السبت ١٥ - ديسمبر - ٢٠١٨ ١١:٠٢ صباحاً

أغذية فاسدة تهدد صحة المستهلك في الأراضي الفلسطيينة

12 يناير 2015
خلف خلف

الحياة الجديدة – تجربة الشاب سهير ذياب مع شوكولاته منتهية الصلاحية أصابته بأوجاع بطن وشعور بالغثيان، دفعته لتفحص ما يشتريه من مواد غذائية في محافظة سلفيت. فبات يقلب المنتجات مرات عدة للتأكد من تاريخ إنتهاء صلاحيتها.

على نسق سهير (35 عاما) يروي مستهلكون لمعد التحقيق حالات تسمم غذائي مماثلة مرتبطة بانتهاء صلاحية الأغذية واحتوائها بكتيريا، فيروسات، طفيليات، فطريات ومواد كيميائية، أثبتت الفحوص وجودها في عينات المواد الغذائية.

على أن مئات حالات التسمم الناجمة عن أغذية فاسدة لا تسجل، لأن غالبية المتضريين يتداوون في منازلهم بمسكنات وأعشاب طبيعية، بحسب أهالي، أطباء ومسؤولين في وزارة الصحة.

تقول فريال يوسف (45 عامًا) من بلدة ديراستيا، إنها تناولت قطعة حلوى من أحد متاجر رام الله في يناير/ كانون الثاني 2014. وحين وصلت لمنزلها شعرت بآلام شديدة في البطن، وتقيأت بعدها عدة مرات.

تتزايد الحالات المرضية على وقع نقص أعداد مراقبي “الصحة” (100 مكلف فقط، لتفقد 50 الف منشآة مرخصة بعضها يخضع لتفتيش سنوي والآخر يخضع لتفتيش دوري مستمر؛ مطاعم، محلات بيع أغذية ومصانع. وسط تضارب مسؤوليات ومهام بين جهات الرقابة والترخيص، على ما توصل إليه معد التحقيق بعد سنة من التقصي. يضاف لذلك قلة الإمكانيات المادية واللوجستية للجنة تنظيم السوق وغياب التنسيق بين أذرعها، وتعدد المرجعيات القانونية مع وجود ثغرات في قانون العقوبات. كما أن شلل آليات سن أو تعديل القوانين – بسبب تعطل المجلس التشريعي منذ عام 2006- أدى إلى تدفق أطنان من الأغذية الفاسدة للأسواق ما يؤدي إلى تسجيل 500 حالة تسمم سنويًا، بحسب شهادات أطباء وإحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله.

ورغم مئات الشكاوى، تعاملت المحاكم الفلسطينية مع210 قضايا تتصل بأغذية وبضائع فاسدة بين 1996 و2014. تبين الاحصائيات كذلك أنه صدر 37 حكما بالبراءة (18%)- من إجمالي القضايا المحولة للمحاكم.

1

جدول تقريبي يوضح طبيعة الأحكام الصادرة عن محاكم الضفة بخصوص قضايا أغذية فاسدة (210 قضايا) بين 1996 حتى 2014.

كما أن 42 % من الأحكام الصادرة عن قضايا الأغذية الفاسدة تمحورت حول دفع غرامة من 10 إلى 1000 دينار.(إطار-1)

     يقول المستشار القانوني المحامي بلال البرغوثي إن القضاة يلجأون لتطبيق العقوبة الأدنى لأن “القوانين تتعارض في بعض نصوصها، ويغيب عنها الانسجام التشريعي، فتتعدد النصوص القانونية التي تحكم الواقعة الواحدة”.

 و”رغم أن قانون حماية المستهلك لعام 2005 غلّظ العقوبة وجعلها “جريمة” فإن الجهات ذات العلاقة (بخاصة النيابة العامة)، تتحدث عن ثغراث دستورية في اللائحة التنفيذية لهذا القانون كخلوه من تعريف بعض المصطلحات مثل (منتهية، تالفة، فاسدة)”، حسبما يضيف.

 ويتابع البرغوثي: “بالتالي يلجأ قضاة لتطبيق قانون العقوبات الأردني الصادر عام 1960، والذي يتعامل مع جرائم الفساد في الدواء والغذاء على أنها “جنحية” بسيطة تستبدل العقوبة في عدد كبير منها بالغرامة”.

