الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

أطفال تعرضوا للاغتصاب يواجهون المجتمع بأضرار نفسية

26 ديسمبر 2017
آية نبيل

تحقيق: آية نبيل

الوطن– كان أحمد يصرخ: “لو مسكتّش هموتك” حين دخلت والدته الغرفة لتجده يوبخ أخيه الأصغر ثم يكتم أنفاسه بيديه. أسرعت الأم العشرينية لتفضّ بينهما قبل أن يبدأ طفلها، ذو الست سنوات، بالبكاء ثم الانزواء في ركن الغرفة خوفا من العقاب. تشكو الأم وقد بدا واضحاً عليها القلق: “ظننت أن سلوكه العدواني سيتراجع مع الوقت لكن ما حدث عكس ذلك تماماً”.

بدأت نوازع العنف عند أحمد في أبريل/ نيسان الماضي حين قدّمت والدته شكوى عن تعرضه لاعتداء جنسي بيد عمّه، لدى شرطة مركز بلقاس بالدقهلية.

على غرار مئات الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية في مصر، تُرك أحمد دون تدخل علاجي مجاني مٌلح بسبب إهمال حكومي في تطبيق قانون الطفل المصري لعام 2008، الذي يُلزم المجلس القومي للأمومة والطفولة التابع لوزارة الصحة والسكان بالتدخل لعلاج أي طفل مُعرّض للخطر (أضرار نفسية وسلوكية) نتيجة تعرضه لاعتداء جنسي، مما أدى الى تدهور حالته النفسية مع مرور الوقت.

يفترض القانون أن تُستقبل الشكاوى عبر الخط الساخن 16000 التابع للإدارة العامة لنجدة الطفل ولجان حماية الطفل (العامة والفرعية) التابعة للمجلس في المحافظات؛ ويضم كلاهما في عضويتهم ممثلين عن وزارات العدل، الداخلية، التنمية المحلية، التضامن الاجتماعي ومؤسسات مجتمع مدني، حيث تقوم هذه الهيئات بالتشبيك مع إدارة النجدة او لجان الحماية سواء في تحويل أية بلاغات تصل اليها أو التدخل في أي قضية تخص الطفل.

على أن معدة التحقيق توصلت إلى أن منظومة التشبيك بين هذه الهيئات والمجلس غير فعّالة، ويضيع معها حق الطفل في الإسناد النفسي المجاني بين مركزية العاصمة والمناطق الريفية النائية الخالية عادة من فعالية المجلس القومي، خصوصا بعد فك ارتباطه بمظلة الحكومة وإتباعه إلى وزارة الصحة والإسكان محدودة الصلاحيات.

بعيدا عن رعاية المجلس، سعت جدة أحمد لتنفيذ توصية طبيب الأطفال بالقرية بضرورة أن يتلقى حفيدها علاجا نفسيا لتجاوز ما تعرض له. لكنها بالكاد كانت تتحمل نفقات الإجراءات القانونية وعلاج أحمد الجسدي، بعد أن امتنع والده عن ذلك – تحت ضغط شقيقه – حتى تتنازل والدة الطفل عن شكواها.    

في أواخر أغسطس/ آب الماضي، تلقى أحمد أولى جلسات العلاج النفسي في مركز خاص ببلقاس. (50 جنيه/ 3 دولار للجلسة)، سدّدتها الجدة من معاشها الشهري البالغ 800 جنيه (45 دولار)، في دولة يبلغ متوسط الدخل فيها نحو 44.5 ألف جنيه 2500 دولار سنوياً. هناك، وجّهت الطبيبة اللوم للجدّة بسبب التأخر في علاج الطفل، وأخبرتها أنه يعاني صدمة عصبية حادّة ووصفت له مهدئاً وأنشطة تشغل وقته مع تأكيدها على أهمية ألا يمضي أحمد “وقته وحيدا”. خريطة

على مدى ثلاثة أشهر، تتّبعت معدة التحقيق خيوط شكاوى مماثلة لثمان أطفال تعرضوا لاعتداءات جنسية خلال عامي 2016 و2017 تقدمت بها اسرهم الى أقسام الشرطة، واثنتان من العائلات المشتكية طلبت دعما نفسيا لابنيهما عن طريق خط النجدة. ولم يتلق أياً منهم التدخل العلاجي المنصوص عليه في القانون.

