الأحد ١٦ - ديسمبر - ٢٠١٨ ٠٩:٤٦ صباحاً

بالفيديو تحقيق "البهجة الممنوعة"

25 آب 2015

بالفيديو تحقيق "البهجة الممنوعة"

25 آب 2015
أسامة الديب

الوطن – أسامة الديب

ترن ضحكات الصغار في الفضاء كلما أنفجر “صاروخ الألعاب النارية” الذي يشعلونه بأعواد الكبريت، تتناغم ضحكاتهم مع الموسيقى الصاخبة المنبعثة من سرادق الفرح المقام في قريتهم سنهور مركز سنورس التابع لمحافظة الفيوم.
أجسادهم النحيلة تهتز طرباً مع صوت انفجارات ألعاب نارية اشتروها بجنيهاتهم القليلة، البهجة تسري في كل شىء داخل المكان.
على بعد خطوات، يقف «محمود» ابن التسع سنوات يراقب أقرانه، رغبته في تقليدهم تدفعه للتوجه إلى أحد المحلات القريبة ليشتري “صاروخ” ليشعله مثل الجميع ويحظى بالبهجة التي سبقوه إليها، وبالفعل يقدم «محمود» على شراء الصاروخ ويشعله بسرعة، وقبل أن يلقي بالصاروخ إذا به ينفجر في كف يده ويطيح بذراعه اليمنى في الهواء، ويطرحه على الأرض وسط بركة هائلة من الدماء.
أسفل منزله جلس «محمود» يتابع بعينيه زملاءه وهم يلعبون معشوقته الأولى كرة القدم، حبس دموعه وغادر مجلسه إلى غرفته بالمنزل، هناك أخذ يقلب في بندقية لعبة بيده اليسرى بعد أن راحت يده اليمنى للأبد «كان نفسى أطلع ظابط في الجيش.. وبعد ما حصل لي كده، حطيت في دماغي أطلع مهندس، كنت بحب الشماريخ والصواريخ الصغيرة والبمب وكل حاجة، بس دلوقتي ما بحبهمش.. هجيبهم ليه.. هجيبهم ليه بعد ما حصل لي كده.
بأصابع مرتعشة راح عبد اللطيف، 38 عاماً، سائق (توك توك)، يحاول تثبيت ذراع بلاستيكية في اليد اليمنى لابنه «محمود»، بالكاد منع الدموع من أن تنزل من عينيه، ساعد الصغير في ارتداء ملابسه، وراقبه وهو يقوم من مكانه معتمداً على ذراعه اليسرى، بعد أن اختفت ذراعه اليمنى للأبد «محمود كان عاوز يطيَّر الصاروخ في الجو زي العيال زمايله، فضل ماسك الصاروخ في إيده اليمين، فالصاروخ سخن في إيده وضرب راح مطير إيده بعيد.. أنا مت يا بيه.. مت»، يروي «عبداللطيف» كيف حمل ابنه إلى المستشفي عقب إصابته جراء انفجار الألعاب النارية في يده، توجه به في البداية إلى مستشفى مكة يحمله بيد واليد الأخرى تمسك بالذراع المبتورة، هناك أخبروه أن التقنيات المتوفرة في المستشفي لن تسعف ولده «كنت شايف إيده وهي بتشلب دم ودراعه في إيديا، أعصابه وعروقه باينة منه»، لم يكن أمام الأب إلى أن يتوجه بصغيره إلى مستشفي قصر العيني، وهناك تم إيقاف النزيف واستقر الوضع على بتر ذراع «محمود» حتى الرسغ.
محمود ليس وحده، عشرات غيره ممن تصيبهم الألعاب النارية بإصابات مختلفة، وهي الألعاب التى صارت تعد إحد أهم السلع التجارية المتداولة في مصر، والتي أنفق عليها المصريون ملايين الجنيهات في آخر 5 سنوات، بعد أن تحولت إلى بطل رئيس في المظاهرات التي اجتاحت البلاد عقب ثورة 25 يناير 2011، دون أن يشغل أي من المسؤولين نفسه بالطريقة التى دخلت بها تلك الألعاب النارية لمصر، وكيف لمنتج تم صنعه خصيصاً لاستخدامه في أعالي البحار من قبل ربان السفن لطلب الإنقاذ وقت الغرق أو التعطل المفاجئ لسفنهم، أن ينتقل إلى الأرض، ويصبح مادة للهو وإبداء الاعتراض؟ أسئلة كثيرة حاولنا أن نجيب عنها، وكانت حكاية «محمود» بداية الخيط.