يطبق القضاء ثلاثة قوانين فيما يخص الأغذية الفاسدة؛ الصحة العامة لعام 2004، حماية المستهلك لعام 2005 والعقوبات الأردني الصادر عام 1960. ويعتمد قانونا حماية المستهلك والصحة الإلغاء الضمني لكل ما يتعارض مع نصوصهما. بمعنى كل قانون يلغي المواد التي تتعارض معه من القوانين الأخرى دون تحديد هذه المواد بشكل صريح، وعليه يبقى الباب مشرعا أمام الجهات القضائية لاختيار المواد التي ترى أنها الانسب للتطبيق، من وجهة نظرها.

العقوبة في قانون العقوبات الأردني لعام 1960 هي الحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين.

قانون الصحة 2004 العقوبة هي الحبس مدة لا تزيد عن سنتين، وبغرامة لا تزيد عن ألفي دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، والحبس يكون وجوبياً في حال ترتب على المخالفة خسائر في الأرواح أو اضرار جسيمة في الأموال، وتضاعف العقوبة في حال تكرار المخالفة.

وتشير المواد (78) و(79) و(80) في قانون الزراعة لسنة 2003 إلى أن أقصى عقوبة توقع على المخالفين هي الحبس سنة واحدة وبغرامة مالية لا تزيد على ألف دينار أردني.

قانون حماية المستهلك لعام 2005 العقوبة هي السجن لمدة لا تزيد عن عشر سنوات أو بغرامة لا تتجاوز عشرة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونا، أو بكلتا العقوبتين.

كما أن قانون الصحة العامة والعقوبات الأردني يتعاملان مع القضايا على أنها جنح لا جرائم. وحتى قانون حماية المستهلك الذي يعتبرها جرائم يحدد السقف الأعلى للعقوبة بعشر سنوات. لكن نص المادة القانونية ذاتها- في حال طبقت- لا تحدد سقفًا أدنى للعقوبة.

ولدى الرجوع للأحكام الصادرة عن محاكم الضفة الغربية منذ عام 1996 حتى اكتوبر 2014، يتضح أنه لم يصدر أي حكم بالسجن في حده الأعلى عشر سنوات. ويلاحظ أيضًا من المعطيات التي استقيت من مجلس القضاء الأعلى أن واحدة من كل عشر قضايا تسقط بالتقادم بسبب طول فترة التقاضي.

أبرز خيط في هذا التحقيق كان تناقض تصريحات المسؤولين، بحيث بدا أن كل جهة تريد إلقاء المسؤولية على الأخرى، ما يعزز الفرضية بأن هناك خللاً في أداء جهات الرقابة والترخيص وقنوات التنسيق فيما بينها.

رقابة مشلولة

مهمة مكافحة الأغذية الفاسدة في الأسواق تناط بلجنة تنظيم السوق الداخلية، المؤلفة من تسع جهات؛وزارة الاقتصاد (حماية المستهلك) ثم وزارتا الصحة والزراعة، الضابطة الجمركية، جمعيات حماية المستهلك، اتحادا الصناعات الغذائية والغرف التجارية وأيضا لجنتا السلامة العامة والأمن الإقتصادي في جهاز الأمن الوقائي.

مهمة مكافحة الأغذية الفاسدة في الأسواق تناط بلجنة تنظيم السوق الداخلية، المؤلفة من تسع جهات؛وزارة الاقتصاد (حماية المستهلك) ثم وزارتا الصحة والزراعة، الضابطة الجمركية، جمعيات حماية المستهلك، اتحادا الصناعات الغذائية والغرف التجارية وأيضا لجنتا السلامة العامة والأمن الإقتصادي في جهاز الأمن الوقائي.

2

جدول يوضح بشكل تقريبي أعداد المراقبين الميدانيين لأهم مؤسسات لجنة تنظيم السوق الداخلية

سجلات دائرة حماية المستهلك/ وزارة الصناعة تشير إلى أن مفتشيها الـ80 تفقدوا 76772 منشأة عام 2011، انخفضت في العام التالي إلى النصف تقريبا (39881). وتفقدوا  34367 عام 2013.

وبالسؤال عن سبب انخفاض عدد الجولات التفقيديه إلى النصف، قال المدير العام لدائرة حماية المستهلك، المهندس ابراهيم القاضي، إن الاحصائيات المسجلة لديهم تتناول عدد الزيارات التفتيشية وليس عدد المنشآت، بمعنى أن منشآة واحدة قد تفتش 4 مرات، وبالتالي تسجل 4 مرات في الاحصائية، وهو ما يخلق هذا الالتباس بالأرقام.

