الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ١٢:٠٩ مساءً

احتيال في تصدير الأغنام من جورجيا إلى البلدان العربية

1 ايلول 2017

تسكريالا شيرماديني

OCCRP– قاد عشق بيكا غوناشفيلي للموسيقى الشعبية التقليدية في جورجيا إلى امتهانه تجارة تصدير الأغنام منذ ما يقرب من عقد من الزمن. ولكنه حاليا يغنّي أغنية حزينة مدّعيا أن الشركات المرتبطة بالحكومة قد دفعته إلى ترك هذه المهنة المربحة.

قطعان من الأغنام على احد جبال جورجيا في منطقة توشيتي. (الصورة: ستوديو مونيتور)

في عام 2008، فشل عمل والد غوناشفيلي في مجال تجارة الأغنام، فطلبت منه والدته المساعدة. حين ذاك أخبر قصته لصديق قديم له كان قد انتقل إلى تركيا بعد أن تزاملا معا ضمن فرقة موسيقية. فقام صديقه بتنسيق موعد له لعرض قصته أمام اسماعيل يلدز، وهو من أهم مستوردي الأغنام التركية.

أحضر يلدز مجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين إلى جورجيا، وكانوا قد أحبّوا ما رأته عيونهم.

بيكا غوناشفيلي، مزارع الأغنام الجورجي، ورئيس جمعية رعاة جورجيا. (الصورة: ستوديو مونيتور)

تعد تجارة الأغنام للذبح من الأعمال الكبيرة في المجتمعات الإسلامية التي تتجنب أكل لحم الخنزير. وتضّحي العائلات المسلمة خرافا حيّة، إتباعا للسنّة في “عيد الأضحى”؛ من أقدس الأعياد الدينية. وتتناول عائلات بعض لحمه قبل توزّع الباقي في أبواب الصدقة. وفي هذا الاحتفال الديني السنوي الكبير، يزداد الطلب العالمي على خراف الذبح ليصل حوالي 100 مليون رأس من الغنم سنويا، في الدول العربية والإسلامية (57 دولة)، وغيرها من البلدان التي يقيم فيها مسلمون. 

وسرعان ما توافد التجار في المناسبات إلى جورجيا، وليس فقط من تركيا. فارتفعت الأسعار في غضون ثلاثة أشهر.

يقول داتو أوتيرويدز، وهو مزارع أغنام من منطقة توشيتي الجبلية النائية في جورجيا: “إنهم يصلون ضمن مجموعات من دولتين أو ثلاث دول عربية، فنقوم بتوجيه قطعان الأغنام إلى أحد الجسور، ويشترونها جميعها بدون طرح أي أسئلة”.

موسخان أوزباخيف، وهو مزارع آخر في ذات المنطقة، يتذكر تلك الأيام بكل فخر: “كانت الأغنام لا تساوي شيئا. كنت أبيع الخروف مقابل كيس من الطحين. في عام 2008، تدخل أجانب من دول أخرى، فارتفعت الأسعار فجأة لتصل إلى 60 دولارا أمريكيا لكل خروف”.

موسخان أوزباخيف، مزارع أغنام جورجي. (الصورة: ستوديو مونيتور).

نمو سوق تصدير الأغنام الحيّة

وفقا لإحصائيات الحكومة الجورجية، فقد كان هناك شركتان فقط في عام 2008 تعملان في مجال تصدير الأغنام، وكانت الأغنام تشحن إلى أذربيجان فقط. وبحلول نهاية عام 2009، ظهرت 21 شركة جديدة لتصدير الأغنام إلى أرمينيا، الأردن، لبنان، والمملكة العربية السعودية.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن الحكومة الجورجية إلى أن عدد الأغنام المصدّرة ارتفعت 10 أضعاف خلال تلك الفترة، كما ارتفع سعر الخروف الواحد بمقدار النصف. وقد تم تصدير 25271 رأس من الغنم في عام 2008، مقابل 1,1 مليون دولار أمريكي. وفي السنة التي تلتها، ارتفعت الصادرات إلى 266540 رأس بقيمة 17,1 مليون دولار أمريكي.