Screen Shot 2015-08-25 at 3.05.05 PM

لقطات من بعض الأفراح الشعبية في مصر

يكشف هذا التحقيق بعد ستة أشهر من البحث والتقصى رواج تجارة الصواريخ والشمارخ في مصر، إثر عدم تحديث قوانين منذ ستينيات القرن الماضي لتواكب التطور التكنولوجي، يضاف لذلك استغلال بعض موظفي الجمارك لوظائفهم ومسؤوليتهم بادخال هذه المنتجات الممنوعة مقابل الرشى، وسط زيادة حجم التهريب في هذا المجال، في ظل غياب الرقابة و التنظيم في عملية الاستيراد بشكل عام، يفاقم ذلك قصور في الأجهزة التي تكشف محتويات الحاويات الأمر الذي يسهّل عملية دخول الألعاب النارية إلى مصر.

أول الخيط
“عاوز تفهمنى إن الحكومة مش عارفة إن فيه صواريخ موجودة، دي الموسكي مليانة صواريخ، خش الموسكي من أولها لآخرها هتلاقي صواريخ» دفعت كلمات والد «محمود» معد التحقيق للتوجه إلى منطقة الموسكي بقلب القاهرة، التي قال الوالد إن الصواريخ والألعاب النارية تباع فيها بكثرة، وبمجرد أن تطأ قدمك الشارع التجاري العريق حتى تطالعك سوق كبيرة للبضائع الصينية، في حين تستقر آلاف العبوات المختلفة من الألعاب النارية على عربات صغيرة معروضة للبيع دون أدنى خوف من بائعيها، ودون مراقبة الأمن، بالرغم من وجود المادة رقم 25 من قانون العقوبات، التي تنص على حبس كل من شارك في بيع الألعاب النارية، أو استيرادها مدة تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات، وعلى الرغم من وقوع منطقة الموسكي على بعد عدة أمتار من مديرية أمن القاهرة وقسم شرطة الموسكي، فإن أحداً لم يسأل البائعين عن تجارتهم الممنوعة.
“الأصفر عامل 80 جنيه، والهاند بـ120، أما الأخضر بـ140» هكذا أخذ أحد باعة الألعاب النارية داخل شارع الموسكي يعدد أنواع وأسعار الشماريخ النارية التي تستخدم بكثرة من قبل مشجعي كرة القدم داخل المدرجات، وحين سأله معد التحقيق عن أنواعها وأسعارها، تابع: «التورتة اللي بتضرب 8 صواريخ تمنها 40 جنيه، ومعاك لغاية اللي بتضرب 64 طلقة ودي بـ250 جنيه»، أخبرناه أننا تجار ونرغب في التعامل معه والحصول منه على كمية من الألعاب للتجارة فيها، وحين سألناه عن تخفيض في السعر إذا اشترينا منه كمية كبيرة، طلب منا أن نمر عليه مساءً، ساعتها سيكون «المعلم الكبير» موجود، وسيقرر ما إذا كان يمكن أن يعطينا تخفيضاً أم لا، وعندما جاء المساء أغلق البائع هاتفه المحمول دون أن نعلم هل كشف أمرنا، أم أصابه شيء آخر.
البحث عن مستخدمين للألعاب النارية
قرر معد التحقيق أن يتواصل مع مستخدمي «الشماريخ النارية»، كانت المهمة شاقة، خاصة بعد أن كثرت الملاحقات الأمنية لمن يوصفون بروابط مشجعي الأندية «الألتراس»، الذين يستخدمون الشماريخ بكثافة في المدرجات، وبعد عشرة أيام كاملة من البحث وافق اثنان من مستخدمي الشماريخ على الحديث إلينا شرط إخفاء هوياتهم خوفاً من الملاحقة الأمنية.

