الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

أنظمة اللجان الطبية تحول دون تشغيل مرضى الثلاسيميا في وظائف حكومية

10 تموز 2011
هديل البس

هديل البس/عمان نت – لم تكن بيان (28 عاماً) تعلم أن ثمة عائقا يعترض مستقبلها العملي، إلا بعد تشخيص اللجان الطبية في وزارة الصحة حالتها الصحية باعتبارها “غير لائقة” للعمل، نظرا لاستئصال طحالها اثر عملية أجريت لها في صغرها.

بيان المصابة بمرض “الثلاسيميا”، نوع من أنواع فقر الدم المزمن ينتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء إذا كان كلاهما حاملين للمرض بحسب تعربف وزارة الصحة له، استكملت الشروط المطلوبة التي تؤهلها للعمل. إلا أن بندا في قانون اللجان الطبية الصادر عن وزارة الصحة عام 1977 حرمها من استكمال مشوارها صوب الوظيفة.

تنص المادة الثالثة في ملحق (3) الواردة في نظام اللجان الطبية، على أن مستأصلي الطحال بسبب مرضي يمنعون من العمل في القطاع الحكومي. ويجادل أطباء بأن نصف المصابين بالثلاسيميا على الأقل مرشحون لفقدان طحالهم نتيجة تفاقم مرضهم. وبالتالي فإنهم يحرمون من الوظيفة أو يخسرونها بأثر رجعي في حال خضع أي منهم لعملية استئصال الطحال.

بيان التي اجتازت دراستها الجامعية “بامتياز” (عام 2008 بمجال المحاسبة)، كغالبية مرضى الثلاسيميا المقدر عددهم- بحسب إحصاءات وزارة الصحة ب 1100 مصاب، تحمل كل المتطلبات التي تؤهلها لولوج سوق العمل. غير أنها وقعت ضحية قوانين “محلية” تمنع معظم المصابين بـ”الثلاسيميا” من الحصول على وظيفة في القطاع الحكومي، على ما يشرح رئيس قسم الثلاسيميا في وزارة الصحة الدكتور باسم الكسواني.

ويرى الكسواني أن “إجحافا كبيرا يلحق بهؤلاء المرضى دون وجود أي مبرر علمي أو إنساني و اجتماعي لسن مثل هذا القانون. فحالة مرضى الثلاسيميا الصحية من مستأصلي الطحال لا تستدعي إقرار بند كهذا لأنهم قادرون على العمل”.

وينتقد أيضا استمرار هذا القانون بدون تعديل منذ إقراره عام 1977 رغم التطور في المنحى العلاجي في العقود الأخيرة.

بحسب تقديرات الكسواني، ثمة ” 30 إلى 40 % من مصابي الثلاسيميا معرضون لاستئصال الطحال. ولكن هذا الأمر لا يؤثر على صحتهم في حال التزام الدواء المطلوب بعد إجراء العملية”.

كاتبة هذا التحقيق أجرت استطلاعا ميدانيا على عينة عشوائية للتأكد من هذه النسب، فتوصلت إلى أن سبعة من كل 10 مصابين بالثلاسيميا يستأصلون الطحال، وبالتالي يسري عليهم قانون المنع من العمل في المؤسسات الحكومية.

مستشار أمراض الدم في مركز الحسين للسرطان الدكتور محمد الدويري “يوضح المؤشرات التي تستدعي اتخاذ قرار استئصال الطحال بالنسبة لمريض الثلاسيميا :”فالاستئصال يصبح حتمياً نتيجة التضخم الزائد للطحال وضغطه على الجهة اليمنى أسفل البطن، ما يسبب مشاكل متعددة للمريض”. لكنه يؤكد أن “هذه الأعراض لا تحد من قدرة المصاب على العمل بأي وظيفة كانت، واستئصال الطحال، أفضل بكثير من عمليات نقل الدم الدورية التي تتم قبل المعالجة بالاستئصال”.

حالات استثنائية والمستفيدون قله

مريض الثلاسيميا محمد روحي 23 عاما، كاد يقع ضحية القانون، حين تسلم كتاباً من وزارة الصحة ، تعتذر فيه عن استمراره في عمله، كونه تعرض لعملية استئصال الطحال في عام 2002.

