الإثنين ٢٠ - أغسطس - ٢٠١٨ ١٢:٠٨ صباحاً

أطفال تحت المقصلة.. حدّ السيف وفرق الرصاص

29 أكتوبر 2017

تحقيق: أحمد الواسعي

(DW عربية)- من صفوف الدراسة إلى عنبر ضيق، ومن أحضان أسرهم إلى عصى السجان، ومن ساحات اللعب والمرح إلى صراع قاس من أجل حياة فارغة من كل شيء سوى الحزن وطيف الموت. 

تلكم حال عشرات الأطفال في سجون السعودية واليمنية، وجدوا أنفسهم دون اختيار تحت رحمة أنظمة سياسية وقانونية تعمل باسم العدالة، لكنّها تمارس ظلما بحق الأطفال.

السعودية واليمن، دولتان عربيتان فرقتّهما الحرب، وجمعهما خرق معاهدات دولية رغم مصادقتهما عليها. وما بين مملكة مستقرة وجمهورية مضطربة، يتشابه مصير عشرات الأطفال الذين يدفعون إلى مقصلة الإعدام بأحكام قضائية، تمثّل انتهاكا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية، التي تحرّم إعدام الأطفال.

فرق الإعدام

في صبيحة الثالث من ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٢، اقتادت فرقة الإعدام في سجن صنعاء المركزي هند البرطي – المحكومة بالإعدام في قضية قتل حين كان عمرها أقل من 16 عاما- ثم أعدمتها في ظروف سرية. ولم تبلغ السلطات عائلة المدانة يوم الإعدام.

وبعد أربع سنوات، أعدمت السلطات السعودية الحدث علي آل الربح، الذي القي القبض عليه قبل أن يتم الثامنة عشرة، بعد إدانته بالمشاركة باحتجاجات ضد النظام الحاكم.  

فبينما يتجه العالم نحو إلغاء عقوبة الإعدام، تتصاعد وتيرة أحكام الإعدام بحق أطفال في السعودية واليمن.

منسّق هيئة حماية الطفل في محافظة ذمار جنوب العاصمة المحامي اليمني عبدالكريم المصري يذكر أنه رصد في 12 محافظة أكثر من 220 قضية أطفال، يواجهون الإعدام في قضايا قتل. “21 من هؤلاء الأطفال تلقّوا أحكاما بالإعدام، رغم أن لديهم أدلة تفيد بأن أعمارهم كانت أقل من 18 سنة لدى ارتكاب الجريمة”، حسبما يشرح المصري.

أما في السعودية، فيصعب تحديد عدّد الأطفال الذين أعدموا بالسيف أو ينتظرون تنفيذ الحكم بسبب شح المعلومات والتكتّم الشديد الذي يفرضه النظام هناك. مع ذلك تفصح منظمات حقوقية دولية – من بينها (العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش) عن أكثر من 250 طفلا معرضين للإعدام في السعودية.

أس المشكلة

في اليمن تحتل محافظة إب المركز الثاني بعد تعز، في عدد الأحكام الصادرة بإعدام أطفال. من بينهم محمد طاهر السموم، الذي أدين عام 1999 بقتل صديق له.

منسق هيئة حماية الطفل بمحافظة إب المحامي فضل الحضرمي يقول إن عمر محمد لمّا يتجاوز الحادية عشرة وقت وقوع الحادثة، وفقا لما ورد في الأوراق الرسمية.

أما عائلته، فأرهقها عبء البحث عن مخرج. يقول والد محمد السموم: “الجميع بذلوا كل جهد على مدى 19 عاما، حتى اضطررت لبيع ممتلكاتي للإنفاق على القضية”.

يوضح محامي الأسرة وضّاح الصبري إنها قدّمت للمحكمة شهادتي ميلاد وعلامات مدرسية تثبتان أن الطفل قاصر. لكنّها قرّرت عرض محمد على الطبيب الشرعي، متجاهلة تلك الوثائق، بحسب المحامي الذي يجادل بأن هذا الإجراء مخالف لنص المادة (208) الفقرة (د)  من قانون الإجراءات الجزائية: “عدم وجوب عرض المتهم على لجنة طبية لتقدير سنّه إلا في حال عدم وجود وثائق رسمية تثبت عمره”.

