الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:٥٣ مساءً

أعراس مصريين تضيِّف المحتفلين "بانجو مخلوط"

16 ديسمبر 2014
أمال معوض

الفجر –  عدسة المصور تجوب الفرح وتلتقط “فرفشة” حلقات من الشباب يفترشو حصرًا بلاستيكية دائرية، تتوسطها أطباق الترمس والسوداني وأكواب الشاي. يمر والد العريس مرحباً بضيوفه، ثم يتوقف أمام كل حلقة ليقدم لها طبقاً من “الفويل” (رقائق قصدير حافظة) به مادة خضراء تشبه النعناع الجاف؛ هي «بانجو مخلوط» لرفع منسوب النشوة وتعديل “الكيف”.

يبتهج الحضور، فيبتسم الرجل بدوره ليواصل توزيع “التحية” في فرح نجله في مركز الفشن بمحافظة بني سويف. لا يكترث هذا النجّار بتكلفة المخدر، حتى لو استدان ثلاثة آلاف جنيه – ضعف دخله الشهري- لتأمينه.

وسط حلقة من المهللين، يتراقص شقيق العروس بشكل هستيري. أصدقاء هذا الطالب في الثانوية يرون أنه “زود العيار حبتين” ذلك أنه يتعاطى البانجو للمرة الأولى. ولسوء طالعه أنه بدأ من حيث انتهى الآخرون.. “البانجو المخلوط”، أو ما يسمى بـ”الصراصير” أو حبوب الهلوسة، بفعل خلطها بـ”ترامادول” و”باركينول”. ويُخلَط أحيانا بـ”البنج” المستخدم في العمليات الجراحية، لمضاعفة تأثير المادة المخدرة على الدماغ.

هذا المشهد بات “موضة” في أفراح مصريين، حيث يوزع “البانجو” باعتباره “طبق” ضيافة. ولزيادة تأثيره، يخلط بعقاقير كيميائية، ما يضاعف ضرره على صحة متعاطيه، خصوصا الجهاز العصبي ويؤدي لفقدان ذاكرة مؤقت.. هلاوس سمعية وبصرية مع نوبات اكتئاب حاد.

“الفجر” أجرت سلسلة جولات على مدى ستة أشهر في أفراح مصريين وداخل خمسة مراكز إدمان عامة وخاصة، لتكتشف أن إدمان 70% من متعاطي البانجو المخلوط بعقاقير طبية، يبدأ في الأفراح الشعبية، وتقر غالبية الحالات في هذه المراكز بأنها تعاطته للمرة الأولى هناك.

ومن بين عشرة أفراح حضرتها “الفجر” في: القاهرة، الشرقية، الجيزة، بني سويف، رصدنا حالات توزيع بانجو مخلوط “علنية” في سبعة منها.

أصحاب الافراح يشعرون بالاسترخاء والإفلات من العقوبة، بسبب تراخي السلطات أو إحجامها عن لجم هذه الظاهرة، الآخذة بالاتساع وسط تشجيع الأهالي.

مساعد وزير الداخلية السابق لإدارة مكافحة المخدرات اللواء مصطفى عامر يقول إن “توزيع البانجو المخلوط تحول للأسف إلى عادة في الأفراح الشعبية بمصر، ما أتاح الفرصة للكثير من الشباب ليتعرفوا علبه للمرة الأولى في هذه المناسبات”. ويستدرك اللواء عامر في مقابلة مع “الفجر”: “غير أننا نراعي البعد الاجتماعي ونتجنب اتخاذ أي إجراءات في المناسبات العامة، ولا نفسد على المواطنين أفراحهم، خاصة إذا كان الموضوع غير معلن”.

أما مأمور قسم الطالبية العميد طارق عبدالعظيم  فيقول: “للأسف توزيع البانجو أصبح عادة في معظم الأفراح الشعبية، ففي منطقة الطالبية بالهرم، تنتشر هذه العادة في الأفراح لأنها منطقة شعبية”. على أن العميد عبدالعظيم يؤكد: “نحن لا نتعامل مع الفرح ولا نتدخل خلاله، لأن الكثافة العددية الموجودة في الأفراح، تجعلنا نخاف من أن يتم إطلاق النار عشوائيا فتقع إصابات”. لذلك فإن الحل الوحيد أن نتابع التاجر إذا عرفناه،وننصب له كمينا للقبض عليه، ولكن لا نتدخل خلال الفرح.