ويستذكر روحي كيف أبلغته وزارة الصحة اعتذارها عن انضمامه إلى كوادر معلمي وزارة التربية والتعليم بعد ثلاثة أشهر على تعيينه بتاريخ 3/10/2010″. مشكلة روحي أن تعيينه تعارض مع القوانين بسبب خضوعه لعملية سابقا فتوقفت إجراءات قبوله.

أعاد هذا القرار روحي إلى واقعه المرير، بعد أن ظن أنه تجاوزه إُثر عمله مدرساً لعدة شهور. طرق كل الأبواب التي خيل إليه أن بإمكانها إعانته على حل مشكلته، فتوجه إلى الجمعية الأردنية للثلاسيميا والهيموفيليا،التي تحتضن وترعى ما يقارب 400 مريضا ،على أمل مساعدته. فمشكلته على حد تعبيره “ستقف عائقا امام جميع المصابين بالمرض “.

أمينة سر جمعية الثلاسيميا والهيموفيليا رحمة الحلاج تابعت ما حدث مع روحي، بأن رفعت عدة مذكرات لوزراء صحة سابقين ومسؤولين بتواريخ مختلفة، طالبت من خلالها الوزارة النظر بنظام لجانها الطبية والغاء الفقرة المتعلقة بعدم تعيين المرضى الذين يتم استئصال الطحال لديهم، رافضة قرار اللجان في الوزارة منع روحي من ممارسة عمله. وأثمر احتجاج رحمة الحلاج عن قرار استثنائي من وزير الصحة السابق د. محمود الشياب بتاريخ 17/1/2011 أعاد “المعلم” إلى شغفه لكن بعد حوالي أربعة أشهر من المعاناة.

ترى الحلاج أن حالة روحي من “الحالات النادرة التي شملها استثناء السماح بالعمل. فالعاملون في قطاع الدولة من مرضى الثلاسيميا قليلون جدا”. لا يتجاوز عددهم خمسة أشخاص .

وبحسب مدير قسم الثلاسيميا في وزراة الصحة الكسواني “تنفق الدولة على مرضى الثلاسيميا ما يقارب 10 ملايين دينار سنويا.

رئيس اللجنة الطبية العليا في وزارة الصحه د.جمال قناش يقول “إن لدى وزير الصحة صلاحية الموافقة على تعيين أي مريض، تحت منظومة الحالات الخاصة والإنسانية رغم مخالفة ذاك المريض لبنود النظام.

ويقر قناش بأن “البند الذي يمنع مستأصلي الطحال بسبب مرضي غير سليم. فمرضى الثلاسيميا من مستاصلي الطحال لا يعوقهم العمل في حال التزامهم بالعلاجات والمراجعات الدورية لهم”. إلى ذلك يؤكد أن “لجنه تضم ممثلين من قطاعات مختلفة كوزارة الصحة والضمان الاجتماعي والقطاع الخاص شكّلت أخيرا للنظر في بنوده وتعديل ما يحتاج إلى تعديل بخاصة وانه لم يطرأ عليه أي تغيير منذ أزيد من ثلاثين عاما.

من جانبه فسر مدير الشؤون القانونية في وزارة الصحة رضوان ابو دامس اسباب اقرار بند كهذا في نظام اللجنة الطبية “ ،حرصا من الوزراة على ضمان السلامة الصحية لمن يشغر وظيفة عامة، واستكمل مدافعا:” أن اللجنه الطبيه المنوط بها النظر في أهلية المريض من عدمه تأخذ بعين الاعتبار الحالة الصحية للمريض ككل وليس استئصال طحاله فقط”. غير ان ابو دامس لا ينكر الحاجة الراهنة لتعديل القانون“فالمرحلة الآنية تتطلب النظر بتعديل بنود نظام اللجان الطبية بخاصة وان نظرة المجتمع قد تغيرت لطبيعة هذا المرض مع التطورات العلاجية له”.

على الأرض لا توجد أرقام رسميه تظهر عدد من منعوا من العمل من المرضى بسبب استئصال الطحال و من ثم السماح لهم ، بحسب أمين عام ديوان الخدمة المدنية سامح الناصر. فأعدادهم تقل عن عشرة.