فمن ناحية تلقي البلاغات، لم تلتزم المحافظات بتشكيل “الأمانات الفنية”، والتي من المفترض أن تشكّلها لجان الحماية الفرعية للرصد اليومي للبلاغات والتدخل السريع، بل إن لجان الحماية نفسها تنعقد مرة شهرياً ثم تنفض، دون أن يلتزم أعضاؤها برصد البلاغات في المخافر، بخلاف القانون، حسبما يقر بذلك منسق اللجان في المجلس القومي ناصر مسلّم. وحتّى في حال لجوء أسر أطفال إلى اللجان للحصول على الدعم، ينتهي الأمر بتحويله إلى مقر المجلس في القاهرة. وهو أمر لا يتناسب مع أسر فقيرة أو بعيدة عن العاصمة. يتحجج مسؤولون بأن ذلك يعود إلى قصور في النص القانوني الذي لم يحدد للجان أو الأمانات هيكلا إداريا لتنظيم عملها في المحافظات.

ولا تعد آلية الإبلاغ أو التدخل عبر الإدارة العامة لنجدة الطفل أفضل حالا؛ فهي تعتمد على بلاغات الخط الساخن التابع لها فقط. أما تنسيقها مع أقسام الشرطة أو النيابة العامة وحضور إفادات الأطفال أو الجهات الحكومية الأخرى، فلا تخرج عن كونها تصريحات إعلامية غير مُفعلة وفقا لما رصده التحقيق، من خلال تتبع مسار الحالات التي وثقها. بل تحيل الإدارة البلاغات الواردة إليها من خارج القاهرة إلى لجان الحماية بمحافظاتهم (غير المُفعلّة) أو تعرض استقبال الطفل في غرفة المشورة النفسية في مقر المجلس، لنعود الى نفس الأزمة في عدم قدرة اغلب الأسر الى الانتقال من المحافظات الى القاهرة.

وما بين هنا وهناك، تضيع بلاغات مثل قضية أحمد، أو كما حدث لحالات مماثلة وثّقها هذا التحقيق، ما حرم الضحايا من الدعم النفسي، إما لعدم وعي أسرهم بأهميته و/ أو لضعف قدراتهم المادية.

هذا الإهمال الرسمي والجهل الشعبي يسهم في انزلاق أوضاع الأطفال المعتدى عليهم إلى أمراض نفسية خطيرة، بدءا من الشعور بالهلع وصولاً إلى محاولات الانتحار، بحسب ما يكشف هذا التحقيق.                      

معاناة أحمد

أول لقاء لي مع أحمد كان في منزل جدّته في الأول من يوليو/ تموز الماضي. أخبرني وقتها بشعوره الدائم بالإرهاق والرغبة في النوم، لكنّه يستيقظ مذعورا حينما يتذكر عمّه وهو يمسك بعنقه ويكتم أنفاسه حين اعتدى عليه.  

تدهورت حال أحمد مع مرور الوقت. بدأ يتلعثم أثناء الحديث، يتشاجر كثيرا ويبكي باستمرار، يخاف من الغرباء ويألف الجلوس وحيدا، حسبما لاحظت معدّة التحقيق.  