ويتابع القاضي: “نحتاج على الأقل 26 مهندسًا إضافياً تكون اختصاصاتهم بالكهرباء والميكانيكا، لتغطية قضايا جديدة باتت دائرة حماية المستهلك تتابعها، علما أن غالبية المهندسين المتواجدين في الدائرة حاليا، هم مهندسو كيميائيون وبيولوجيون”.

3

عدد منشآت ومحال الاغذية والتبغ في الضفة حسب جهاز مركز الاحصاء عام 2013

 نقص الكادر البشري – 60 مفتشا و20 إداريا- يتجلى في معادلة المراقبين مقارنة بعدد المحال التجارية. فإذا استثنيا العطل الأسبوعية والسنوية- يعمل المراقب 200 يوم في السنة. وبمقارنة بين أعداد المحال المزارة وعدد المفتشين خلال عام 2011، يتضح أن كل فريق مراقبة (يضم مفتشين) يتفقد 13 محلاً يوميًا.

       والحال نفسه ينطبق على مفتشي الصحة، المطالبين بإجراء آلاف الجولات سنوياً تشمل المصانع والمسابح وشركات الأغذية والمطاعم والفنادق والمراكز الصحية والمستشفيات. وهي مهام يتطلب إنجازها زيادة في عدد المفتشين الميدانيينمن 100 إلى 120 مراقباً. حسبما يقول مدير دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة المهندس، إبراهيم عطية الذي يؤكد أيضًا أنه سيتم خلال أسبوعين أو ثلاثة توظيف 18 مراقبًا جديدًا، بالتالي يعتقد أن العدد سيكون كافياً.

وعلى مدى 15 شهرًا من التقصي، وثّق معد التحقيق – من خلال مقابلات وزيارات ميدانية – إفتقار الجهات الرقابة لمختبرات حديثة ووسائل اتصال متطورة، إذ تضطر دائرة حماية المستهلك- بحسب مديرها العام، المهندس ابراهيم القاضي- إلى إرسال بعض المواد المخالفة المضبوطة إلى الأردن من أجل تحليلها. ولا يتوافر لدى المراقبين وسيلة اتصال موحدة، إنما يعتمدون على اجهزتهم الخلوية الخاصة. يضاف لذلك نقص في المركبات. فمثلاً دائرة حماية المستهلك في محافظة طوباس بقيت منذ تأسيسها قبل نحو 10 سنوات دون سيارة لنقل المفتشين حتى سبتمبر/ايلول 2014.

الخصم هو الحكم!

في عام 2012 أحالت دائرة حماية المستهلك الفلسطيني للنيابة 96 تاجرًا لمخالفتهم قوانين حماية المستهلك (أغذية فاسدة، مخالفة اشهار أسعار، تزوير وتقليد، بضائع مستوطنات)، وفي عام 2013  أحالت الدائرة نفسها 120 تاجرا، بالاضافة إلى تحويل 93 تاجرا من بداية سنة 2014 حتى نهاية شهر آب/اغسطس 2014.

وخلال عام 2012 سجلت نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية 353 قضية تخص حماية المستهلك، وفي عام 2013 سجلت 256 قضية.

  تؤكد رئيسة نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية، نجاة بريكي، أن طواقم الرقابة التابعة للجنة السلامة العامة تحتاج للتطوير والتدريب لمعرفة صلاحياتها ومهامها المنصوص عليها في القوانين.

تقول بريكي: “الطواقم التفتيشة بدل أن تحيل لنا القضايا، تمنح المخالفين مهلاً، وإنذارات”.

ينص دليل إجراءات مفتشي حماية المستهلك الصادر عام 2010، على أنه “بامكان مفتشي حماية المستهلك منح إخطار للتاجر لتصويت وضعه في حال وجود مخالفة ثانوية، وفق معطيات قانون حماية المستهلك والقوانين ذات العلاقة على أن تحدد فترة زمنية لتصويب الوضع”.

ترد بريكي: “لا يوجد في قانون حماية المستهلك أي سند لما يسمى بالاخطارات، الجهات الرقابية ينحصر دورها فقط بالضبط والاجراءات الاحترازية ولا يجوز أن تكون هي الخصم والحكم في الآن ذاته”.