محرم على مرضى الثلاسيميا حلال على غيرهم

يستهجن مريض الثلاسميا بشير (31 عاما) سماح قانون اللجان الطبية “لمن يستأصل الطحال بسبب عارض طارئ كحادث سير بالعمل في الحكومة وفي الوقت ذاته يمنع من استأصل الطحال بسبب مرضي من العمل كمصاب الثلاسيميا”. (تشير المادة رقم 9 والواردة في الملحق رقم 4 في قانون نظام اللجان الطبية أن الأمراض التي لا تحول دون قبول طالب الاستخدام في الوظيفة هي مستأصلي الطحال بسبب إصابة غير مرضية).

لا عمل أو دعم حكومي

أمين عام ديوان الخدمه المدنية سامح الناصر يبرر موقف مؤسسته برفض التعيين بأن “مريض الثلاسيميا لا يندرج تحت الحالات الإنسانية، مؤكدا أن “المشكلة تكمن في نظام اللجان الطبية وعلى وزارة الصحة معالجة بنوده”.

وبحسب الموقع الرسمي لديوان الخدمة المدنيه فإن الحالات الإنسانية المعتمدة لدى الديوان هي: الحالات الخاصة والملحة والعوز الشديد وحالات الإعاقة بأنواعها، وتشرح المادة (28) من قانون ديوان الخدمة المدنية كيف تشكل لجنة من ديوان الخدمة المدنية ووزارة الصحة وصندوق المعونة الوطنية، للنظر في اعتماد الطلبات المقدمة لادراجها ضمن الحالات الانسانية.

ويذهب الناصر إلى القول:” نتعاطف مع هذه الشريحة من المرضى، و نحن بصدد مخاطبة وزارة التنمية الاجتماعية كي تعمل على تعيين هؤلاء ضمن فئة الحالات الإنسانية، أو صرف معونة شهرية لهم لتعويضهم عن هذا الرفض”.

بيد أن موقف مدير صندوق المعونة الوطنية محمد عارف، يقع على النقيض من هذا الطرح: “الصندوق يتعامل مع أي مواطن يتقدم لطلب الحصول على معونة شهرية ضمن شروط محددة، تنطبق على الجميع باستثناء ذوي الاحتياجات الخاصة”. ويتابع عارف: “لا يوجد قانون يلزم الصندوق بصرف معونة على مريض الثلاسيميا إلا في حال انطبقت عليه جميع الشروط المطلوبة. ويفتقر الصندوق إلى إحصائية محددة لمن يتقاضون المعونة من مرضى الثلاسميا”، بحسب عارف.

ويشير الاستطلاع الذي أعدته كاتبة التحقيق على 40 مريض ثلاسيميا قادر على العمل أن ستة من كل 10 يعانون من أوضاع معيشية صعبه بسبب عدم تمكنهم من الالتحاق بسوق العمل وعدم حصولهم على أي معونة من أي جهة.

حرمان أيضا من العمل في القطاع الخاص

قانون اللجان الطبية ليس أقل قسوة على مريض الثلاسميا من المرض نفسه. إذ يحرم المريض أيضا من ممارسة عمله في القطاع الخاص بحجة مرضه.

عادة ما يُرفض مريض الثلاسيميا بمجرد نظر صاحب العمل إليه. فملامح وجهه تكون مميزة، يظهر فيها شحوب واصفرار وبروز عظام الوجه والوجنتين بسبب تكرار نقل الدم، على ما تشتكي أمينة السر في جمعية الثلاسيما والهموفيليا رحمة الحلاج.

كنموذج على ما يحدث عادة عند تقدم مريض الثلاسيميا لشغل وظيفة، يروي محمد روحي (23 عاما) قصته مع موظفي اللجان الطبية عندما خضع للفحص (4/8/2010). عاجله احدهم بالقول: “ألا ترى ملامح وجهك التي تدلل على إصابتك بالمرض، فكيف تقدم على هذه الخطوة”.

أما المريض حسام فيذكر صورة من صور التمييز ضد أصحاب هذا المرض: “حاولت أن أتقدم بطلب وظيفي في إحدى المؤسسات الخاصة، إلا أن طلبي كان يرفض في كل مرة ، لدرجة أنني طردت من أمام أحد المصانع ، بمجرد أن نظر صاحب العمل إلى وجهي”.