محامي أحمد، رضا الدنبوقي الذي يدير مركز المرأة والإرشاد بالمنصورة، فشل في إيجاد طبيب متطوع لتقديم دعم نفسي للطفل مجاناً. فمنذ تولّى قضيّة أحمد في مايو/ أيار الماضي حتى تمكّنت جدّة أحمد من توفير نفقات علاجه، لم يتلق الدنبوقي سوى موافقة واحدة من أحد الأخصائيين النفسيين في محافظة الشرقية، التي تبعد 96 كم. على أن أسرة أحمد لم تتمكن من قطع تلك المسافة بسبب ظروفها القاسية.

ينفي الدنبوقي تواصل أي من لجان حماية الطفل (العامّة أو الفرعية) في محافظة الدقهلية مع أسرة أحمد مذ قدّمت شكواها. “البديل الوحيد المتاح هو العيادات الخاصة”، حسبما يشرح، لافتا إلى أن الأسر “لا تستطيع تحمّل تكاليفها، ناهيك عن عدم اقتناعها بضرورة العلاج من الأساس”.

آلية مُعطلة

في 29 أغسطس/ آب الماضي اتصلت معدة التحقيق وجدّة أحمد بخط النجدة 16000، للابلاغ عن حالته رسميا. شرحت الجدّة لموظفة الاستقبال الإجراءات القانونية التي اتخذتها في قضية حفيدها وتدهور حالته النفسية منذ الحادث. أحالت الموظفة المكالمة إلى أحد أعضاء الوحدة القانونية، الذي طلب من الجدّة إرسال أوراق القضية الرسمية له عبر الإيميل أو الفاكس. هنا تدخلت المعدّة لسؤال محامي المجلس: “ألا تُحال بلاغات الأطفال إليكم من أقسام الشرطة أو النيابة العامة”؟ نفى باستغراب، وعلّق قائلا: “إحنا المجلس القومي للأمومة والطفولة ملناش علاقة بوزارة الداخلية”. وهو تبرير يتناقض مع قانون الطفل المعدّل.  

كاد المحامي أن ينهي المكالمة قبل أن يرد على ما كرّرته الجدّة عن حاجة الطفل لمساعدة نفسية، فاضّطرت المعدّة للتدخل مرة أخرى لسؤال القائمين على الخط “ماذا عن الدعم النفسي”؟ ردّت الموظفة: “الغرفة النفسية التابعة لنا موجودة في المعادي، هل تقدر الجدّة اصطحاب الطفل إلينا”؟ وعندما أكدّت لها صعوبة الأمر نظرا لطول المسافة، ردّت الموظفة بأنها ستسجّل الشكوى لإحالته إلى اللجنة العامة لحماية الطفل في الدقهلية، على أن تتواصل معنا فيما بعد. لكنها لم تعاود الاتصال حتى الآن.

وحول رصد بلاغات العنف الجنسي، توضح الإحصاءات الرسمية انخفاض الحالات المسجلة في المجلس القومي للأمومة والطفولة إذا ما تم مقارنتها بالبلاغات التي استقبلها الائتلاف المصري لحقوق الطفل (خاص)، والذي يضم 121 جمعية أهلية تختص بقضايا الطفل. إذ استقبل الخط الساخن التابع للمجلس 111834 بلاغاً منذ إطلاقه عام 2005 منها 1279 بلاغاً) لتعرض أطفال لعنف جنسي. في الوقت الذي رصد الائتلاف في عام 2015 فقط 322 حالة اعتداء جنسي على الأطفال، انخفضت إلى 269 حالة في 2016. 

قضية محمد

في يوليو/ تموز 2016، أبلغ (محمد. ع) مسؤولي الخط عن محضر شكوى بقسم شرطة دشنا بمحافظة قنا حول تعرض أطفال أخوته للاعتداء من جارهم.

وظلّ يتابع معهم في انتظار تحويل الشكوى إلى اللجنة العامة بالمحافظة تماشيا مع القانون، لكن دون جدوى. حينما قابلت معدّة التحقيق محمد وأسرته، كان قد توقف عن متابعة شكواه بعد سنة على تسجيلها لأنه فقد الأمل في تحرك المجلس لمساندته. ولم يتلق أي من الأطفال الأربعة أي دعم نفسي حتى الآن. (تفاصيل القصة).