غالبية سكان “الفشن” يعيشون تحت حد خط الفقر. يقطن هذه المدينة 394.342 نسمة حتى 1/1/2013، من إجمالي سكان محافظة بني سويف البالغ عددهم قرابة ثلاثة ملايين نسمة، وفقا لتقديرات الجهاز القومي للسكان.

تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات (2013) يشير إلى أن 40% من المصريين المقدر عددهم بـ 90 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر، بمتوسط دخل دولارين للفرد يوميا.

ظاهرة توزيع البانجو في الأفراح، تقليد قديم في مصر ظهر أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعد ابتعاد المصريين عن توزيع “البيرة” والخمور في الأفراح، لانتشار الجماعات الإسلامية حينها. ثم غدا “البانجو” هو “الكيف البديل” غير المعلن. وما لبثت هذه الظاهرة أن انتشرت تدريجيا على امتداد غالبية الطبقات المجتمعية والخلفيات، وباتت معظم الأفراح الشعبية، تقدم البانجو على الملأ “تعبيرا عن كرم الضيافة”، وسط تجاهل السلطات وإقرارها ضمنيا بالظاهرة كنوع من العادات والتقاليد. أما عن ظاهرة خلط البانجو وإضافة مواد مخدرة كيميائية إليه، فهي حديثة على المجتمع المصري، إذ أخذت في الانتشار منذ 2011، مع ضعف القبضة الأمنية التى واكبت التغييرات السياسية في البلاد، بحسب دراسة صادرة عن مركز البحوث الاجتماعية في 2009.

فرح “الفشن”

والد العريس في مركز الفشن لا يعرف المواد التي يخلط بها البانجو، لكنه يقول: “ما إن تمر ساعة على توزيع الإكرامية على المدعوين، حتى يتحولون إلى شعلة نشاط، ويقومون بالرقص والغناء وإضافة حالة مبهجة للفرح”.

أحد المدعوين – عبد الهادي – يقول إن البانجو المخلوط أصبح “وسيلة للمباهاة وجذب الحضور في الأفراح”. ويرى أن “الناس تعبانة وما بتصدق أي حاجه تبسطها ببلاش. وبنعيش نستنى الأفراح دي لأن ما حدش فينا يقدر يشتري البانجو ده كل يوم”.

“الفجر” جمعت خمس عينات بانجو مخلوط من أفراح شعبية في الشرقية، بني سويف بواقع عينة من كل مكان، ثم حملتها إلى معامل تحاليل حكومية، ورفضت فحصها لعدم وجود أجهزة مختصة بهذه التحاليل.

مسؤولون في ثلاثة معامل”المركزية بوزارة الصحة، الطب الشرعي وكلية الصيدلة جامعة القاهرة، أبلغونا أنهم ممنوعون من التعامل مع الصحافة في هذه القضايا الشائكة. وأخيرا لجأنا إلى معمل تابع لجهاز شؤون البيئة بمدينة السادات/ محافظة المنوفية، الذي وافق بشرط إحضار 250 جراما من كل نوع، أي ما يعادل 750 جراما من البانجو. لكن المستشار القانوني حذّر من أن حيازة مثل هذه الكمية، ستضعنا تحت طائلة قانون رقم 122 سنة 1989، وبالتالي قد تتعرض “المحررة” لعقوبة سجن تتراوح بين 15 و25 عاما. وعندما حاولنا الحصول على تصريح من النيابة لإجراء هذه التحاليل، رفض الطلب بدعوى أن الصحافة ليست مهمتها حيازة وتحليل المواد المخدرة.

وهو ما دفعنا لتوثيق الأضرار التي يتعرض لها مرضى مراكز علاج إدمان ومخاطر المدخلات المضرة على صحتهم، من خلال تحاليل وتشخيص أطباء مراكز العلاج.