 صعوبة الإثبات

يشكو عساف من تضارب قوانين العقوبات، كاشفاً أن أحد الأفعال المعاقب عليها في قانون الصحة العامة لسنة 2004، يشابهه ذات الفعل في قانون حماية المستهلك رقم 21 لسنة 2005 بعقوبة مختلفة.

تقول نجاة بريكي: “هذه مشكلة تشريعية، يجب معالجتها”.

لكن المجلس التشريعي معطل منذ سنوات بسبب خلافات سياسية بين فتح وحماس. بالتالي سن أو تعديل القوانين غير متاح الآن.

ويطالب المهندس ابراهيم القاضي، المدير العام لدائرة حماية المستهلك بإيجاد محاكم مختصة في الجرائم الأقتصادية أو تخصيص أيام محددة لمثل هذه الجرائم.

تسممات كثيرة… لكن!

4

عدد حالات التسمم الغذائي في الضفة حسب سجلات وزارة الصحة

 حالات التسمم الغذائي الموثقة في سجلات وزارة الصحة، تبقى قليلة نسبيًا مقارنة مع حجم كميات الأغذية الفاسدة المضبوطة.

يقول مدير عام الصحة الأولية في الوزارة، د.اسعد رملاوي: “التسممات الغذائية أكثر من ذلك بكثير، الحالات التي تظهر في السجلات الرسمية تشمل فقط التسممات التي أدخلت للمستشفيات أو تم التبليغ عنها رسميًا، لكن المريض الذي يكون ذهب لطبيب خاص أو عيادة خاصة أو عيادة حكومية وعنده التهابات معوية وإسهال، طبعا لن يتم الدخول في تحقيق اذا كان ما يعانيه بسبب تسمم غذائي أم لا”.

كميات الاغذية الفاسدة

5

كميات المواد غير الصالحة للاستخدام البشري والمضبوطة في الضفة

 وجُد أن إدخال أغذية فاسدة إلى أسواق الضفة مفتوح لكل من إمتلك مهارات التهريب، أما باب الحديث مع المهربين فمقفل. فلا أحد يعترف بفعلته، حتى لو أدين.

 تم التوصل إلى اسم شركة في محافظة نابلس ضبط باحد مخازنها نحو 16 طنًا مواد فاسدة.

لدى مهاتفة مالك الشركة، أجاب شخص من الطرف الآخر: “صاحب الشركة خارج البلاد، وسيعود بعد نحو أسبوعين، (عُلم لاحقًا أن صاحب الشركة موقوف على ذمة القضية). كان المتحدث أخ المتهم فنفى التهمة، ثم عاد وأوضح أن بعض ما ضبط بداخل المخزن كان بهدف اتلافه.

وأشار إلى أن جزءًا من البضاعة المضبوطة استورد من ماليزيا وخضع للرقابة الإسرائيلية.

عُلم من مصدر مسؤول في وزارة الصحة أن بضاعة الشركة المضبوطة دخلت للضفة بطرق غير شرعية.

يقول د.أسعد رملاوي، مدير عام الصحة الأولية: “قانونياً، لا يسمح بإدخال أو استيراد بضاعة، إلا بعد حصولها على ترخيص (شهادة منشأ)”. لكنه أوضح أن هناك طرقا أخرى، كالاستيراد غير المباشر من إسرائيل التي لا تعطي الفحص المطلوب للبضاعة الفلسطينية.

مدير دائرة الإتصال والتطوير في الضابطة الجمركية، المقدم نضال أبو سعيد يقول: “يسهّل عدم سيطرة السلطة الفلسطينية على المعابر الحدودية بسبب الإحتلال، عملية تهريب البضاعة الفاسدة للضفة. إذ يلجأ تجار فلسطينيين إلى شراء بضاعة منتهية الصلاحية أو تالفة من تجار إسرائيليين ويدخلونها لبلدات الضفة الحدودية التي لا تخضع لسيطرة أمنية فلسطينية كاملة”.

“قد يتم نقل البضائع والأغذية الفاسدة للمدن الكبرى عبر عدة طرق، منها نقل البضاعة بسيارات خاصة لا تثير الريبة أو من خلال طرق ترابية غير رسمية. وبعد دخول البضاعة المهربة أو الفاسدة للأسواق يكون من الصعب ضبطها إلا من خلال جولات ميدانية للمفتشين الميدانيين” يضيف أبو سعيد.