ويقول مزارعو الأغنام الجورجيون أن المشترين تهافتوا على قطعان أغنامهم لأنها صحّية تأكل الأعشاب، وأفضل من البدائل المتوافرة في أسواقهم. ويضيفون بأن الأغنام المستوردة من أرمينيا المجاورة لجورجيا، كانت على النقيض من ذلك، فهي  تباع بأقل سعرا لأنها تتغذّى جزئيا على الحبوب، وأحيانا تعاني من أمراض الأغنام الشائعة.

ولكن، كانت طفرة استفادة معظم الشركات من تصدير الأغنام قصيرة الأجل. ففي غضون عامين، بدأت الشركات الناشئة بالإغلاق. وبحلول عام 2013، لم يتبق سوى خمسة مصدّرين.

وإعتبارا من عام 2017، بقي أربعة مصدرين فقط؛ اثنان منهم لا يصدّران سوى أعداد صغيرة من الأغنام لأذربيجان. أما الآخران فلهما علاقة وصلة واضحة بوزير الزراعة الجورجي السابق الذي يترأس اللجنة الزراعية في مجلس البرلمان حالياً.

ويقول مزارعو الأغنام الجورجيون أنه في الفترة التي كانت الشركات تغلق أبوابها، كان هناك ظهور لتطور جديد وهو بروز ظاهرة استيراد أغنام أرخص سعرا من أرمينيا إلى جورجيا يتم الاحتفاظ بها عدة أشهر قبل بيعها وتصديرها إلى الخارج كأغنام جورجية للحصول على أرباح مضاعفة.

الشركات المرتبطة بمسؤولين حكوميين

الشركتان المرتبطتان بالوزير الأسبق هما شركة “فكتوريا ” المساهمة المحدودة، وشركة “أكرتازي” المساهمة المحدودة، وهي تأسست قبل تسعة أيام من أواخر الصيف لعام 2013 وسجلت في نفس عنوان “تلبيسي”.

تشغّل شركة “فكتوريا” المساهمة المحدودة أكثر من 100 موظف، وتواصل تصدير الأغنام إلى المملكة العربية السعودية، أذربيجان وإيران. كما تأسست “أكرتازي” على يد مواطن من الإمارات العربية المتحدة، وتحول اسمها ليصبح “التورازي”. ولم تعرف أي تفاصيل أخرى عنها.

جيا أداميا، مؤسس شركة “فكتوريا” المساهمة المحدودة. (الصورة: ستوديو مونيتور).

تأسست شركة “فكتوريا” المساهمة المحدودة من قبل جيا أداميا. ابن أخيه، جيورجي أداميا، هو صديق مقرب وزميل سابق لوزير الزراعة خلال الفترة 2014 – 2016 أوتار دونليا، والذي كان عضوا في البرلمان بعد ذلك ورئيس لجنة الزراعة البرلمانية.

ادّعى مزارعو الأغنام الذين تركوا أعمال التصدير أن الحكومة تتحيّز لهاتين الشركتين، وأنها وضعت عراقيل وحواجز بيروقراطية أمام الشركات الأخرى، مما دفع بهم لترك هذه الأعمال التي تعد مربحة ومفيدة.

يقول غوناشفيلي أن شركته تعرضت لضغوط كبيرة في عام 2013: “أدركت أنني لا أستطيع الوفاء بمعاييرهم، بما في ذلك ترتيبات الحجر الصحي، وفحوص الدم، وداء البروسيليوس (مرض بكتيري)، وكل شيء آخر. ولكن بطريقة أو بأخرى، استطاعت شركتاين فقط عمل ذلك”.

أوتار دونليا،وزير الزراعة الأسبق، في مقابلة أجرتها مراسلة “ستوديو مونيتور”. (الصورة: ستوديو مونيتور).

يلديز، رجل الأعمال التركي الذي أدّى دخوله إلى السوق الجورجية إلى  رفع أسعار الأغنام، يقول إنه خرج من هذه السوق عام 2015 بعد أن أنفق عشرات الملايين من الدولارات. ويضيف في مقابلة تلفزيونية مع زافيد تخيليدزي عام 2015: “واجه مزارعو الأغنام الذين زودوني فجأة بمشاكل جمة، مما دفع شركائي العرب بالانفصال عني والتوجه إلى التعامل مع شركات أخرى (..) كنت دائما أدفع بنظام الكاش (نقدا)، ولم يكن لدي أي مشاكل مالية مع مزارعي الأغنام”.