“ما زلت أفكر في الموت”

في ديسمبر/ كانون الأول 2016 ظنّت أمل (17 عاما) أن إنهاء حياتها هو الحل الوحيد لتهدئة أسرتها الغاضبة. ففي قريتها الريفية بمحافظة الدقهلية، تحول حادث تعرضها للإغتصاب من أحد جيرانها إلى وصمة عار. أنقذ المستشفى حياتها بعد أن تناولت كميات كبيرة من أدوية منتهية الصلاحية، لكنّها لا تزال تفكر في الموت: “وحيدة أنا. فقدت الثقة بكل الناس، وأشعر باللوم في نظرات كل المحيطين بي على ما حدث”. تؤلمها نظرات أبيها، الذي يتجاهلها منذ الحادث مكتفيا بالسعي وراء الإجراءات القانونية للاقتصاص من الجاني. (تأثيرات ناتجة عن الإعتداءات الجنسية)

طبيب الوحدة الصحية بالقرية أخبر والد أمل بحاجتها لعلاج نفسي. يُبرر الأب عدم اتخاذه هذه الخطوة بسوء ظروفه المادية.

لم يكن أي من أعضاء لجنة حماية الطفل أو إدارة النجدة موجودا أثناء التحقيق مع أمل في النيابة العامة، كما يقول محاميها دكتور أشرف عبد الخالق. ولم يتصل أي منهم مع أسرتها فيما بعد.


هاني هلال رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة وأمين عام الائتلاف المصري لحقوق الطفل (هيئة مجتمع مدني) يؤكد أن المجتمع المدني لا يستطيع سد التقصير الحكومي، كما أن خدماته في دعم الأطفال مُقيّدة بإمكانيات مالية محدودة.

هلال عضو لجنة صوغ قانون الطفل في 2008 السابق يشكو من أن التعديلات آنذاك ظلّت حبرا على الورق رغم أنها وضعت أساساً لزيادة الآليات الحكومية في حماية الطفل.

في أغلب الحالات، يحيل الإئتلاف الأطفال لتلقي الدعم النفسي في مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب والعنف (خاص)، لكن تركّز عمل النديم في القاهرة يُعد عائقاً أمام وصول الأسر من المحافظات، خصوصا البعيدة، يقول هلال.

دكتورة نعمات علي، أحد أعضاء وحدة الدعم النفسي بمركز النديم، قالت إن تقديم الإسناد للأطفال لا يعتمد آلية محددة بل يتصل بحال كل طفل. وأن مشكلة إغفال تلقي الأطفال للدعم النفسي عقب التعرض للانتهاكات الجنسية تزداد كلما تقدم/ت الطفل/ة في العمر، قد تصل بهم الى مشاكل جنسية في كل العلاقات الحميمة، بل قد تدفع الفتاة الى الدخول في الجنس التجاري ،ناهيك عن الحالات التى قد يتحول فيها الطفل/ة من دور الضحية ليصبح هو نفسه المسيء ويبدأ في الاعتداء على الآخرون.

وقد تصل كلفة الجلسة في العيادات الخاصة بالقاهرة 500 جنيه / 28 دولار، وفي المحافظات تنخفض إلى 50 جنيها/ 3 دولارات.

لجان لا تجتمع

في محافظة أسوان، قرّرت محكمة أسوان الابتدائية سجن أحد المدرسين 10 سنوات عقب إدانته باغتصاب تلميذة. أثناء التحقيقات لم تستطع سلوى تذكر تفاصيل الواقعة أمام وكيل النيابة، وكاد المتهم أن يفلت من الإدانة لولا تدخّل أسماء اسماعيل، أمين عام مؤسسة “كارت أحمر” لمكافحة عمالة الأطفال والعنف ضد الطفل.