“هدفي من الشمروخ ده مش ضرر لحد، لأ.. عشان أجرب فرحة، مسكة الشمروخ بتدي حماس، لما ولعت الشمروخ لقيتني مش باضر نفسى، ولا باضر غيري، بيديني حماس وبس» يتحدث الفتى عن أول مرة أشعل فيها شمروخاً داخل مدرج الثالثة شمال وهو يشجع فريقه المفضل «الأهلى»: «جيت بعد كدة لقيت إن الشماريخ ممنوعة، ليه تتمنع؟ يعنى لو دورت في ماتش مثلاً زي زيسكو اللي كان في 2011 اتعمل حاجة اسمها بايرو شو، بمعنى إن الإستاد كله يولع مرة واحدة، ما جيتش سألت الشماريخ دي ليه دخلت أساساً؟”.
أما الفتى الآخر فيبرر استخدامه للألعاب النارية بقوله: «هي أصلاً اسمها ألعاب، حاجات بتدينا روح في المدرج أو في الفرح أو في أي مكان، في المظاهرة يبقى غرض اللي بيولعه أذى، طب ما هو ممكن واحد ولا ليه دعوة لا بكورة ولا بأي حاجة، جاب في فرحة شمروخ يولعه في الفرح، زي ما هتمنعه في الإستاد، يتمنع برضه في الأفراح”.
يعلق محمد رشوان، أحد محامي جماعات الألتراس، على حديث الشابين فيقول إن عقوبات حمل السلاح التي تندرج تحتها الشماريخ تتدرج حسب طبيعة الاستخدام، بداية من الغرامات والحبس البسيط الذي ورد في أحكام 25 و28 في قانون الأسلحة والذخائر إلى المادة 26 التي تنص على أنه إذا استخدمت تلك الأشياء لدعم جماعة من الجماعات الإرهابية تصل العقوبة للمؤبد، وفي أحيان للإعدام «فيه ازدواجية في المعايير»، يتحدث رشوان “ممكن تلاقي حفلات يحضر فيها رئيس الجمهورية أو المسؤولين وتبص تلاقي فيها إطلاق ألعاب نارية، ما هو موجود، وتيجي تحرم الشباب منها في مناسبات أخرى قد لا تكون أقل منها أهمية، بالنسبة للشاب أو المشجع، حصول فريقه على بطولة كروية ليس أقل من احتفال زي 6 أكتوبر، هو شايف كده”.
غزو المارد الصيني بـCIQ
كان السؤال الأهم لنا عقب مرور شهر على بدء العمل بالتحقيق: كيف تدخل الألعاب النارية القادمة من الصين للبلاد دون أن تلفت نظر المسؤولين؟ خاصة أن الحكومة كانت قد وقعت مذكرة تفاهم في عهد وزير التجارة والصناعة الأسبق رشيد محمد رشيد، تقضى بفحص الحاويات الواردة من الصين إلى مصر وإعطائها شهادة جودة عرفت باسم بـCIQ، على أن تسهم تلك الشهادة في سرعة إتمام الإفراج عن الحاويات.
يتحدث المهندس علاء عبدالكريم، رئيس هيئة الصادرات والواردات المصرية عن شهادة الجودة، التى تم اعتمادها منذ نهاية عام 2010، فيقول: «الشهادة بيكون لها صورة ومتفق على النموذج بتاعها وفيها الكمية اللي جاية، ونوع الشحنة اللي جاية، والمواصفة التي تم فحص المنتج عليها»، يتابع: «في بدايات التطبيق يحصل اختراقات للقواعد المعمولة داخل السوق، فوجدنا شهادات مزورة لا تصدر عن المكاتب المعترف بها في الصين اللي هي خاصة بـ«AQ» (وزارة الصناعة والتجارة الصينية)».

Capture.JPG2

استخدام الألعاب النارية أثناء مباراة كرة القدم

يقول «عبدالكريم» إن الدكتور «رشيد» قام بمنح استثناءين من حمل هذه الشهادة المهمة، الأول لحاوية اللقاحات والأدوية الطبية، والآخر للمبيدات الزراعية، دون أن يراجع تلك الاتفاقية، ما أثار علامات الاستفهام، خاصة أن الحكومة المصرية لم تعترض على نظيراتها الصينية بشأن عدم إبلاغها بالحاويات المحملة بالألعاب النارية، مع علم الجانب الصيني بمنع تلك الألعاب في مصر.
قررنا أن نعود مرة أخرى لمنطقة العتبة بعد انقطاع الإتصال مع التاجر الأول، قابلنا تاجراً آخر يمتلك «فرشات» تعمل لحسابه الشخصي بمساعدة أشخاص يدفع لهم أجراً يومياً خمسين جنيهاً، قلنا له إننا نمتلك عدة قاعات للأفراح، ونسعى لعقد اتفاق دائم لتوريد كميات من الألعاب النارية بشكل شهري، راح التاجر يشرح لنا الفرق بين الشماريخ المستوردة، والمصنعة محلياً «الهاند الصيني الأصلى منه كان موجود، دلوقت بقى مضروب، مفيش كلام صينى مطبوع عليه من الشركة بتاعته»، يشير التاجر إلى رداءة الشمروخ محلي الصنع الذي لا يفضله تجار الألعاب النارية بالموسكي، لذلك يقومون باستيراد بضاعتهم بمعرفتهم من الصين، غير أنه عاد وعرض علينا أنواعاً أخرى دوّن عليها تاريخ الإنتاج في عام 1996، وتاريخ انتهاء الصلاحية في عام 1998.
قنابل موقوتة في انتظار ضحاياها