وفي مقابلة هاتفية أجراها مؤخرا مع ستوديو مونيتور، أوضح يلديز أن دونليا أصبح وزير الزراعة في عام 2014. وحينها استدعتني الشرطة المالية الجورجية: “كانوا يحققون معي، فسألتهم لماذا؟ فأنا مستعد لدفع قيمة الضرائب المتأخرة إذا كنت قد تخلّفت عن موعد ما، ولكنهم قالوا لا. فقمت بتعيين محامي، ولم اسمع منهم بعد ذلك”.

وبالمقارنة، نجد أن شركة فكتوريا المساهمة المحدودة لا تزال شركة جورجية تزدهر أكثر فأكثر، وفقا لوثيقة واحدة مسرّبة، فإنها تستمر في تصدير الأغنام بالشراكة مع شركة أكرتازي.

سأل مراسل يعمل لصالح “ستوديو مونيتور” الوزير السابق دونليا، كيف تمكن عم صديقه من النجاح في عمل تجاري في حين فشل الكثيرون فيه، ولماذا انخفض عدد الشركات المصدّرة بشكل سريع جدا؟

أنكر دونليا ونفى بغضب شديد مساعدته لشركة فكتوريا.

كما أنكر معرفته برسالة الكترونية أرسلت له من شركة “فكتوريا” المساهمة المحدودة خلال شهر مارس/ 2015. وتضمنت الرسالة، التي سرّبت نسخة منها إلى الصحفيين، طلبا بإمكانية تخفيض فترة حجر الأغنام الموردة إلى جورجيا من ستة أشهر إلى شهر واحد فقط: “نود أن نعلمكم انه في عامي 2013 و2014، قامت شركة “فكتوريا” بالشراكة مع شركة “ألكرناز” المساهمة المحدودة بتصدير 80,000 رأس من الأغنام الحيّة. وأن اتفاقنا الجديد لهذا العام 2015م، يتضمن تصدير 500,000 رأس من الأغنام الحيّة”.

وبما أن بلدنا لن يستطيع تلبية هذا الطلب المتزايد، فإننا مضطرون لإعادة النظر في الاستيراد من الدول المجاورة. وقد تم منعنا من القيام بذلك من خلال تعليمات وقيود الخدمات البيطرية، وإصدار شهادات المنشأ، الأمر الذي يفرض إبقاء الأغنام المستوردة لمدة ستة أشهر في البلد المضيف”.

وكتبت الوكالة الوطنية للأغذية في 23 مارس/ آذار أنها وافقت على الطلب من أجل مصلحة البلد. “ولغاية الآن، لم يتم كتابة القانون، ولا تزال فترة الحجر الصحي القانونية ستة أشهر”.

 وأنكر أداميا، مؤسس شركة “فكتوريا” المساهمة المحدودة كتابته لهذه الرسالة. وقد وعد بإجراء مقابلة معه، ولكنه رفض ذلك في وقت لاحق، وتوقف عن استقبال المكالمات الهاتفية.

قطعان من الأغنام على احد جبال جورجيا في منطقة توشيتي. (الصورة: ستوديو مونيتور)

دعوة إلى الاحتيال

ويدّعي غوناشفيلي أن صادرات الأغنام من جورجيا تجارة مربحة جدا، ولكنها في ذات الوقت تفتح أبوابا للاحتيال. ويقول أن بخمسة دولارات للرأس الواحد فقط يمكن أن تصدر شهادة مزّيفة تشير زورا إلى أن الأغنام المسمّنة في أرمينيا ولدت في جورجيا، مما يسرّع بتصديرها خلال شهر واحد أو أقل.

ويشير يلديز، المستورد التركي، إلى أن الربح من الأغنام الجورجية الأصل كان مقداره دولارين للخروف الواحد، بينما يصل الربح على الرأس الواحد من الأغنام الأرمينية 20 دولارا أمريكيا أو أكثر، وهي الأرخص سعرا يستوردها تجار في  جورجيا ثم يسوقونها على أنها جورجية بالتزوير والاحتيال.