كانت أسماء اسماعيل وقتها تمثّل مؤسسة “كارت أحمر” الخاصة في اللجنة العامة لحماية الطفل في أسوان. إلا أن تحركّاتها في هذه القضية لم تكن صادرة عن اللجنة. وهي توضح أن بلاغ أسرة سلوى لم يحل إلى اللجنة، بل هي التي وصلت إليهم عن طريق أحد معارفها.

اتصلت اسماعيل برئيس اللجنة العامة وقتها لمساعدتها في انتداب أخصائي نفسي لتأهيل الطفلة، التي كانت أقوالها ناقصة في التحقيقات. لكن دون جدوى. بينما رد المجلس القومي للأمومة والطفولة بإرسال الطفلة إلى القاهرة. تستذكر أسماء كيف اضطرت لعرض سلوى على طبيب نفسي متطوع. بعد سبع جلسات، استردت سلوى ذاكرتها بعد أن فقدتها جزئيا. وبناءً عليه قدّمت أسماء للنيابة طلب استكمال أقوال الطفلة الضحية، ما أفضى إلى إدانة المتهم. تؤكد أسماء أن نصاب اللجنة الحكومية لم يكتمل إلا مرة واحدة طيلة فترة عضويتها فيها على مدى عامين.

رأي مؤسسات غير حكومية   


مدير مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون انتصار السعيد، ترى أن القانون يستوجب تعديلات توضح كيفية المراقبة وإجراءات تنفيذ الآليات التي يفرضها القانون سواء اللجان أو الخط الساخن.

كما يتطلب وضع آلية رقابة وقياس أثر لكشف ما إذا كانت الجهات المعنية تقدّم للطفل الخدمات المنصوص عليها بالقانون، حسبما تقول انتصار، مشيرة إلى أن النص الحالي لا يلزم الأسرة بتأمين هذه الخدمات للطفل، خصوصا التأهيل النفسي.

 قضية سمر

أحد القضايا التي استقبلتها السعيد كانت للطفلة (سمر) ذات ال8 أعوام من محافظة اسيوط، والتي كانت تتعرض لإعتداء جنسي من جدها. تقدمت الأم ببلاغ رسمي فى قسم الشرطة والذي حولها الى الطب الشرعي الذي اثبت تعرض الطفلة للاعتداء، إلا أنه وبضغط من الأسرة اضطرت والدة سمر الى التنازل عن المحضر، و نقل اقامتها الى القاهرة، لتبدأ فى البحث عن علاج طفلتها التي كانت قد فقدت النطق إثر الحادث.

وتقترح السعيد تشكيل نيابات متخصصة في استقبال شكاوى الأطفال فقط بحيث يلعب القضاة دورا في ربط أحكامهم بقرار يُلزم اللجان الفرعية بعلاج الطفل نفسيا.

المجلس يشكو

منسق عام لجان حماية الطفولة بالمجلس القومي للأمومة والطفولة ناصر مسلّم يشكو من توقف عمل لجان الطفولة منذ 2011، تاريخ اندلاع الثورة. ويرجع مسلّم عدم تحديد الهيكل التنظيمي لتشكيلها إلى قصور النص القانوني، وبناء عليه لا تدخل اللجان في موازنة المحافظات أو المجلس، بل يعمل أعضاؤها كمتطوعين. هذه المعادلة تجعلها “لجان شكلية، تنعقد ثم تنفض”.

قبل الثورة، كان التمويل متوافرا سواء بسبب زيادة مخصصات الطفولة فى موازنة الدولة أو المنح التمويلية التي كان يستقبلها المجلس لتفعيل اللجان، وفقا لناصر. لكنّها انقطعت بعد ذلك ودخل المجلس في “صراع من أجل البقاء”. وفي 2015، استؤنف التخطيط لإحياء اللجان مع حصول المجلس على منحة من الإتحاد الأوروبي، بيد أن ناصر يبرّر بطء تنفيذ هذه الخطة إلى أن المجلس “يكافح وحيداً لتنفيذ مهامه”.