شبح الإعدام

محمد أمضى 18 عاما خلف القضبان، يطارده شبح الإعدام في كل لحظة. بعد محاولات عديدة نجح معد التحقيق في زيارته داخل السجن.

يصف محمد آلام  ليلته الأولى في السجن: “كنت أبكي باستمرار، أشعر بالرعب بعد أن انتقلت من الأمان في منزلي إلى غرفة ضيقة في السجن المركزي”.

بعد أن عرض علينا الصورة التي التقطت له يوم دخوله السجن، يقول محمد إن القاضي الذي حكم عليه بالإعدام كان يأتي إلى السجن المحلي بمديرية الرضمة ويخبره بأن لا يخاف باعتباره لا يزال طفلا. وطالب القاضي إدارة السجن بأن لا تضعه مع الراشدين، وأن ترسله إلى دار الرعاية.

أحكام سياسية

مع بدايات الربيع العربي، خرج الآلاف في مدينة شرق القطيف في احتجاجات كبرى خصوصا في أوساط المكون الشيعي. على أثرها اعتقلت السلطات السعودية عددا كبيرا من المتظاهرين، من بينهم أطفال؛ أحدهم علي باقر، الذي صدر بحقه لاحقا حكم بالإعدام، رغم أن عمره وقتها كان تحت سن الـ18، وفقا لوالدته. وتؤكد أم علي أن ابنها – مواليد 20 ديسمبر/ كانون الأول 1994 – احتجز في سجن الأطفال لمدة سنتين بعد القبض عليه. ورغم ذلك فإنه لم تعامله هيئة المحكمة كطفل: “الحكم صدر من المحكمة الجزائية في الرياض، والتي هي للبالغين وليست للأطفال”.

المحامي طه حجّي – وكيل علي أمام المحكمة- هرب إلى بلد أوروبي مما يصفه بـ”اضطهاد” الرياض، للأقلية الشيعية والملاحقات الأمنية. “قضية علي لم تكن جنائية وكان وراء الحكم دوافع سياسية”، يجادل حجّي من مستقره الجديد.

العنبر المجاور

في عنبر مجاور لعنبر محمد السموم، يقضّي صلاح الريمي عامه السادس عشر في انتظار تنفيذ الإعدام على خلفية جريمة قتل. يقول صلاح إن التحقيق بدأ معه في قسم البحث الجنائي بإدارة أمن مديرية العدين، ثم أحيل إلى قسم البحث الجنائي بمحافظة إب. وهناك يؤكد الريمي أنه تعرض للعنف والترهيب رغم أن عمره وقتها لم يتجاوز السادسة عشر.

في غمرة صراعها لإنقاذ ابنها، زوّدت أسرة صلاح المحكمة بعديد وثائق تثبت أن الجريمة وقعت حين كان ابنها طفلا. من بين الوثائق جواز سفر والدته الصادر عام  1984، إذ يتضمن اسم صلاح وتاريخ ميلاده. وعزّزت  الوثيقة ببطاقة تطعيم، شهادات دراسية، رقم جلوس امتحانات المرحلة الأساسية وكذلك مذكرة من مصلحة الجوازات تؤكد صدقية بيانات الجواز.

مع ذلك لم تأخذ المحكمة الابتدائية بالأدلة المقدّمة، وأنزلت بصلاح عقوبة الإعدام، بعد أن استشارت الطب الشرعي لتحديد سن المدان، في مخالفة للمادة 208 من قانون الإجراءات الجزائية.

 

خرق المعاهدات الدولية

اليمن والسعودية من بين الدول الموقعة على اتفاقية حقوق الطفل، في صدارتها تجريم إعدام من هم دون السن القانونية المحددة بثمانية عشر سنة. بخلاف هذا التماثل، تختلف المنظومة القانونية في البلدين؛ ففي السعودية لا يوجد قانون مدني للعقوبات، ولذلك يتمتع القاضي بمساحة واسعة من الاجتهاد، بحسب المحامي السعودي المهاجر طه حجّي. “النظام السعودي يعتمد في أحكامه على الشريعة الإسلامية، لكنّها لا تتضمن أي نص يمكن الاعتماد عليه في إصدار أحكام إعدام بحق الأطفال”، حسبما يشرح حجّي. “لهذا السبب يلجأ القضاء السعودية إلى التعزير لأن في التعزير سلطة تقديرية واسعة للقاضي”.