يتسبب انتشار المستوطنات في الضفة الغربية وفق أبو سعيد في عرقلة مهام رجال الضابطة الجمركية الذين لا يمكنهم التحرك خارج المدن بزيهم الرسمي إلا بتنسيق مسبق مع الإرتباط الإسرائيلي، علما أن ضبط المهربات يحتاج في أغلب الأحيان إلى سرعة التحرك”.

لكن ذلك لا يعفي جهات الرقابة من مسوؤلياتها- وفق مدير جمعية حماية المستهلك في محافظة نابلس، إياد عنبتاوي- الذي يدعو الضابطة الجمركية لبذل المزيد من الجهود عن طريق وضع نقاط تفتيش دائمة على مداخل المدن.

يرد المقدم نضال أبو سعيد: “من يريد إدخال بضائع فاسدة لن يعدم الوسيلة، بخاصة مع تعدد مداخل المدن والطرق الترابية، وعدم سيطرة السلطة على جميع المناطق وانتشار المستوطنات”.

ويضيف: “الاعتماد الأكبر في عملنا على المعلومة المسبقة من مندوبينا المدربين وبلاغات المواطنين، وهو الأسلوب الأنجح”. تتعامل الضابطة مع مندوبين، بعضهم يتقاضى أجراً مقابل معلوماته. وهم يمدّون الضابطة بمعلومات حول ما يرصدونه من عمليات تهريب أو توزيع لبضاعة فاسدة.

 مع ذلك، تبدو عمليات التهريب سهلة، يسرد صاحب شركة – طلب التحفظ على اسمه- أن تاجراً هاتفه وعرض عليه كمية من عبوات الزيت بنصف ثمنها. ليكتشف بعد حصوله على عينة بأن البضاعة من شركته، لكنها فاسدة.

يوضح: “الكمية كنت قد بعتها لشركة أجنبية بهدف إدخالها لغزة، وبقيت لمدة طويلة على معبر ايرز، فتلفت من الشمس، ويبدو أن الشركة تخلصت منها لأحد التجار الإسرائيليين، بدوره أعاد بيعها لتاجر فلسطيني”.

تحايل على القانون

وزير التموين أصدر قرار رقم 1 لسنة 2003 بشأن بطاقة البيان والذي يحظر إدخال المواد والسلع التموينية التي مضى عليها أكثر من ثلث مدة صلاحيتها للإستهلاك الآدمي، نصف المدة في حالة الأستيراد المباشر.

القرار يخص المواد المستوردة لكنه لا يتوقف عند البضاعة في السوق. لذلك يلجأ تجار لاستيراد أغذية (من وعبر إسرائيل) شارفت تواريخ صلاحيتها على الإنتهاء.

 بعد تهريبها لسوق الضفة تصبح الرقابة غير قادرة على جمعها. يقول مدير مديرية وزارة الاقتصاد في نابلس بشار الصيفي: “حين تدخل للسوق لا نستطيع منع توزيعها أو جمعها، لأنها غير منتهية الصلاحية، وما تراه من عروض في الكثير من المحال لخير دليل على ذلك”.

لاحظ معد التحقيق اثناء جواله ميدانية في مدينة نابلس، محلاً تجارياً يبيع مواد غذائية منذ سنوات بسعر زهيد وسط إقبال كثيف. ومن خلال الفحص اليدوي لبضاعته تبين أن غالبيتها شارفت صلاحيتها على الإنتهاء. وفي ذلك خطورة على حياة المستهلك الذي قد يبتاعها فاسدة أو تفسد لديه بعد فترة وجيزة. بخاصة أن بعض المنتجات التي جرى فحصها في المحال ينتهي تاريخها بعد شهر أو أيام معدودات فقط.

تشريعات لا تساير الجريمة

تقول رئيس نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية نجاة بريكي: “القوانين التي تحكم عملنا فيها ما هو قديم جداً يعود إلى الستينات في الأردن مثل قانون العقوبات وقانون الحرف والصناعات وقانون الملكية الفكرية وقانون الجمارك والمكوس ونظام الرسوم على المنتجات المحلية … الخ، أما القوانين التي تم اصدارها في عهد السلطة، فتشوبها نواقص، وعند إخضاعها للواقع إتضح عدم مسايرتها لتطور الجريمة الاقتصادية”.