مدير وحدة الإدمان في مستشفي العباسية للصحة النفسية د. عبد الرحمن حماد، يقول إن وحدة الإدمان – الأكبر على مستوى الجمهورية- تستقبل سنويا قرابة 10 آلاف حالة بين متعاط ومدمن. ألف من هذه الحالات تحتجز للعلاج من الإدمان.

يؤكد د. عبد الرحمن أن البانجو يعد من أكثر المواد المخدرة ضرراً، إذ يحتوي على 60 مادة سمية، من بينها مادة “التوكسيد” التي تصيب المتعاطي بتلف في المخ.

الفحوص التي أجريت على نزلاء المركز، أثبتت خلط البانجو بالترامادول والحنة ومادة “دينتزو ديزايبين” المنومة، بحسب د. عبدالرحمن، لافتا إلى أن هذا المزيج الكيميائي يُفقِد المتعاطي الإحساس بجسمه، ومن ثم يُقدِم على إيذاء نفسه دون قصد.

الأعراض الطبيعية لمتعاطي البانجو، تشمل: الشعور بارتخاء الأعصاب، نشوة مؤقتة وإحمرار في العين وتلعثم في الكلام. على أن أطباء المركز بدأوا برصد أعراض أخرى – حسبما يضيف- مثل: هلوسة سمعية وبصرية، شعور بأن زوجته تخونه أو أن أهله لا يحبونه. ثم يحدث له تشوش في الوعي، ويفقد الإحساس بالزمان والمكان، وأحيانا يصاب بفقدان مؤقت للذاكرة، وهذه كلها أعراض للمواد المخلوطة بالبانجو.

متعاطي البانجو يواجه عقوبة السجن بين 3 و15 سنة، حسب تقدير المحكمة وكمية المخدر المضبوط. أما عقوبة الاتجار فتتراوح بين 15 و25 سنة، في حين تصل عقوبة التهريب إلى الاعدام، بموجب القانون العام لمكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960 وتعديلاته رقم 122 لسنة 1989.

في تقرير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات لعام 2013، احتل البانجو المرتبة الأولى في قائمة المضبوطات. إذ ضبط 212 ألف كيلوجرام من البانجو تتجاوز قيمتها 15.7 مليار جنيه 1.2 مليار دولار خلال ذلك العام، من إجمالي 18 مليار جنيه (2.4 مليار دولار)، هي حجم تجارة المخدرات المضبوطة سنوياً في مصر، بحسب تقرير المخدرات العالمي لعام 2014، الصادر عن الهيئة الدولية لمكافحة المخدرات بالأمم المتحدة.

الترامادول العقار الأشهر الذي يخلط بالبانجو. وهو علميا علاج مسكن للآلام المتوسطة والشديدة، له تأثير مخدر ويعمل على خلايا محددة في الدماغ، فيحبط عملها، ما يتسبب بفقدان الشعور والراحة النفسية والجسدية.

ولأن هذا العقار يسبب الإدمان، توقف بيعه في الصيدليات إلا بوصفات طبية. ولكنه يهرب ويباع كمخدر. آخر كمية ضبطتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات كانت بقيمة نصف مليار جنيه في أغسطس 2013.

أفراح الشرقية

لافتة كبيرة تتصدر شارع البوسطة في مدينة الزقازيق، تدعو أهالي المدينة للمشاركة في زفاف نجل أحد كبار التجار في محافظة الشرقية. تمتد الطاولات لتغلق الشارع العام. عدد الحضور حتى هذه اللحظة تجاوز الألف، كلهم يتلهفون لمتابعة وصلة راقصات اعتلين “خشبة مسرح” منصوب في منتصف الشارع. على “مسرح” موازٍ يتراقص مطرب شعبي معروف، ليشعل الأجواء. تجار وكبار الضيوف يتوسطون الصفوف الأولى، بينما يقدم فتيان واجب الضيافة تباعاً: أرز ولحوم ثم أطباق فاكهة، وأخيراً زجاجات بيرة، شاي وعبوات بانجو مخلوط.