في 21 تموز/ يوليو 2005 أنشأت الحكومة صندوقا خاصا لرعاية الطفولة وخصّصت له 200 مليون جنيه/ نحو 34 مليون و600 ألف دولار آنذاك، من ميزانيتها للإنفاق على “الأطفال المُعرضين للخطر”.

يقول ناصر إن المجلس أنهى تشكيل جميع لجان الحماية (العامة والفرعية) في جميع المحافظات (27 محافظة) في يوليو/ تموز الماضي. لكن حين واجهته معدّة التحقيق بوجود بلاغات لم تلق متابعة بعد ذلك التاريخ، تراجع قائلاً:”ما فعّل فقط كان بمحافظات: (القاهرة، الإسكندرية، البحيرة وأسيوط)”. ردّ مشابه جاء حيال سؤال حول تعيين باحث تابع له بكل محافظة لكتابة تقرير شهري عن أداء اللجان في التعامل مع البلاغات؛ إذ أجاب: “هذا الإجراء لم يتم تفعيله إلا في يوليو الماضي”.


من جانبه، يؤكد مدير عام الإدارة العامة لنجدة الطفل، محمد نظمي، أن بلاغات الاعتداءات الجنسية على الأطفال التي يستقبلها خط النجدة تُحال تلقائيا لتلقي العلاج النفسي، إما عن طريق الأخصائيين النفسيين التابعين للجان الفرعية في محيطه السكني أو لمكتب الصحة النفسية التابع لمستشفى التأمين الصحي.

وبمواجهته بأن ذلك لم يحدث في بلاغات وثقّها التحقيق، طلب نظمي رقم البلاغ. وحينما أخبرته أن متلقي الاتصال لم يزودني بأي رقم، رد باستغراب ” خطأ فردي”.

وعن عدم إحالة البلاغات من النيابة أو الشرطة، يعلّق نظمي: “ليس كل العاملين في أقسام الشرطة أو النيابة العامة يدركون ما يفرضه قانون الطفل. حاولنا تدريبهم، إلا أن التغييرات السنوية لهم، تجعل من هذه التدريبات غير ذات جدوى، لذلك نعتمد على أن تقوم الأسرة نفسها بإبلاغنا”.


مسؤولو المجلس يؤكدون أن “استئناف التمويل” سيفضي إلى تفعيل اللجان وتنظيم عملها من خلال دليل حماية الطفل الذي يستعد المجلس لإصداره. كما تعد الوحدة التشريعية داخل المجلس مشروع تعديل قانون الطفل. لكن على أرض الواقع لا يبدو الأمر حتمياً؛ فكل هذه الوعود ترصدها التصريحات الإعلامية منذ 2014، دون نتائج.  ناهيك عن إشكالية القرار الوزاري 2152 لسنة 2016 والذي نقل تبعية القومي للأمومة والطفولة إلى وزارة الصحة والسكان بدلاً من مجلس الوزراء كما كان مقرراً وفقا لقانون الطفل، حيث لم يعد للمجلس حق الإشراف على أنشطة الوزارات التي يتقاطع عملها مع قضايا الطفل.

ثلاثة أشهر مرّت على متابعة حال أحمد، مذ أخفقت جدّته في استكمال علاجه لدى طبيبة خاصة، وأحالته لإحدى الجمعيات الخيرية نظير “كشفية” بسيطة (رغم عدم تخصصها لهذا النوع من الحوادث). وتظلّ هواتف عائلة أحمد دون رنين في انتظار اتصال – بعيد المنال- من خط نجدة الطفل أو لجان الحماية بالدقهلية لمتابعة شكوى الأسرة لدى مخفر الشرطة.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “أريج” وبإشراف الزميل حمد العثمان.

 


الصحفي



تعليقاتكم