وهو ما يترك الباب موارباً ويشجع ضعاف النفوس والباحثين عن الثراء للمقامرة في هذه التجارة المدمرة للمجتمعات. وخير دليل على أن ضعف التشريعات وعدم تغليظ العقوبات، يدفع بعض التجار الفاسدين لتكرار فعلتهم، تلخصه قصة التاجر (م.ب) الذي ضبطت لديه بضاعة فاسدة، ولم يمض سوى 15 يومًا في التوقيف، وخرج على ذمة القضية.

يقول المهندس ابراهيم القاضي، مدير دائرة حماية المستهلك، إن الإفراج عن هذا التاجر تم رغم انه ذو اسباقيات.

يقول القاضي: “أوقف التاجر بعدما ضبطت لديه أغذية فاسدة، وقبلها بعام ضبطت بحوزته بضاعة لم يتبق على صلاحيتها سوى يوم واحد”.

ويتابع: “كما ضبطت تمورا فاسدة لدى تاجر في طوباس وحكم بالسجن ثلاثة شهور ضمن قانون العقوبات الأردني، واستبدلت العقوبة بغرامة مالية. وبعد أقل من شهرين من الإفراج عنه ضبط التاجر نفسه أثناء محاولته تهريب تمور فاسدة، وحسب معلومتي تم الإفراج عنه”.

لا يمكن معاقبته !

بشهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 ضُبطت لحومًا فاسدة ومخدرات بمخزن قرب رام الله، وفر المتهم لمناطق إسرائيلية. حتى لو اعتقل قد يتدخل الإحتلال للافراج عنه.

 تقول بريكي: “بعض التجار حملة الجنسية الإسرائيلية لا يمكن للنيابة العامة توقيفهم التوقيف القانوني، لأن السلطات الإسرائيلية تتدخل لإطلاق سراحهم”. وتضيف: “عملنا محكوم بالاجراءات التعسفية للاحتلال، لذلك نضع المصلحة العليا للبلد فوق كل شيء، ونخلي سبيلهم تحت تهديدات الإحتلال التي تصل للتلويح بالاجتياح”.

وحول نسبة التجار حملة الهوية الإسرائيلية الذين يفرج عنهم بسبب الضغوطات الإسرائيلية، قالت بريكي: “لا يمكنني اعطاء نسبة أو رقم، فكل نيابة في الوطن تدير ملفاتها لوحدها، والموضوع يحتاج وقتا طويلا من حيث التجميع والحوسبة، وبالتالي الخروج برقم محدد صعب”.

يؤكد مصدر في الجمارك إن إخلاء سبيل التجار حملة الهوية الزرقاء يسبب الإحباط للمراقبين.

محاكمات تستغرق سنوات

يقول المحامي بلال البرغوثي، عدم إطلاع الرأي العام عن مجريات المحاكمات يجعل القضاء متهماً بالتراخي. ينفي القاضي رائد عساف ذلك، عارضًا أحد القضايا المحولة للمحكمة بتاريخ 8/4/2013، ويوجد فيها 8 شهود للنيابة لم يحضروا الجلسات الثلاث الأول بحجة عدم التبليغ. ويشير إلى أن القضية مضى عليها نحو عام، ولم يتم الاستماع لشهود النيابة كاملين، ولو تحقق ذلك، سيأتي الدفاع ويقول للمحكمة إن لديه بينات، ويطالب المحكمة بدعوة الشاهد فلان وفلان.

صغار التجار يحاسبون

ولا تزال قضية مواطنة سبعينية من محافظة الخليل، عالقة في القضاء منذ شهر مايو/ أيار 2013 بعدما ضبط عصير فاسد في محلها التجاري الصغير. بدأت القصة بعدما ألمت أوجاع شديدة بـ (17 تلميذًا) في مدرسة بيت أمر. ويوضح المدرس موسى عوض، أنه حين دخل للصف، كان التلاميذ يشعرون بحالة مغص شديد.

يقول: “طلبت تزويدي بما تبقى من كمية العصير التي تناولوها، فوجدتها منتهية الصلاحية منذ قرابة أربعة أشهر”.

ويشير إلى أن الجهات المختصة ضبطت الكمية التي كانت تباع لدى سيدة عجوز أمية، ولا زالت على أثر ذلك تتنقل بين المحاكم، رغم أن تجارًا كبارًا يعيثون في البلد فسادًا دون أن يسألهم أحد.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) وباشراف الزميلة بيناز بطراوي.


الصحفي



تعليقاتكم