في فرحي الفشن والشرقية، أحضر البانجو المخلوط من تاجر في مدينة كوم السمن في القليوبية، التي تبعد 172 كيلو مترا عن بني سويف.

توزيع البانجو يتولاه شقيق العريس الأصغر الذي رفض ذكر اسمه، يقول لـ”الفجر” إنه طلب “خلطة خاصة تليق بهذا العرس” من كوم السمن. وبالفعل حضرت “تحويجة” خاصة للبانجو مع “الترامادول” و”الباركينول” مقابل خمسة آلاف جنيه (700 دولار).

عزت “اسم مستعار”، يأتي إلى الفرح “للمجاملة وتعديل المزاج”. ويرى أن “البانجو ده مش حرام.. ده أعشاب زي النعناع والزنجبيل وكلها مفيدة للجسم”.

 تبعات “الصراصير”

حمودة (28 عاما) يتعافى في (عنبر 6 رجال) داخل وحدة معالجة الإدمان في مستشفى العباسية منذ خمسة أشهر. اعتاد تعاطي البانجو منذ كان في الثامنة من عمره. كان يذهب مع أصدقائه إلى الأفراح الشعبية، وينتظرون لحظة توزيع أكياس البانجو على ضيوف العروسين. يختلس أحد الصبية “كيساً”، ثم يبدأون احتفالهم على طريقتهم الخاصة.

امتهن حمودة تجارة الخردة على خطى والده. غير أن حالة “التوهان” التي لازمته أخيرا، جعلت والده يطرده من العمل، فيما هددت زوجته بالانفصال ما لم يتخلص من إدمانه للبانجو.

“لم يعد البانجو العادي مناسباً لحالتي المزاجية. كان النوع الآخر الذي يُقدَم في الأفراح الشعبية مختلفاً جداً وله تأثير السحر. عرفت أنه يصنع بشكل ما في قرية كوم السمن، فقررت أن أصنعه بنفسي بعد خلطه بسبراي البنج”.

فقدتُ القدرة على التعرف على أولادي وزوجتي، كل ما كان يهمني آنذاك، هو تصنيعه وبيعه لزملائي، وكنت أجني أكثر من 7 آلاف جنيه (1000 دولار) شهريا، في حين كان دخلي في بيع الخردة لا يتجاوز 1400 جنيه (200 دولار)

تتدخل زوجته العشرينية وهي ترتدي عباءة سوداء وغطاء رأس ينسدل فوق كتفيها: “تدهورت حالة زوجي جداً، فقد كثيرا من وزنه وصار لا يتذكر أي شيء. يغيب عن الوعي لساعات طويلة، يميل إلى العزلة، وصار سريع الانفعال”.

يصنف الطبيب المعالج إبراهيم أحمد حالة حمودة بأنها مزيج من الإدمان إلى جانب اضطراب نفسي، لذا أدخل إلى قسم التشخيص المزدوج. وبحسب الطبيب، فإنه يعاني من فقدان مؤقت للذاكرة وهلاوس سمعية وبصرية، نتيجة كميات البنج الكبيرة التي أثرت على جهازه العصبي.

في كتابه “الإدمان طريقك للهاوية”، يكشف أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان د. عبدالهادي مصباح عن نوع من البانجو، يخلط مع مخدر آخر مثل الكوكايين، متسببا بحدوث هلاوس بصرية. كما يخلط بمادة “ماكستون فورت” المنشطة للجهاز العصبي، لزيادة فاعلية البانجو وتأثيره. وهذا يفاقم أضراره على الجهاز العصبي المركزي، ويدمر خلايا المخ بشكل كبير. ويرى مصباح أن هذا المزيج يتحول لإدمان، وبالتالي يكون من الصعب على المتعاطي التخلص منه.

مستشفى الحياة

“في العامين الماضيين استقبلنا حالات تظهر عليها علامات تختلف عن إدمان تعاطي البانجو المعتاد، رغم تأكيد المرضى أنهم يتعاطون البانجو فقط”، يقول طبيب الإدمان في مستشفى الحياة الخاصة د.إسلام هندي، ويضيف إن أعراض تعاطي البانجو العادية تكون عبارة عن تقلصات في المعدة، وصداع وأرق وإسهال وارتخاء في الجسم.

رصد أطباء المستشفى أيضا حالات تصاب بنوبات إغماء وتشنجات وهذيان. ومن خلال التحاليل المختبرية في المستشفى اكتشفوا وجود مادتي (الترامادول) و”البنزودايازابين” في دماء المرضي، وهو عقار طبي يستخدم كمادة منومة ومضادة للقلق.

في أحد الأقسام بمستشفى الحياة التقت معدة التحقيق مع هدى؛ خمرية يعلو وجهها شحوب واضح، رغم أعوامها الثمانية والعشرين. تحمل شهادة ليسانس آداب، بدأت رحلتها مع البانجو من خلال شقيقها الأصغر طارق الذي يعمل مطرباً شعبياً.

اعتاد طارق الحصول على جزء من أجره على هيئة كميات من البانجو للتعاطي أو للاتجار. كان يخزنها داخل المنزل في أغلب الأحيان، وامتدت يد هدى لتتذوقه للمرة الأولى على سبيل التجربة. غير أن التجربة دامت خمس سنوات دون توقف.

“في السنتين الأخيرتين، كان شقيقي يجلب نوعاً مختلفاً من البانجو، تأثيره مختلف تماماً، يسبب لي حالة من الإنتشاء وعدم الإحساس بالمحيطين بي”، تستذكر هدى ثم تواصل: “تدهورت علاقتي بخطيبي المدرس الجامعي. وعندما بدأت أصاب بهلاوس بصرية ونوبات إغماء متكررة، اصطحبني إلى الطبيب ليكتشف – بعد إجراء بعض التحاليل- إدماني للمخدرات”. وهكذا “أنهى علاقته معي وقررت أسرتي نقلي للمستشفى”.

 (جميع أسماء المرضي وهمية، لاحترام خصوصيتهم وحتى لا يقع البعض منهم تحت طائلة المساءلة القانونية).

هنا يُصنّع البانجو المخلوط

انتشر صيت قرية “كوم السمن” كأحد أوكار زراعة وترويج المخدرات منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي.

الإحصاء الأخير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2006، أشار إلى أن تعداد سكان القرية بلغ آنذاك 6750 نسمة. وهي تتبع إداريا مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية.

المسلك الرئيس للقرية والموازي للترعة، يقودك في طريق غير ممهد تحفه منازل بسيطة ومحلات بقالة ومقاه شعبية. وبعد عدة أمتار تجد مجموعة شباب يحيطون رجلاً يضع أمامه جوالاً بلاستيكياً، يبيع لهم البانجو علنا. ثمّة أعين خبيرة تراقبك عن كثب، عندما لا تتوقف عند بائع البانجو، يطلقون نحو سيارتك مجموعة صبية لا تتجاوز أعمارهم العاشرة. يسألونك عن “كيفك” الذي تبحث عنه. نصائح المترددين على القرية تقول: “لا تترك زجاج سيارتك مفتوحاً، لا ترتدي ملابس أو نظارة أو ساعة ثمينة، لا تخرج نقوداً من جيبك. وأخيراً.. أغلق أبواب سيارتك ولا تخرج منها مهما حدث”.

عند مدخل شارع جانبي، يستوقفك شاب ثلاثيني يقول إن اسمه بدر. يضع حقيبة سوداء عند خصره، بينما يبيع “تذاكر” هيروين. وفي يده كيس بلاستيكي يحتوي على بانجو مخلوط، راح بدر يعدد أنواع البانجو وقائمة الأسعار.

باكتة البانجو السيناوي (20- 30 جرام) بعشرة جنيهات، والربع كيلو بمائة جنيه. أما الأفغاني فيتراوح سعر الربع كيلو بين 150 و200 جنيه ـ25 دولارًا تقريبا، بحسب جودته.

