. 

لكن التداوي بالأعشاب ليس دائما على نفس هذه الدرجة من التكلفة.. 

ففي رام الله، التقينا معروف أبو شوشة صاحب أحد محال العطارة الذي قال إن أسعار الوصفات التي يُحضرها تتراوح بين 20 و50 شيقل (6- 14) دولار، وأغلب زبائنه من ذوي الدخل المتدني، ويُشخصّ المرض بمجرد “رؤية الزبون”، الشيء الذي تعلمه كمل يسردُ لنا بلغة الواثق، من خلال العمل مع الأطباء في مهنته السابقة. 

يضيف: أنا لا أخدع أحدًا فأرواح الناس ليست لعبة! 

سألناه عن أكثر الحالات المرضية التي تأتي إليه، فأشار إلى “الروماتيزم والسكري ووجع البطن والأعصاب” مؤكدًا أن بعض الأمراض لا يوجد لها علاج نهائي كالصدفية. 

لكن معظم الحالات التي قابلناها قالت إنها دفعت أكثر من ذلك فكثير. 

ومنها (ج.أ) التي تسكن إحدى قرى محافظة جنين شمال الضفة، التي دفعت 7000 شيقل (1955 دولار) على مدى ثلاث سنوات لعطارين ومراكز تُعالج بالأعشاب في محيط المحافظة. 

“حب الشباب ملأ وجهي في سن الثامنة عشرة” و(عمرها الآن 25 عامًا) ما دفعها للتخلّص منها بأي طريقة، وكانت نصيحة من حولها “الأعشاب” حيث إذا “لم تنفع لن تضر”، وأقل سعر كانت تدفعه لخلطة عشبية كان 100 شيقل (28 دولار).

لكنها أصيبت بخيبة.. فبدل أن تُشفى تضاعفت المشكلة، وظهر على جسدها كما تخبرنا “بقع زرقاء” لم يكن التخلص منها بالشيء السهل، “إذ تطلب الأمر مني مراجعة طبيبين مختصين في الأمراض الجلدية، أحدهما في جنين والآخر في رام الله”. 

(ج.أ) مكثت في العلاج ثلاث سنوات، لكن ما بال (ث.ز) البالغ من العمر 42 عامًا، الذي مكث في محاولات العلاج من العقم 20 عامًا، أي قضى نصف حياته فيه، منها 14 عامًا بالأعشاب. 

يقول (ث.ز) الذي يقطن في نابلس شمالي الضفة: توجهت للأعشاب بعدما عجز الطب عن علاجي، ودفعت آلاف الدنانير مقابل ذلك، كانت آخر خلطة من أحد المصانع الذي يحضّر الوصفات العشبية في مدينة طولكرم وثمنها 1500 شيقل (وهو أكثر من نصف راتبه الشهري تقريبا)، لكنّي لم أتحسن إثر تناولها، وها أنا منذ عام متوقف عن العلاج. 

مهمة خاصة: الشعوذة 

يقول مدير التسجيل الدوائي في وزارة الصحة محمد المحاريق، إن موضوع العطّارين “مؤرق للجميع وغير مُسَيطَر عليه بشكل كامل”. 

وعندما سألناه عن أولئك الذين يقومون بتحضير الوصفات العلاجية داخل بيوتهم، ولهم زبائنهم، كان ردّه أنهم يمارسون “نوعًا من الشعوذة” لأنهم ليسوا خبراء أو مختصين. 

وأكدّ المحاريق على أهمية الشكاوى بالنسبة للمواطنين، ودعاهم للتوجه إلى مديريات الصحة كلٌّ في محافظته، من أجل توثيق شكاواهم إذا تضرروا من الوصفات العشبية التي يحضرّها المعالجون بالأعشاب. 

كلمة “شعوذة” لم تكن بعيدة – بمعناها الحرفي- عن هذه المهنة، حيث زرنا أحد المشعوذين بعد رؤية منشور إعلاني له، كَتبَ فيه أنه يعالج بالأعشاب الطبية. 

ذهبنا إليه كزبائن بغية العلاج بالأعشاب، لكنه حول القضية إلى السحر، وطلب منّا لقاء الاستشارة “الطبية”، 500 شيقل (150 دولار) بينما يكلّف “فك السحر” 10000 شيقل (3000 دولار).

وحين سألناه عن ترخيص عمله، أفاد بالإيجاب وأشار لنا بشهادات معلقة على حائط الغرفة، تثبت قدراته، مؤكدًا أن الحكومة تبيح له عمله من أصغر موظفيها حتى “الرئيس”. 

تحت المجهر 

في مختبر بيرزيت، التابع لجامعة بيرزيت في رام الله، أخضعنا عينات من وصفتين عشبيتين اشتريناهما من عطار، للفحص، واحدة للصدفية، وأخرى زيت الحرمل الذي أرفقت معه ورقة تفيد بأنه يعالج قرابة 15 مرضًا. 

وأجرى المختبر، فحوصات تلوث، كما يخبرنا مديره بلال عموص، الذي تابع: عينة الحرمل نظيفة، بينما وجدنا في عينة وصفة الصدفية نسبة بكتيريا عالية وهو ما يضر بصحة من يتناولها. 

كما أجرى فحص “المبيدات” على العينة الثانية، وكانت النتيجة أنها خالية من المبيدات الحشرية. 

وقال عموص إن خلو الوصفة من المبيدات أو نظافتها من الميكروبات لا ينفي ضررها، الذي يكمن عادة في طريقة الخلط والتخزين والكمية التي عادة ما تكون عشوائية لكل عشبة من مكونات الخلطة. 

إلى ذلك، استهجن ما كتب على الورقة المرفقة بعبوة “الحرمل”، بقوله “لا توجد عشبة تداوي هذه الأمراض، إضافة لكونها كما يظهر غير مرخصّة من وزارة الصحة”، في إشارة منه إلى غياب اسم وزارة الصحة عن مغلف العبوة. 

إلى هنا.. لا ننتهي، بل نبدأ خطوة من أجل البحث مليًا فيما يجري بالأراضي الفلسطينية، من استغلال المرضى وحاجتهم، وغياب الرقابة الذي يترك الساحة مفتوحة أمام هذه الظاهرة دون تنظيم أو تمييز سيئها عن جيّدها.


الصحفي



تعليقاتكم