في اليمن، ينص قانون الجرائم والعقوبات (المادة 31) على منع إعدام المتهمين بجرائم قتل إذا كانوا دون سن الثامنة عشر. ويحدّد القانون عقوبة هذه الفئة بالسجن من ثلاث إلى عشر سنوات.

سكرتير لجنة الخبراء ببرنامج عدالة الأحداث في وزارة العدل اليمنية المحامي محمد حطروم يؤكد أن البعد التشريعي في اليمن “لا يمثّل مشكلة، فلا يوجد أي نص قانوني يبيح إعدام الأطفال. بل تكمن في التطبيق وتحديدا في عملية تحديد السن، بخاصة أن معظم اليمنيين لا يسجّلون المواليد بشهادات ميلاد، ما يشكّل عقبة كبيرة في تحديد سن المتهمين”.

تحايل؟

لكن النائب العام في اليمن الدكتور عبدالعزيز البغداد يرى أن “المتهمين يسعون إلى إثبات أن عمرهم تحت السن القانونية لمحاولة الإفلات من العقوبة”. ويقول البغداد: “من يثير موضوع أن (المتهم) دون المساءلة القانونية هو صاحب المصلحة، في إثبات  ذلك”.

لكن ما يدفع به النائب العام يتعارض مع نص صريح في قانون الإجراءات الجزائية (المادة 208) حدّثنا عنه رئيس نيابة إب المحامي عبدالغني الصبري: “قرار الطبيب الشرعي يكون واجبا أو ملزما (فقط) في حال عدم وجود وثائق لتحديد السن”. ويؤكد صبري أن “الوثائق مقدمّة على تقرير الطبيب الشرعي لأنها أكثر ثبوتا”.

ورغم ذلك لم تعترف المحكمة بوثائق السموم والريمي، بل أنها لم توجه إلى أحد تهمة التزوير، وفضّلت إحالة المتهمين إلى طبيب شرعي ل”التسنين”.

ضحايا الطب الشرعي

د. علي التركي رئيس قسم الطب الشرعي بجامعة صنعاء وعضو لجنة الخبراء ببرنامج عدالة الأحداث يوضح الموقف في اليمن: “الطب الشرعي ضعيف للغاية ويفتقد لأشياء كثيرة، منها وجود مصلحة خاصة بالطب الشرعي تعزّز من استقلاليته، ووقوعه تحت تأثير أصحاب المصلحة”. كما أن “دخول أطباء العموم غير المتخصصين لممارسة الطب الشرعي فاقم من المشكلة”، حسبما يضيف.

الإشكالية التي يتحدث عنها التركي، تنعكس في التقرير الطبي الذي استند إليه حكم الإعدام بحق محمد السموم. إذ يبين التقرير أن الطبيب كان يقتفي أثر البلوغ بفحص ظاهري فقط. وهذا ما أكده لاحقا محمد السموم.

د. علي التركي يرى أن هذا الأسلوب “غير كاف على الإطلاق لتحديد السن” ويؤكد أن “الفحوص الظاهرية هي جزء بسيط لتحديد سن الشخص. وفي سبيل ذلك لابد من إجراء فحوص للعظام باستخدام أشعة (إكس ري ديجيتال)؛ فهي أفضل الفحوص لتحديد السن”.

الأولى في إعدام الأطفال

في السعودية، يزيد الأمر تعقيدا عندما تقف دوافع طائفية وسياسية وراء إعدام أطفال. ففي إحدى القضايا، نفّذ حكم الإعدام في علي آل الربح عقب إدانته بالتحريض على التظاهر، فيما عرف بـ”أحداث الفتنة”. أعدم علي عام 2016، فيما يؤكد المحامي طه حجّي -المطلع على ملف القضية أن “المجتمع والنشطاء لم يعرفوا أنه كان طفلا، إلا قبل تنفيذ الحكم بفترة ولم يتمكنوا خلالها من إنقاذه”.

وفقا لمنظمة (هيومن رايتس ووتش)، تأتي السعودية على رأس قائمة الدول التي تعدم أطفالا في العالم. وطالبت الأمم المتحدة الرياض باحترام حقوق الطفل بعد إعدام أربعة أحداث عام 2016. يقول المحامي حجّي أن حكومة السعودية “تنكر دائما إقدامها على إعدام أطفال، لكن في الحقيقة ما تقوم به هو اعتقال الأطفال على أمور قاموا بها وهم دون سن الثامنة عشر، ومن ثم تعدمهم بعد أن يتجاوزوا السن القانونية”. ويرى حجّي في ذلك “تلاعبا واضحا على القواعد القانونية العامة، التي تؤكد أن المعيار الزمني لإصدار الحكم هو وقت ارتكاب الواقعة”.

قبل أربع سنوات، ذكرت منظمة  (هيومن رايتس ووتش) أن في اليمن 23 شخصا ينتظرون تنفيذ أحكام بالإعدام رغم امتلاكهم وثائق تثبت أنهم دون سن الثامنة عشر. بعد عامين، تضاعف هذا الرقم ثمان مرّات عقب اندلاع الحرب، كما يقول الناشط الحقوقي عبده الحرازي المنسق العام لهيئة تنسيق حماية الطفل. ويؤكد الحرازي أن الهيئة شاركت “مع وزارة الداخلية ومنظمة اليونيسف في حصر ورصد الأطفال المعرضين للإعدام في   2015”.

عودة إلى الحياة

في عام 2013، أي بعد 12 عاما على صدور حكم بإعدام محمد السموم، خرج أمر تنفيذ، قبل أن تتدخل هيئات حماية الطفل لتجميد القرار. يصف محمد لحظات إبلاغه خبر تنفيذ الحكم: “عندما يتم إبلاغك بأن تستعد ليوم الأربعاء، فإن هذا بحد ذاته إعدام يقتل في الشخص كل شيء؛ انتظار الموت هو أصعب شيء”.

بعد إخراج محمد إلى ساحة الإعدام، أوقفت النيابة ورجال أمن تنفيذ الحكم بعد أن أقنعت هيئة حماية الطفل رئيس الجمهورية بوقف التنفيذ. منسق هيئة حماية الطفل بمحافظة إب الناشط فضل الحضرمي، الذي تابع إجراءات وقف التنفيذ- يستذكر كيف “انهار محمد وكان شبه ميت في تلك الساعة: “تدخّل المسعفون لإنقاذه وتزويده بمحاليل الطبية”.

بارقة أمل أطفأتها الحرب

قبل اندلاع الحرب في اليمن، لاحت بارقة أمل من خلال تشكيل لجنة طبية في وزارة العدل لتدقيق أعمار الأطفال المحكومين بالإعدام. يقول سكرتير اللجنة محمد حطروم  إنها دقّقت 39 حال فتبين أن أعمار 29 منهم أقل من 18 عاما، أربعة أكبر من هذه السن فيما لم تحدّد أعمار ستة آخرين. على  أن تلك الجهود تبخّرت بفعل الحرب، مثلما توقفت الحياة في صور كثيرة مع توقف برنامج عدالة الأحداث.

من المسؤول؟

في السعودية لم يتسن  لنا مواجهة المسؤولين بسبب عدم رد وزارة العدل على خطاباتنا بإجراء مقابلات.

لكن في اليمن- حيث يسري قانون لمنع إعدام الأحداث- استطعنا مواجهة النائب العام الدكتور عبدالعزيز البغداد بما لدينا من وثائق وتقارير. فكان جوابه أن “هذه الإحصائيات غير منطقية”، مع تأكيده أنه “لم يطلع على هذه التقارير”.  ويشرح النائب العام: “الجاني في العادة يحاول إيجاد وثيقة تثبت أنه دون سن المساءلة”، لافتا إلى أن “هذه الإحصائية تحتاج إلى الدقة ولم تصلني حتى أتأكد منها”.

ومع انهيار منظومة عدالة الأحداث في اليمن، وضعف حماية الطفل في السعودية، يواجه عشرات الأطفال شبح الإعدام، كوابيس تنفيذه وتراجع الأمل في إنقاذهم. ولم يبق للطفولة المهدورة سوى زيارات أسبوعية ومكالمات هاتفية مقتضبة من أهاليهم المكلومين.


تعليقاتكم