“لما الصاروخ فرقع في إيدى، إيديّا نملت، بس ما عيطتش، كنت فاكره هيطير في الجو، زي ما الشباب بيعملوا، بس فرقع في إيدي» يتذكر الطفل «محمود» تفاصيل اللحظات التي انفجر فيها الصاروخ في يده، هو ليس الوحيد الذي يتعرض لإعاقة بسبب ألعاب نارية تم استيرادها من خارج البلاد، يقول دكتور عمرو عزت، أستاذ طب العيون بمستشفي قصر العيني، إن كم الحالات التى شاهدها في خلال الأربع سنوات الماضية التي أصيبت جراء استخدام الألعاب النارية تفوق ما قام بالكشف عليه طيلة 22 عاماً مارس خلالها طب العيون “المشكلة أن الألعاب كلها ضرر من أول التراب الناتج عن سخونية إشعال الشمروخ قد يسبب عمى مؤقتاً مع مرور الوقت، ده غير إن فيه حالات كتير بتيجى قصر العيني بتكون واقفة في البلكونة مثلاً، وبتيجى طلقة من الألعاب في عينيهم تتسبب لهم في تصفية القرنية وعمى جزئي أو كلي”.

يعلق والد محمود «فيه صواريخ صغيرة بـ50 جنيه، أنا لو اشتغلت طول الليل والنهار على التوك توك مش هجيب الـ50 جنيه بتاعة الصاروخ، أسمع أن في تورتاية بتتكلف 300 – 400 جنيه يعنى 300 جنيه كده يتضربوا في الشارع.. في الهوا»، يبدى الرجل استغرابه من أن يصير الهواء مصدراً لأموال طائرة كما يحب أن يصفها.
أرقام سرية لتجارة علنية