البانجو المخلوط هو الأعلى سعراً، ويتوقف على نوع المادة التي يخلط بها، إذ يرتفع سعر الباكتة المخلوطة بمادة البنج إلى 15 جنيهًا، والمخلوط بالباركينول إلى 20 جنيها وبالترامادول إلى 30 جنيهًا.

تحاليل جامعة مسيسيبي الأمريكية

يعمل في جامعة المسيسيبي بالولايات المتحدة استاذ الصيدلة الطبيب محمود السُحَلي، مديرا لمشروع أبحاث على مخدر الماريجوانا بتمويل المعهد الوطني للمخدرات، وفي مراسلات عبر البريد الإلكتروني، حملنا إليه ما توصل إليه التحقيق والصعوبات التى حالت دون تحليل عينات البانجو المخلوط، فأكد بدوره انتشار هذه الأنواع وثبوت تأثيراتها السلبية على دماغ المتعاطين، تبعاً لنوع المادة المخلوطة بها.

يقول السُحَلي إن التأثيرات قصيرة الأمد لتعاطي البانجو المخلوط، وتشمل: ضعف الذاكرة، ضعف التناسق الحركي وعدم القدرة المنضبطة للحكم على الأمور. كما أن تعاطي كميات كبيرة منه، تصيب بأمراض جنون الارتياب والاضطراب العقلي “الذهان”.

وبالنسبة للأشخاص الذين لديهم ضعف جيني، فمعدلات إصابتهم بمرض الفصام تكون عالية، بالإضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي وفرط تضخم الرئتين والإلتهاب الشعبي المزمن. يقول السُحَلي إن تعاطي البانجو المخلوط في مرحلة المراهقة، يؤدي إلى ضعف الروابط العصبية في الجسم، بخاصة في المراكز المسؤولة عن التيقظ والتنبه والذاكرة والتعلم في الدماغ. كما يربط بين استخدام البانجو المخلوط وانخفاض مستوى الذكاء لدى المراهقين.

p.2

عمال منتشون

يمتد استخدام البانجو إلى قطاعات العمل، محدثا أضرارا صحية لدى المتعاطين.

حين لاحظ صاحب إحدى “قمائن” الطوب في القناطر الخيرية أن عماله المسؤولين عن فرن حرق الطوب يتهربون من عملهم طمعاً في ساعة نوم عند الظهيرة، قرر منحهم سيجارة من حشيشة البانجو المخلوط بمادة الترامادول والباركينول المخدرتين في منتصف اليوم لـ”الحفاظ على يقظتهم”.

محمود مكاوى، شاب في الخامسة والعشرين، يعمل “حراقا” في قمينة طوب قديمة. حرفته الشاقة ،تركت تشققات على كفيّه وحروقا داكنة على ساقه. اضطر للقدوم إلى وحدة علاج الإدمان بمستشفى العباسية للصحة النفسية، بعدما تكررت إصابته بنوبات إغماء مفاجئة أثناء سيره، فبات غير قادر على الاستمرار في حرفته التي تتطلب منه الوقوف على حافة فرن حرق الطوب مقابل راتب 900 جنيه شهرياً (130 دولارًا) يعول به زوجة وطفلين.

يروي محمود رحلته مع الإدمان القسري: “كنت أعرف أن صاحب العمل يضيف مواد للبانجو الذي يقدمه لنا يومياً بالمجان. كان يساعدنا على البقاء منتبهين حتى أثناء الليل، واعتدت عليه حتى صرت لا أستطيع الحياة بدونه”. ازداد احتياج محمود للبانجو “وصرت أتعاطى 10سجائر على الأقل يومياً- على مدى ثلاث سنوات”. وكان يصاب بنوبات إسهال مستمر وإغماء وصداع مزمن، إلى جانب عدم قدرته على النوم لأيام متواصلة، حسبما يشتكي: “وعندما شاهدت زميلي في العمل يسقط داخل الفرن ويلقى حتفه بعد أن فقد إتزانه بسبب البانجو، تركت العمل وقررت المجيء هنا لإنقاذ نفسي”.

أنجز هذا التحقيق بدعم شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net وباشراف الزميل هشام علام.


الصحفي


المشرفين



تعليقاتكم