وبما أن قارب الشحن ينقل 10,000 رأس من الأغنام، فإن أرباح  شحنة الأغنام الأرمينية التي تم تسويقها على أنها جورجية تبلغ 200,000 دولار أمريكي أو أكثر مقارنة بأرباح شحنة أغنام جورجية الأصل والبالغة 20000 دولار أمريكي فقط.

وبمساعدة أحد الشركاء من (OCCRP) في الأردن، وجدت “ستوديو مونيتور” أن جميع الأغنام الموردة إلى الأردن من جورجيا مؤخرا أدرجت على أنها من مواليد جورجيا، في حين لم يتم إدراج أي منها من مواليد أرمينيا.

كما سرت ادعاءات هناك أن الأغنام مصابة بأمراض. ويدعي مزارعو الأغنام الجورجيون أن بعض الأغنام الأرمينية صدّرت وهي تحمل مرض جدري الأغنام. وتؤكد الوكالة الوطنية للأغذية أن مرض الجدري لا يضر بالبشر ولكنه يقضي على الخراف فقط، وكان قد ضرب تجارة الأغنام خلال عامي 2015 و 2016.

ويشرح غوناشفيلي بأن سفينة محمّلة بحوالي 13,000 رأس من الأغنام التي تملكها شركة فكتوريا المساهمة المحدودة قد تم رفضها من قبل المملكة العربية السعودية في ربيع عام 2015 بسبب إصابتها بداء بروسيليوس، وهو داء بكتيري معدي وشديد يمكنه الانتقال إلى البشر ولكنه نادرا ما يكون قاتلا.

وترفض شركة فكتوريا اٌلإقرار بان تكون الخراف مصابة، وتصر على أن الشحنة رفضت لخلاف تجاري بحت. لكنها لم تقدم أي تفاصيل أوفى أو وثائق تثبت ذلك. وأكدت الوكالة الوطنية للأغذية ما أشارت إليه شركة فكتوريا ولكنها لم تقدم مزيدا من التفاصيل أيضا.

كما ظهرت ادعاءات أخرى حول الاحتيال في المعاملات الحدودية أيضا. ووفقا للسجلات الجورجية، وبعد عدة سنوات من التجارة المتزايدة، توقف الأردن فجأة عن استيراد الأغنام من تلك البلاد في عام 2015. وقال مسؤولون حكوميون في جورجيا إنهم لم يتلقوا إشعارا رسميا من الحكومة الأردنية يبين الأسباب خلف هذا القرار.

وقال سامي عودات، مساعد المدير العام للموارد الحيوانية في وزارة الزراعة الأردنية، إن المفتشين الأردنيين أوقفوا استيراد الأغنام الجورجية بعد أن لمسوا فضائح وتلاعبا شبيهة بالتي شكا منها مزارعو الأغنام الجورجيون، وكانت هذه المرة قد شملت الأغنام الجورجية ذاتها.

ويبين سامي أن الخراف الأردنية تباع بأسعار أعلى من أسعار الأغنام المستوردة من جورجيا. وقد لاحظ المفتشون الزراعيون أن المورّدين الأردنيين يصدرّون الأغنام الجيورجية إلى المملكة العربية السعودية باعتبار أنها أردنية المنشأ.  يستورد الأردن الأغنام الآن من أرمينيا.

ويقول المزارعون الجورجيون إنهم لم يعد بإمكانهم العثور على سوق للتصدير. ومع زيادة الضرائب وارتفاع إيجار الأراضي لغايات المراعي، فإنهم لم يعودوا قادرين على تغطيتها ماليا. فبعضهم يحرق أطنان من الصوف في الجبال بدلا من محاولة بيعها في المدن.

وبعد أن أعدت “ستوديو مونيتور” حلقة تلفزيونية حول القضية بثتها خلال حزيران/يونيو، وعد وزير الزراعة الحالي ليفان دافيتاشفيلي بتشديد تعليمات الاستيراد والحجر الصحي حتى لا يسمح باستيراد أغنام من بلدان أخرى وبيعها على أنها من مواليد جورجيا.

ساهمت الصحافية نعيمة شوقي من إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “أريج” في إنجاز هذا التحقيق. انقر هنا للحصول على نسخة فيديو من هذا التقرير المقدم من “OCCRP ” شريك “ستوديو مونيتور”.


تعليقاتكم