لم نستطع الحصول على أرقام رسمية للتجارة الممنوعة، فلدى الحكومات المتعاقبة هي تجارة غير موجودة، أو على أقل تقدير موجودة على استحياء ولم تتحول لظاهرة لكي تؤرق أحلام تلك الحكومات، لكن تصريحاً صدر من علي شكري، نائب رئيس الغرفة التجارية بالقاهرة في 2013، قدّر خلاله أرقام تجارة غزت البلاد في آخر خمس سنوات بشراسة.
شكري يؤكد أن حجم مبيعات الألعاب النارية يصل إلى 100 ألف جنيه يومياً، فيما يبلغ حجم استيرادها الشهري 3 مليارات جنيه، ترتفع إلى 24 مليار جنيه تقريباً سنوياً. قمنا بإجراء بحث بشكل معمق لأكثر الأماكن المختصة ببيع الألعاب استغرق أسبوعاً كاملاً، لتكتشف مشاهدات معد التحقيق أن الأماكن التي تنتشر بها عمليات بيع الألعاب النارية تتركز في العتبة، والمطرية، ودار السلام، وإمبابة.
ويشير تقرير آخر صادر من مصلحة الجمارك أنه خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من عام 2013 تم ضبط ما يقارب من 18 مليون صاروخ، وهو رقم يساعد على تحديد حجم تلك التجارة.
“رغم محاربة الشرطة والجيش لكل أنواع الشماريخ اللي بتيجي من برة، لكن هي فيها طمع كبير جداً للمهربين لأن تكلفته لا تتخطى بأي حال 3 – 4 جنيهات للشمروخ، لما بيتباع بـ50 جنيه أرباحه غير طبيعية أكثر من أرباح المخدرات وما يتم مصادرته ما بيمثلش 10% من حجم الموجود في السوق»، يعلق أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين بغرفة تجار القاهرة على تقرير مصلحة الجمارك، ويقول إن الأرقام الواردة فيه ضعيفة، إذ إن هناك عوامل كثيرة تساعد المهربين في إدخال تلك الألعاب بعيداً عن أعين الجهات المسؤولة ودون دفع جمارك أسوة بزملائهم التجار المثبتين لدى الحكومة المصرية.
بداية تتبع الرحلة السرية
لم يمر وقت طويل حتى جاءنا إتصال هاتفي من تاجر الموسكي الثاني ليطمئن على صفقته الأولى معنا، التقينا به في محله الذي يدير منه تجارته وأخبرناه أننا نريد مشاركته في صفقة نقوم باستيرادها حتى يكون ربحنا أكبر، وفي نفس الوقت قلنا له إننا نمتلك أموالاً كافية لشراء كميات كبيرة من الألعاب بمختلف أنواعها، تغيرت ملامح الرجل، ورفض أن نشاركه في البضاعة الأساسية قائلاً: «عاوز تاخد مني قطاعي ماشي، لكن اللقمة الكبيرة دي بتاعتنا وبس»، غير أن غضبه لم يمنعه من إعطائنا معلومة مهمة “اطلع على السويس.. ده السوق الكبير بتاعنا”.
إلى السويس سافرنا على الفور، حيث توجهنا مباشرة إلى جمرك العين السخنة لكي نستمع إلى الرواية الرسمية، وحتى نقف على حال الميناء هناك «الصواريخ والشماريخ اللي عاملة إزعاج في البلد كلها الحمد لله قدرنا نسيطر عليها، إحنا ماسكين في خلال 2014 حوالي 52 قضية» رسالة طمأنة حرص عبدالله عامر، مدير عام الجمارك ورئيس ميناء العين السخنة، أن يوصلها لنا، مؤكداً أنه تم إمداد الميناء بأجهزة إكس راي «الكشف بالأشعة فوق البنفسجية»، والتي تستطيع الكشف عن محتويات الحاوية بالكامل دون فتحها مما ساعد الميناء في السيطرة شبه التامة على التهريب من خلالها.
في المساء قررنا زيارة أكبر مستخلص جمركي في السويس والمعروف بسيطرته على الأنشطة المختلفة بأحد أكبر أندية المدينة، والمعروف كذلك بمساعدة المهربين في إدخال بضاعتهم المحرمة، كنا قد حصلنا على بياناته من أحد التجار الذين يستوردون قطع غيار السيارات المستعملة بأوروبا، قلنا لـ«الحاج» كما يحب أن يناديه الآخرون، بأننا أصحاب شركة لتجهيز مستلزمات الأفراح، ونريد استيراد ألعاب نارية للمساعدة في عملنا، جاء رد المستخلص أن الظروف الآن غير مناسبة بالمرة للتهريب عبر ميناء السخنة نظرً للتضييق الأمني الذي فرض بعد ثورة 30 يونيو، خاصة مع تركيب أجهزة الإكس راي، لكنه نصحنا «فيه مواني ممكن تعدي منها.. أطلعوا على بورسعيد»، شرح أكثر “في بورسعيد ناس تخرجها لك.. أنا عن نفسى هوديك لواحد بورسعيدي.. هو اللي باديله شغلي في بورسعيد، الفلوس هناك ياما، والناس بتخدم، إن شالله ينططوها لك من فوق السور”.
عدنا إلى القاهرة، وأنشأنا صفحة على الفيس بوك، وقمنا بطباعة كروت خاصة بشركتنا المهتمة بمجال الأفراح الأرستقراطية داخل البلاد، حتى نكون طعماً ثميناً للموظفين المرتشين.
تواصلنا مع المستخلص الجمركي الموجود في بورسعيد، والذي حصلنا على رقمه من الحاج، وافق على مقابلتنا بعد مرور أسبوع، ما إن وصلنا إلى بورسعيد حتى اعتذر عن مقابلتنا لظروف شخصية، تجولنا بالمدينة الباسلة التي شهدت حروباً عظيمة كبدت سكانها الكثير من الدماء عبر سنوات مضت، إلى أن قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات بتحويلها إلى مدينة مفتوحة للعالم أكمل كتعويض عما شهده سكانها على مدار سنوات، لكن مع اندفاع الانفتاح الذي اجتاح البلاد أواخر السبعينات وامتد إلى ثمانينات القرن الماضي ظهرت فئة من سكانها يحلمون بالمكسب السريع عبر مساعدة مهربين في إدخال بضائعهم المحرمة، توجهنا إلى مقهى مقابل لباب 20 الجمركي الموجود بالميناء والمدخل الأساسي لرؤساء الميناء، للبحث عن مستخلص آخر كنا قد حصلنا على رقمه من مصدر موثوق لنا في المدينة واخبرناه بنفس رواية شركة تجهيز الأفراح، قابلنا بعد مرور نصف ساعة من جلوسنا على المقهى، لم يبد على الرجل أدنى شك في روايتنا، فاجأنا بقوله «موظفين الجمارك دول من أغنى اغنياء مصر، أقل موظف لو ما بيلعبش هتلاقيه راكب عربية جربانة، كل يوم بيروح ومعاه 10-15 ألف جنيه».