فيما يجمل سليم وضع مريض الثلاسيميا بانه “حتى لو كانت هناك وظائف متوفرة، إلا أن أصحاب العمل يرفضون تعييننا، وإذا وافق احدهم على أن نقدم طلباً، لا يعاودون الاتصال بنا أبداً”.

حرمان من العمل =وقوع في الاكتئاب

والدة المريضة أسماء 28 (التي توفيت بتاريخ 29/5/2011) تصف حالة ابنتها قبل وفاتها بعدة أسابيع أنها تعرضت إلى صدمة وحالة من الاكتئاب الشديد بعد فشل عملية زراعة النخاع الشوكي لها وهي التي تمكنها من الشفاء تماما من المرض.

ادخل هذا الأمر أسماء بحالات نفسية تجعلها كئيبة كثيرة النوم وقليلة التواصل مع محيطها إلى درجة رفضها الانخراط في المجتمع فضلا عن انها تراجعت عن اخذ الدواء تدريجيا مما أدى إلى ارتفاع نسبة الحديد في الدم .

وتتابع والدة أسماء انها كانت في كل مرة تذهب بها للبحث عن وظيفة تعود محبطة نتيجة رفض أصحاب العمل لها عندما يعرفون عن مرضها .

الموت البطيء، هكذا تصف نفين حالتها هي وأقرانها جراء معانتهم النفسيه مع المرض إذ تقول “خسرت الكثيرين من اصدقائي نتيجة احباطهم جراء الضغوطات النفسية التي كانوا يعانون منها، منهم من انهوا حياتهم عن طريق امتناعهم عن تناول الدواء واخذ العلاج “.

“اصعب ما يواجه مريض الثلاسميا هي نظرة المجتمع له بالشفقة”. تصف نفين حالتها وغيرها قبل أن يختنق صوتها بالبكاء .

شرك الاكتئاب لم تقع فريسته له اسماء ونفين فقط فبحسب استطلاع أجرته كاتبة التحقيق على 40 مريض تلاسيميا قادر على العمل فإن تسعة من أصل عشرة مصابين يعانون من الإكتئاب نتيجة عدم حصولهم على فرص عمل .

اخصائي علم الاجتماع د. حسين الخزاعي يؤكد “ان رفض أصحاب العمل لمريض الثلاسيميا يشكل عنده حالة من عدم الرضا والقناعة، وتصبح نظرته سوداوية للمجتمع الذي يعيش به، و بخاصة المؤسسات والدوائر المعنية التي هي بالأصل موجودة لخدمته “.

ويُجمل الخزاعي قصة الهرم المقلوب بالقول أن ” الأولى لمؤسسات المجتمع المدني أن تحتضن اي شخص يعاني من إعاقة او مرض ما، ولديه القدرة على العمل وان تكون له خير مساعد”.

بيد أن العمل وحده ليس كافياً لتبديد ما قد يعلق بنفسيات أولئك المرضى..

فرئيسة المنتدى الأردني للثقافة الصحية جهاد البنا ، توضح أن “المشكلة التي يعاني منها مرضانا، وبدأت تلقي بظلالها وأثارها علينا، لا تكمن فقط في تحديث القوانين المتعلقة بحقوق المرضي كما هو الحال في غالبية الدول، لكن غياب الرعاية النفسية يجعلهم في وضع اسوأ “.

وتنتقد البنا عدم وجود رعاية نفسية تشمل هؤلاء المرضى لدى وزارة الصحة التي تنفق على جانب العلاج الصحي من صرف أدويه ومراجعات دورية والتي تقدم للمرضى بالمجان

في حين لا تتوفر لدى المراجعين تقديم خدمات واستشارات نفسيه .

في ظل إقرار حكومي بضرورة إعادة النظر في النظام الذي يحرم مرضى الثلاسيميا من العمل، وتحت وطأة التحرك البطيء تجاه تعديله، تبقى تلك الفئة المغلوبة على أمرها أسرى لأنظمة رسمية تشلها ومجتمع يرفض التعامل مع المصابين بهذا المرض على أنهم أصحاء قادرون على العطاء.

تم انجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة أعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية(www.arij.net ) واشراف الزميل عمرو كحكي من المركز الدولي للصحافيين(ICFJ)


الصحفي


المشرفين


وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم