الإثنين ٢٤ - سبتمبر - ٢٠١٨ ٠٨:٣٣ مساءً

أطفال بلا نسب

4 ايلول 2016
مختار الإبراهيمنسرين علاء الدين

حرمان السوريات من تسجيل أبنائهن المولودين في الحرب بعد اختفاء الأزواج
ثغرة في القانون تسمح بتسجيل(الأطفال خارج إطار الزواج) ولا تسمح لمجهولي الأب بالتسجيل
نسبة دعاوى تثبيت النسب ارتفعت عشرة أضعاف خلال سنوات الحرب
القاضي الشرعي: وزارة العدل تعرقل سير عملية تثبيت النسب

دمشق: تحقيق نسرين علاء الدين ومختار الابراهيم

الحياة: كانت معدة التحقيق تستقل باص النقل بين دمشق وريفها صباح يوم 12/11/2015، لتكتشف بالصدفة بداية الخيط لعالم من أطفال بلا نسب، يولدون في الحرب مع اختفاء الآباء قسراً في حالات قتل أو اختطاف أو تهجير ما يحول دون تسجيلهم رسمياً.
يعبر الباص الأبيض الصغير الذي يطلق عليه السوريون “السرفيس” نقاطاً للتفتيش العسكري، وهو ينقل المدنيين بين ضفتي القتال وصوت فيروز يصدح منشداً: “أسامينا شو تعبوا أهالينا تلاقوها وشو افتكروا فينا، الأسامي كلام..”.
توقف السرفيس للمرة الرابعة عند نقطة تفتيش. فتح مجند شاب باب السرفيس، وطلب من الجميع الهويات الشخصية. وقعت عينيّ على فتاة تجول عيناها بترقب بين العسكري المدجج بالسلاح، وبين طفلتها التي ترقد على حضنها خشية أن يسألها: لمن هذه الطفلة؟
سريعاً، أعاد إليها هويتها، وأغلق باب السرفيس بقوة أيقظت الطفلة التي راحت تبكي، فيما فشلت جميع محاولات الأم وحتى الركاب لإسكات الطفلة.
سألتُ والدة الطفلة التي تجاوزت الستة أشهر عن أسمها؟.
– الوالدة: لم أسجلها بعد.. وكل فترة أطلق عليها اسماً جديداً!
هي المرة الأولى التي تزور فيها رانيا (الأم) العاصمة دمشق منذ خمس سنوات، بالرغم من أنها تسكن في منطقة ببيلا 14 كم جنوب دمشق، بعدما اضطرت لمغادرتها قاصدة القصر العدلي لتسجيل ولادة طفلتها.

14191508_1312044895487031_1027256055_o
كانت رانيا ذات الخمسة عشر عاماً، قد تزوجت قبل سنة ونصف من خليل جمعة الذي أتى نازحاً من إحدى البلدات المجاورة. عقد قرانها شيخ من البلدة بعد أن قرأ الفاتحة بشكل شفهي، واستدعى شاهدين من المارة كما يحصل في المناطق التي تبعد عن مراكز المدن في سورية. ثم وقعت المصيبة-كما تقول- فقد: “تعرضت بلدتنا للقصف منتصف 2014، فخرجنا من البلدة إلى منقطة أخرى، وبعدها بشهرين قتل زوجي، وولدت ابنتي، وأنا لا أملك عقد زواج رسمي”.
بعد مضي أسبوع على لقائنا الأول، اجتمعتُ في ذات التوقيت الصباحي برانيا التي وجدت نفسها أمام قضية قانونية معقدة تطلبت منها توكيل محامِ، بعد أن رفض أمين السجل المدني تسجيل ابنتها، لكونها لا تملك عقد زواج يثبت زواجها وأبوة الزوج القتيل لابنتها.
طلب منها المحامي احضار شاهدين من الرجال على زواجها أو ورقة من مختار المنطقة التي تزوجت فيها. أدركت صعوبة الامتثال للطلبين. كل من حضر مراسم زواجها العرفي من الرجال إما هرب خارج البلاد بسبب الحرب أو مات. وهي لا تعرف عناوين أهل زوجها وتتذكر فقط أنها تزوجت في منطقة “معارضة”، ما يعني أن القضاة الشرعيين التابعين للحكومة قد لا يعترفون بشهادة مختار هذه المنطقة في معظم الحالات.
وطلب منها تأمين تأمين مائتي ألف ليرة سورية/ نحو 400 دولار كتكاليف لرفع الدعوى القضائية، لكنها غير قادرة على الوفاء بهذا المبلغ بعد أن تعرضت للتهجير وفقدان الزوج والأهل وكل ما تملك.

ينص قانون الأحوال المدنية السوري في المرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2007 الفصل الرابع المادة 28 في الفقرة ج: (في حال ولد مولود من زواج غير مسجل لا يجوز تسجيله إلا بعد تسجيل الزواج أصولاً).

معدا التحقيق نفذا استبيان رأي شمل ستين محامياً من (دمشق وريف دمشق والقنيطرة) حول نسبة دعاوى تثبيت الزواج وتثبيت النسب، خلال الأزمة، في ظل قانون الأحوال الشخصية الحالي.مازالت رانيا تتردد على القصر العدلي في دمشق في محاولة لإثبات نسب ابنتها منذ أكثر من عام دون جدوى، حتى تراكمت عليها الديون، وصارت مقصداً لصدقة المحسنين.
قضية رانيا واحدة من القصص التي أفرزتها الحرب الدائرة في سورية منذ ستة سنوات، واستطاع معدا التحقيق توثيق  29 حالة منها بعد مقابلتهم في مراكز إيواء العائلات النازحة في دمشق وريفها وفي قرى ريف القنيطرة.
جميع الحالات التي قابلها معدا التحقيق، هي لأمهات يعانين من صعوبة تسجيل موليدهن، لأسباب تتعلق بفقرة قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يتطلب عدداً من الشروط، يستحيل تحقيقها في ظروف الحرب والهجرة والنزوح.

من بين الشروط التي ينبغي توافرها لتسجيل عقد القران في الدوائر الرسمية لكي يصبح الزواج وما ينتج عنه من أطفال معترف به: أن يكون هناك صك زواج موثّقاً للزوج مع كامل بيناته الشخصية، ورقمه الوطني وكذلك الأمر للزوجة، وولي الزوجة وشاهدين من الذكور البالغين مع ذكر كامل بيانتهم الشخصية الصحيحة، كما يلزم أن يتضمن رخصة زواج للشاب تصدر عن الشعبة العامة للتجنيد، إضافة إلى العنوان المختار، إلى جانب ذكر المهر المؤجل والمعجل، وكتابة تاريخ عقد القران، فهو أمر ضروري جداً لتثبيت حالة الزوجية (ومن خلالها يتم حساب عمر الحمل)، هذا يسمى في العرف السوري “كتاب براني”، وفي القانون اسمه “صك زواج عرفي”، وإذا نقص شرط من هذه الشروط لا يمكن احتساب العقد صحيحاً، وبالتالي، لا يتم تسجيله في المحكمة الشرعية المختصة بحسب القضاء الشرعي.
ويزداد الوضع تعقيداً في المناطق التي تقع خارج السلطة الرسمية، حيث الأوراق الثبوتية الصادرة عن المعارضة ومحاكمها ومجالسها المحلية لاتحظى بأي اعتراف دولي بما فيه الحكومة السورية في دمشق.

معدة التحقيق أثناء إجراء المقابلات

معدة التحقيق أثناء إجراء المقابلات

وهذا ما يؤدي لتكدس القضايا المرفوعة أمام المحاكم، لأمهات من أمثال رانيا يحاولن تثبيت النسب لأطفالهن في ظل اختفاء الأزواج. وبحسب بيانات سجلات القاضي الشرعي الأول بدمشق والذي يوثق دعاوى الأحوال الشخصية، أن دعاوى تثبيت الزواج وإثبات النسب ارتفعت أكثر من عشرة أضعاف في سورية، بمقارنة عامين ماقبل الحرب عام (2009) وخلالها عام (2015).
كما أثبتت نتائج الاستطلاع الذي أجراه معدا التحقيق على 60 محامياً متخصصاً بقضايا الأسرة وقانون الأحوال الشخصية في القنيطرة ودمشق وريفها، أنّ دعاوى إثبات النسب ارتفعت لتشكل 80% من القضايا التي ترافعوا بها خلال السنوات الخمس الأخيرة، رغم أن نسبتها لم تزد عن 9% قبل الحرب.
يفاقم الوضع تشدد وزارة العدل بما يخص الأوراق الثبوتية والإجرائية لتثبيت الزواج وتثبيت نسب الأطفال بحسب ما أكده لنا القاضي الشرعي الأول محمود معراوي بالإضافه الى عجز كثير من النساء عن تأمين التكلفة المالية (أتعاب ورسوم) عند رفع دعاوى تثبيت الزواج أو تثبيت النسب، والتي تبدأ تكلفتها من 100 دولار.
ولا يخفي المحامي والناشط في مجال حقوق المرأة والطفل، رئيس مكتب الوفاق الأسري لدى الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين) ‎يوسف عايد عمايري، خوفه من المستقبل المبهم الذي ينتظر فئة كبيرة من أطفال سورية الذي وصفهم بضحايا “القوانين والحرب”.
ويقول عمايري إن قضايا تثبيت الزواج وتثبيت النسب التي نتعامل معها كمحامين تتزايد باستمرار ويضيف: “منذ العام 2007 إلى 2009 لم أواجه سوى قضية تثبيت نسب واحدة فقط، أما اليوم فتردنا شهرياً عشرات القضايا”.
أريد حقي
تشتت الأسر السورية بحسب تقرير بعنوان “مواجهة التشظي”، صادر في شباط/فبراير من العام الجاري عن المركز السوري لبحوث السياسات وبدعم برنامج الأمم المتحدة الانمائي. اعتبر أن هناك أزيد من ستة ملايين سورية نزحوا إلى مدن وقرى أخرى داخل سورية، فيما لجأ وهاجر مايزيد عن أربعة ملايين سوري خارج البلاد.
رولا، الملقبة بأم صلاح (25 عاماً)، واحدة من هؤلاء الملايين الذين نزحوا أكثر من مرة داخل البلاد، تقيم بأحد مراكز الإيواء في اللاذقية الذي وصلت إليه قبل ستة أشهر مع ولديها دون أوراق ثبوتية بعد اختفاء زوجها قبل ثلاث سوات. خرج قبل ثلاث سنوات ليشتري لعائلته خبزاً لكنه لم يعد، فقد يكون مقتولاً أو مخطوفاً أو معتقلاً.
أم صلاح التي لم تحصل على دفتر للعائلة، ولم تتمكن من إدخال ابنها المدرسة ولا الحصول على المعونات المخصصة، لأنّ طفليها غير مسجلين في السجلات الرسمية. وما زالت الكلمات التي رماها المحامي في أذنها ترن لليوم: “الأطفال خارج إطار الزواج يسمح لأمهاتهم بتسجيلهم عندما يعترفن بهم”. وتردد أم صلاح: لست زانية ولم ولن أكون، لكن ألست الجانية على أبنائي؟! فأنا أتيت بهم إلى هذه الحياة، ولم أحفظ أبسط حقوقهم”.
كان الدها قد زوّجها لشاب قدم إلى قريتهم عام 2011 بعد أن شهد له الجميع بحسن أخلاقه. أنجبت ابنها البكر صلاح دون تسجيل زواجها بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة وقتها. وبعد أقل من سنة على زواج رولا بدأ مسلسل النزوح من مكان لأخر بسبب تصاعد الاحداث. ثم أنجبت ابنها الثاني محمد عام 2012، وفي عام 2013 فقدت زوجها الذي خرج ولم يعد.

IMG_3837
زوج رولا من بين أكثر من 65 ألف شخص معظمهم من المدنيين اختفوا قسراً بين آذار (مارس) 2011 وآب (أغسطس) 2015 بحسب تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في 5-11-2015. بينما وصل عدد المخطوفين في سورية نحو 20 ألف مواطن مدني وعسكري منذ 2011 حتى تاريخ نشر التحقيق، بحسب ما قال وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية السورية علي حيدر لمعدي التحقيق.
رولا بقيت في منطقة قريبة من مكان اختفاء زوجها، على أمل أن يعود ويجدها مع أبنائها. ولم يتبق لها سوى خاتم زواجها بعد أن اضطرت لبيع مصاغها الذهبي لتنفق على عائلتها قبل أن تتوجه للعيش على صدقة أهل الخير.
انتقلت إلى حلب عام 2014 فاللاذقية في عام 2015 بحثاً عن الأمان بعد أن تعرض ابنها صلاح للإصابة في قدمه مع تواصل الحرب.
الصدمة الثانية كانت عندما وصلت إلى مركز الإيواء، حين طلب منها المسؤول أوراق ثبوتية للأطفال. “أخبرته أني فقدتها”. حصلت على غرفة مشتركة مع عائلة أخرى. وعندما طلبت الانتقال إلى غرفة مستقلة طلب مني إحضار أوراق تثبت بأن هؤلاء الأولاد هم أبنائي تحت طائلة الطرد، وتقول: “لا أملك أي أوراق تثبت زواجي وأطفالي، فبحسب السجلات الحكومية أنا ما زلت رولا. ع مواليد محافظة إدلب عام 1996، الحالة الاجتماعية “عازبة”.

إذ أكد الستين محامي أن نسبة دعاوى تثبيت الزواج بين الدعاوى التي يترافعون بها ارتفعت بنسبة 100% خلال الحرب. فيما أجاب 80% منهم أن نسبة دعاوى تثبيت النسب ارتفعت بنسبة تصل إلى نحو 700%.
ويظهر الاستبيان أن 83% منهم يعدون غياب الزوج العائق الأهم في قضايا تثبيت النسب.

‌ينص المرسوم التشريعي الخاص بالأحوال المدنية رقم 26 لعام 2007 في الفقرة ج- لا تسجل أي واقعة في أحوال مدنية حدثت لمواطن داخل وخارج أراضي الجمهورية إلا بموجب وثائق مصدقة أصولاً.
تنص الماد”28″ من القانون ذاته في الفقرة “ب”
‌ب- إذا كان المولود غير شرعي لايذكر اسم الأب أو الأم أوكليهما معاً في سجل الولادة إلا بناء على طلب صريح منهما أو بحكم قضائي، وعلى أمين السجل المدني أن يختار للمولود اسم بأبوين منتحلين.

خرج ولم يعد
تستمع دنيا “اسم مستعار” إلى كل كلمة تقولها محاميتها الجديدة بإمعان. فالطريق لتثبيت زواجها ستبدأ من جديد بعد فشل المحاولة الأولى التي استمرت لثلاثة أشهر، شهدت اثنائها محاولة اغتصاب من قبل محاميها الأول الذي حاول استغلال ظروفها وحاجتها.
تزوجت “دنيا” التي بلغت التاسعة عشرة، شاباً من أبناء إحدى المحافظات السورية الشمالية أتى للعمل في دمشق. تعرف “دنيا” اسم زوجها والقرية التي أتى منها. خرج زوجها من المنزل صباح 7\9\2012 ليتابع عمله بأحد المعامل القريبة من منطقة سقبا، بعد أن ودّعها عند باب المنزل، وقبّل وجنتيها وبطنها الذي بدأ يكبر حجمه بعد أن دخلت الشهر الشهر الخامس من حملها. وعدته بأنها ستنتظره لتناول طعام العشاء، لكنه لم يعد إلى المنزل لغاية اليوم.
مرت ثلاث سنوات وهي تنتظر عودته. رفضت عرضاً من أحد جيرانها لخطبتها. وعندما حاولت تسجيل ابنتها التي بلغ عمرها عامان، تفاجأت بوجوب تعيين محامٍ ليقوم بالإجراءات. “تعهدت السيدة التي أقيم لديها بتكاليف الدعوى، وبعد أكثر من خمس جلسات مع المحامي في مكتبه طلب مني الحضور من دون السيدة التي أقيم معها، وعندما حضرت حاول التحرش بي، وأخبرني أنه سيقوم برفع الدعوى، ولن يأخذ مني نقوداً مقابل أن أقيم معه علاقة، واحتفظ بالنقود التي ستدفعها المرأة لي، لكنني خرجت وأنا أبكي بعد أن قمت بضربه وهو يصرخ أنه سيقوم بحبسي، لأنني ضربته بمنفضة السجائر التي كانت على مكتبه”.
تشير إحصاءات وثقها معدا التحقيق بالتعاون مع مكتب القاضي الشرعي الأول بدمشق إلى ارتفاع كبير في طلبات تثبيت الزواج الإداري (كتب كتاب الشيخ أو كاتب المحكمة). حيث بلغت في العام 2009 (719) طلباً ووصلت في العام 2015 إلى (10.504) طلب، أي أكثر من عشرة أضعاف ماكانت عليه قبل الحرب.

1

إحصاءات المحكمة الشرعية في دمشق (زواج وطلاق)

احصاءات دعاوى المحكمة الشرعية بدمشق

إحصاءات دعاوى المحكمة الشرعية بدمشق

العدل تزيد الطين بلة
يبين القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي، أن الأزمة السورية فرضت على القضاء السوري ظروفاً استثنائية فيما يخص قضايا تثبيت الزواج والنسب، وأنه لا بد من إيجاد لجنة قضائية مختصة تعمل على حفظ حقوق الأطفال غير المسجلين والزوجات. وقال”مع الأسف نشهد تشدداً في تعليمات وزارة العدل، من شأن هذه التعليمات عرقلة سير عملية تثبيت النسب، كطلب وزارة العدل وجوب وجود شهادة ميلاد مصدقة من مشاف حكومية حصراً، لكننا نعلم أن العديد من النساء مازلن يلدن أطفالهن لدى قابلات أو أطباء في عيادات خاصة، أو حتى في منازلهن”. ويتابع القاضي المعراوي: “هناك عدد قليل من القضاة يملك الجرأة لاتخاذ قرار ببعض الدعاوى وسط التعليمات الوزارية المتشددة”.
ويردف المعراوي أن قضايا النسب هي خط أحمر، ولا يمكن التعدي على قانون الأحوال الشخصية. ويبين أن حقوق الأولاد محفوظة ضمن إطار قانون الأحوال الشخصية الحالي وفقاً للقاعدة الشرعية الإسلامية، وهي الولد للفراش (الفراش هو فراش الزوجية الناتج عن عقد زواج صحيح).

فقدان الأوراق الثبوتية
لا يغيب عن المتتبع للشأن السوري أعمال العنف التي طالت المقار الحكومية في المناطق الساخنة بعد 2011، حيث فقدت وثائق قانونية منها سجلات مدنية لملفات الولادة والزواج والطلاق، والوفيات وسندات الملكية وغيرها.
بعد ذلك قامت عدة جهات بإصدار أختام وسجلات مدنية كان الهدف منها تثبيت سيطرة تلك الجهات على أرض الواقع، كما فعل الائتلاف الوطني المعارض في محافظة إدلب شمال سورية، أو تنظيم “داعش” في المناطق التي سيطر عليها. وبالتالي بات على السوريين الموجودين في تلك المناطق التعامل بالأوراق والأختام المفروضة عليهم.
وفي مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سورية OCHA عام 2015، وجد أن نقص أو فقدان الوثائق الشخصية، يشكل تحدياً أساسياً للأشخاص في 91% من 262 ناحية شملها المسح. وبحسب التقرير، فإنّ قانون الأحوال الشخصية بصورته الحالية غير قادر على مساعدة النساء لتثبيت زواجهن ونسب أطفالهن، وفقاً لـ 81% من المبحوثين.

يجمع محامون التقاهم معدا التحقيق أن قضايا تثبيت النسب والزواج والتي حسمت في فترة ما بين 3 و5 أشهر، هي القضايا التي تملك فيها المرأة موافقة من الزوج، أو كان الزوج قادراً على الوصول إلى المحكمة والاقرار بأبوته. يليها القضايا التي تملك فيها الزوجة ورقة زواج “عرفي” مسجل فيها بيانات الزوج كاملة وكذلك بيانات الشهود وإمكانية التواصل معهم، وكذلك القضايا التي يقتنع فيها القاضي بشهادة الشهود على واقعة الزواج، حتى ولم تكن تملك الزوجة ورقة زواج عرفي أو بيانات الزوج الكاملة (اسم الثلاثي، مكان وتاريخ ولادة الزوج، رقمه الوطني). بخلاف ذلك تخسر القضايا أو تستمر الإجراءات لمدة عامين للحصول على بت في القضية، حيث يصدر حكم نهائي برد الدعوى وعدم تسجيل الأطفال في غالب الحالات.

التجربتان التونسية والبوسنية كحل
يعطي قانون عام 1998 في تونس المتعلق بإسناد اللقب العائلي للأطفال مجهولي النسب، الحق للأم التونسية بإمكانية إثبات نسب طفلها المولود خارج أطر الزواج الرسمية، وبإمكان “الأم العزباء” رفع قضية تطالب فيها بإلحاق نسب ابنها بها، إذا تمكنت من إثبات الأمر بطرق عدة من بينها التحليل الجيني أو توفر الشهود، وهو ما يمّكن الطفل المولود خارج إطار الزواج من إثبات النسب والتمتع كذلك بكل حقوق الابن الشرعي.
إلا أن الحل التونسي لا يمكن تطبيقه في الحالة السورية، بسبب طبيعة قانون الأحوال الشخصية السوري والمستقى من الشريعة الاسلامية، والذي يتنافى مع الطرح القائم في تونس، بحسب القاضي معراوي.
أما في البوسنه، البلد الإسلامي الذي عاني حرباً أهلية طويلة مماثلة لحال سورية، وانتشر فيها تشتت العائلات والاغتصاب وغيره، فتم اعتماد قانون مأخوذ من القانون اليوغسلافي القديم، لا يضع قيوداً أو تدقيقاً إذا ما كان الأطفال قد وُلِدوا من زواج رسمي أم لا. ويسمح للأمهات العازبات بتسجيل أطفالهن باسم أب غير معروف، وأن يحصلن على كامل الحقوق، وهو ماكان حلاً لمشكلة تعرض البوسنيات خلال الحرب للاغتصاب الممنهج، وإجبارهن على الحمل دون أب.

عقد زواج نموذجي

يطالب محامون وناشطون التقاهم معدا التحقيق، بوجوب وضع عقد زواج نموذجي مكتوب يمكن أن يعتمد من القضاء لاحقاً. هذا الرأي مبني على اجتهادات قضاة قاموا بتثبيت الزواج للفتيات اللواتي يملكن عقد زواج مكتوب (خارج نطاق المحكمة)، على أن يحوي البينات الثبوتية الكاملة للزوجين وللشهود أيضاً، وتوقيع الزوجة، والأفضل بصمة يد الزوج، ما يضمن بشكل مبدأي حق الفتيات في تثبيت زواجهن بحال وفاة الزوج أو اختفاءه أو هجرته، إلى أن تعود المحاكم الشرعية إلى باقي المدن السورية.
ويرى المحامون الذين استطلعت آراؤهم أن قانون الأحوال الشخصية في سورية لا يساعد “الأمهات العازبات” على تثبيت زواجهن، خاصة في ظل اختفاء الأزواج وفقدان الأوراق الثبوتية. ويقترحون إيجاد سجل مدني مختص بالأطفال المولودين خلال سنوات الحرب، يتم فيه تسجيل الأطفال مع بيانات أمهاتهم، إلى حين التحقق من هوية الآباء عند توقف الحرب، وذلك من أجل حفظ حقوق هؤلاء الأطفال كي لا يكونوا من مكتومي القيد أو عديمي الجنسية، متخذين من معاملة القانون السوري للطفل اللقيط مثالاً على مثل هذه الخطوة.

وعلى أمل الوصول لحل ما لأطفال غير معترف بهم، تبقى قضايا الأمهات المعلقات “بين الطلاق أوالترمل” وأطفالهن بلا نسب. واليوم تنطق طفلة رانيا التي تجاوز عمرها عاماً ونصف أولى كلماتها، حيث استقرت والدتها على تسميتها “أمل”،رغم أنه سيبقى اسماً بلا هوية ولا أثر له في السجلات الرسمية. فرانيا قررت التوقف عن متابعة القضية لعدم قدرتها على تحمل المصاريف، أو التواصل مع أي شاهد ممن حضر واقعة زواجها، أو توفير مبلغ 400 دولار طلبها المحامي للترافع عن قضيتها.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة (أريج) إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net .


الصحفي



تعليقاتكم