يتابع قائلاً إنه فتح مكتب التخليص الجمركي مع أبناء عمومته في عام 2009، تحدث معنا عن فترة الرئيس المعزول محمد مرسى وحال الميناء وقتها وقال «أيام مرسى.. أيام لما كان بورسعيد فيها إضراب وقالك ماحدش هيشتغل.. كان عندنا جوة 2600 حاوية، جات مركب قالت مش هنزل ابعتوا جيبوا الحاويات من مينا جدة على حسابكم، قالك لا افتح الشغل في 3 أيام الـ 2600 حاوية كانوا برة، اقسم بالله كان معانا شهادتنا اللي هنصرف بيها ومش عارفين مكان الحاوية فين، بنروح بورق الملاحة ونحمل، كنت تشوف المهزلة الكراتين بتخرج من غير تفتيش، اللي يطلع قماش، واللى يطلع فياجرا، واللي يطلع ترامادول».
أخبرنا بفخر عن تلك الفترة من تاريخ مصر وكيف تحول بعض موظفي الميناء من خانة الوظيفة إلى خانات الحسابات المكونة من ستة أصفار، طلبنا منه مساعدتنا في دخول بضاعة سنقوم باستيرادها من الصين تحتوى على ألعاب نارية «هتظبط حالك، أنت عارف إن الحاوية فيها حاجة غلط.. متخليش بتاع المباحث ييجي يقرب منها، عندي مخبر جوى أجدع من عميد بيحرك الظابط، عنده 15 فدان في الإسماعيلية وزيهم في القنطرة وبييجي معاه العربية الالنترا».
وافق المستخلص على التعاون معنا عبر إرسال البضائع عن طريق المنطقة الحرة، على أن يقوم بالتنسيق مع مساعديه بالداخل لخروج تلك الألعاب وتوصيلها لنا للقاهرة “أنا بدفع للمخبر أسبوعيات، عن نفسي بديله أسبوعي 1000 جنيه، سواء دخلت شغل أو لأ بياخد، هو بيساعد في شغل كتير، ولو فيه مثلا حاجة مسكها عليا نتقاول”.
النظم الجمركية الخاصة:
“بعد الثورات اتجه بعض ضعاف النفوس إلى استغلال النظم الجمركية الخاصة، أهمهم المناطق الحرة، بيستغلوها باعتبارها معفية من الضرائب والرسوم الجمركية، لأنها بتعتبر قطعة خارج الدولة وبالتالي لا تسري عليها الضوابط الجمركية الخاصة بالاستيراد والتصدير» يتحدث د/ مجدي عبدالعزيز رئيس مصلحة الجمارك عن المناطق الجمركية الحرة التي صارت نقمة بدلاً من الغرض الأساسى لإنشائها، سألنا المهندس علاء عبدالكريم رئيس هيئة الصادرات والواردات عن إمكانية حدوث تسريب للأسواق فقال: «كل ما يسرى بالمناطق الجمركية الحرة لا يعرض علينا وطبعاً وارد أن يحصل تسرب للأسواق، بنحاول نحكم، لأن المنطقة الحرة بتعتبر منطقة خارج الحدود».
يخبرنا العميد عاصم الحجار رئيس مباحث الجمارك المصرية أن مصر مقيدة باتفاقيات تجارة عالمية، لا تستطيع وقفها تحت أي بند «أي كشاف في أي ميناء، ما بيكشفش أكتر من 10% في الحاوية عشان يطمئن قلبه إن مفيش جواها أي ممنوعات، فبتيجى إخبارية أن موظف من جوة يقول الحق ده وانا بكشف لقيت الممنوعات أو حاجات مخالفة»، يعترف الحجار أن أجهزة الإكس راي غير منتشرة في كل أبواب ميناء بورسعيد «فيه ناس نفوسها ضعيفة كانت بتعطل الجهاز عشان ما يشتغلش، طول ما في بنى آدم فالأخطاء واردة مفيش بشر معصوم، وبعدين أنت مش هتجيب ملايكة توقفهم في المواني».
فيما يرى د.مجدى عبدالعزيز رئيس مصلحة الجمارك أن الإدارة الجديدة تسعى لإرساء قيم جديدة لموظفي الجمارك “أيا كان الكلام اللي حضرتك بتسمعه ففي النهاية هذه قلة ولا نستطيع أن نعمم فكرة الفساد على موظفي مصلحة الجمارك”.
محاولة أخيرة لزيارة المدينة الباسلة
بعد 3 أسابيع من زيارتنا الأولى لبورسعيد، هاتفنا المستخلص الأول الذي ذهبنا له عبر وسيط السويس، واتفقنا على السفر مجدداً إلى بورسعيد، وصلنا هناك في التاسعة صباحاً من أحد أيام يناير الماضي، اتصلنا بالمستخلص وذكرناه بميعادنا المسبق معه، ونظراً لانشغاله طلب أن نمهله بعض الوقت، تجولنا لست ساعات كاملة في المدينة نرصد أماكن بيع الألعاب النارية التي عادة ما تباع داخل الأكشاك المنتشرة بشدة في المدينة الباسلة، يتحدث عنها الجميع دون خوف، هنا تجد رابطة ألتراس (Green Deviels) المهتمين بتشجيع النادي المصري، والذين يستخدمون الألعاب النارية بكثافة كعادة زملائهم من روابط الألتراس في القاهرة، في تمام الساعة الرابعة عصراً هاتفنا المستخلص ليطلب منا أن نتوجه إلى باب 40 في الميناء لملاقاته هناك، ذهبنا في تمام الرابعة والنصف وهاتفته:
– ألو.. أيوة يا أستاذ، أنا واقف قدام باب 40 أهو في المينا.
– طيب أنا طالعلك أهو..
– هتدخلني ولا هنقعد برة؟
– هدخلك.. هدخلك يا باشا..
ساعدنا المستخلص في دخول الميناء دون أي اعتراض من رجال الأمن أو موظفي الميناء، وأخبرناه بحاجة شركتنا الخاصة بمجال الأفراح إلى استيراد حاوية تضم شماريخ وألعاباً نارية، قال لنا بعد أن اطمأن لنا إن طريقة تعامله تكون بالكرتونة «أنا ماليش دعوة بمحتوى الكرتونة، أهم حاجة إنها كرتونة وبس، صغيرة أو كبيرة، يعني لو هتجيب 10 شماريخ في الكرتونة أنا هحاسبك بألف جنيه خليتهم 100 شمروخ في الكرتونة هاخد برضه الـ1000 جنيه»، يستشهد بزميل له كان مصاحباً لنا ونحن نتجول في الميناء بمنتهى الحرية وسط أصوات المراكب الزائرة للميناء «إحنا بنشحن حالياً 70 كرتونة صنف معين، واخدين فيهم كام يا بني؟»، يرد صديقه: «100 ألف جنيه من غير فصال» يشرح لنا المستخلص علاقته بموظفين في الميناء يساعدونه في التهريب «أنا برجع على الكشف بتاع الحركة بشوف مين الكشافين الموجودين بيظبطوا، بروح على الكشاف الفلاني، المصلحة الفلانية تعد معاك كام؟، وساعات أخش لمدير التعريفة أقول له عاوز أضرب إمضتك، يقول ماشي اضرب مع نفسك عيش حياتك، يصنف المستخلص أنواع الموظفين في الميناء: موظف لا يغادر مكتبه ويتركه ينهي الأوراق كلها ثم يقوم بالاتفاق معه على حصته بالشحنة، وموظف يقوم بالتفتيش حتى لا يخدعه المستخلص ويدخل كمية أكبر من المتفق عليها «أهم حاجة تظبط معايا وإنت في الصين على شات الواتس أب، تبعت لي مكان الكراتين فين في الحاوية، زي ما كل الناس بتعمل معايا»، يقول المستخلص في محاولة للاتفاق معي، وحين أخبره بأننى أخشى من رجال الداخلية يرد بثقة: «ما فيش داخلية في بورسعيد.. خدها قاعدة»، يضيف زميله: «أنت جوة مينا ممنوع تدخلها، حد سألك رايح فين ولا جاي منين؟»، أنهينا الزيارة بعد أن أمضينا ساعة ونصف داخل أرض الميناء على أمل العودة لإعطاء الموظف كافة أوراق الشحنة المزعومة، يشرح د. مجدى عبدالعزيز، رئيس مصلحة الجمارك دور المستخلص، فيقول: «المستخلص وسيط بينى وبين المستورد أو المصدر أو المتعامل بشكل عام في أنه يقوم بإتمام الإجراءات الجمركية بديلاً عن صاحب الشأن، يحصل على دورة 6 أشهر، ثم رخصة ليفتتح مكتباً خاصاً به».
حالات فردية:
أمضينا ليلتنا تلك في بورسعيد نتنفس رائحة البحر ونراجع كلام المستخلص الجمركي الذي أدخلنا الجمرك وأطلعنا على أسرار خطيرة، تجيب لنا على سؤالنا في البداية عن كيفية أدخال تلك الألعاب إلى مصر، كنا قد وصلنا إلى بداية الشهر الرابع من عمر هذا التحقيق الاستقصائي، توجهنا إلى «باب 20» في ميناء بورسعيد لمقابلة محمد أبواليزيد رئيس الإدارة المركزية لجمرك بورسعيد لنواجهه بما وصل إليه تحقيقنا «ما حدش بيدخل المينا، لازم يبقى حاطط بطاقته والـCV بتاعه لوزارة الداخلية ويدوا له تصريح للدخول للدايرة الجمركية»، بتلك النبرة الواثقة بدأ الحديث معنا حتى قمنا بعرض فيديو مختصر لدخول الميناء لعقد صفقة التهريب، صمت الرجل للحظات معدودة من هول المفاجأة قبل أن يحاول مرة أخرى أن يعطينا تفسيراً واضحاً لما شاهده للتو «والله ممكن حالات فردية، حضرتك لو جيت بدري الساعة 2 الظهر هتلاقي وزارة الداخلية ورئيس المباحث نفسه واقف في الميناء في الأرض وبيدور، وأي حد معدي حتى لو حضرتك شخصياً هيقولك تصريحك فين؟». استعاد الرجل نبرته الواثقة التي بدأ الحديث بها معنا ولكن إجابات النفي التي قد بدأ بها الحوار مع «الوطن» سرعان ما تحولت إلى شرح مبسط لواقع موجود بالفعل «اللي يعمل كدة موظف مش ملتزم وموظف وحش، وأنا ما أنكرتش إن إحنا عندنا كدة وكانت كتيرة أوى وكانت المخالفات كتير لكن مفيش حد بيتساب بالشبهة».
حالات التلبس فقط
غير أن الواقع يبدو مختلفاً كلياً، أمضينا أسبوعين في محاولة الحصول على بعض المخاطبات الرسمية التى تجري داخل مصلحة الجمارك، والخاصة بالموظفين المشكوك في نزاهتهم أو الذين ضبطوا متلبسين، ونجحنا في الحصول عليها من أحد المصادر، ليتبين لنا قصور أوجه القانون المتحكم بالعمل الجمركي، يظهر المستند الخاص بجمرك الإسكندرية قيام موظفين بتقديم بيانات مغلوطة لشحنات، ما أضاع أموالاً هائلة على الدولة، لكن العقاب كان بخصم 20 يوماً فقط من كبيرهم وخصم 10 أيام فقط لباقي الموظفين الذين أهدروا الملايين على خزانة الدولة.

أما المستند الثاني، وهو شكوى من أحد المستخلصين الجمركيين بميناء الإسكندرية تفيد بوجود موظف بالأمن يطلب رشاوى من جميع المستخلصين، وكانت نتيجة التحريات بالمستند الثالث أن الشكوى صحيحة، وأن الموظف أقام علاقات واسعة مع مستخلصين كثر وأوصت التحريات بنقل الموظف، وبالفعل حسب المستند الرابع، تم نقل الموظف إلى ميناء السخنة في منصب كبير الباحثين بدرجة مدير أمن عام الجمارك، وذلك بدلاً من أن يجرى معه تحقيق أو يفصل حيث إن نص قانون العمل الداخلي لمصلحة الجمارك يوصي بفصل الموظفين في حالة التلبس فقط وليس الشبهات.
“بخرجه أوديه في مكان ما يشتغلش فيه ما يتعاملش مع جمرك، يقعد في شئون إدارية في شئون العاملين، يقعد في حاسب آلى، لكن ما يتعاملش مع جمارك” هكذا يخبرنا د. مجدي عبدالعزيز عن التصرف مع الموظفين المشكوك في نزاهتهم وحين سألناه لماذا لا يتم فصلهم مرة واحدة، أجاب: «إذا اتمسك متلبس باوديه النيابة غير كده أنقله فوراً».
يستنكر العميد عاصم الحجار، رئيس مباحث الجمارك عدم إعطاء صفة جريمة التهرب الجمركي كجريمة مخلة بالشرف وإنما يتم التعامل معها كمخالفة تنتهي في معظم الأحوال بالتصالح ودفع الأموال «القوانين ما بتساعدش، قوانين الجمارك من الستينات وأصبح فيه تطور هائل من الستينات لحد دلوقتي، القوانين لازم تواكب التطور ده إنما القوانين ما بتساعدوش، مانا بخلي جريمة السرقة العادية مخلة بالشرف كان من باب أولى أخلى المهرب ده اللي بيحط إيده في جيب المصريين كلهم وبياخد حقهم وبياخد قوتهم أنها تبقى جريمة مخلة بالشرف والأمانة».
منظومة متكاملة لبهجة ممنوعة:

«كان فيه 86 شاب فضلوا في السجون أو أقسام الشرطة لمدة 70 أو 80 يوم وفيه غيرهم 100 يوم وفيه غيرهم شهور ولد طالب جامعي اتمسك بشمروخ»، يخبرنا المحامي محمد رشوان، محامي جماعات الألتراس، عن بعض القضايا الخاصة بالشباب الذين حملوا ألعاباً نارية داخل مسيرات أو وقفات احتجاجية، يواصل: «الشمروخ أصلاً دخل الجمارك عادي جداً اتباع في العتبة عادي جداً، دخل المدرج الشمروخ عادي جداً، لما الشاب اتقبض عليه عائلته كلها اتدمرت».
أما محمود عبداللطيف، والد الطفل محمود، الذى فقد ذراعه بسبب شمروخ فيتساءل: «طيب حق ابنى فين، عند المستورد ولا التاجر الكبير ولا اللي جابهولنا البلد هنا،.. خلاص حقه ضاع زي ما دراعه طارت»، يبكي والد محمود وهو يختتم حديثه معنا، في حين يشرح لنا محمود تفاصيل يمر بها يومياً تشعره بالعجز الممزوج بالقهر “أتمنى أشطف نفسى، نفسى أسرح وألبس البنطلون لوحدي، بصحي أبويا أو أمي الساعة 2 بالليل علشان يدخلوا معايا الحمام» تقف دمعة حائرة في عينيه ترفض النزول على وجنتيه قبل أن يكمل «نفسي ألعب كورة تاني مع أصحابي، ونفسى العيال لما تشوف دراعي ماتخافش منه.. أنا مش هجيب صواريخ تاني”.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم شبكة إعلاميون من أجل صحافة إستقصائية عربية (اريج)


تعليقاتكم