الإثنين ٢٠ - أغسطس - ٢٠١٨ ١٢:٠٩ صباحاً

أجيال الموت: انتحاريات تحت ظلال قتلة غرباء

6 تموز 2011
ميلاد الجبوري

انتقلت الشابة العراقية أمل من وهم الارتباط المقدس إلى “مشروع انتحارية” بعد أن وعدها مجندوها بحياة سرمدية في الأبدية. أمل، التي لم تجتز صف الخامس الابتدائي لعوز أسرتها، أقامت علاقة عاطفية مع شاب ينتمي لتنظيم “القاعدة”، سرعان ما تخلى عنها بمجرد أن عرف أنها “حامل”.

لم تجد أمل حينها سوى اللجوء لإحدى قريبات الشاب “الخائن” لإقناعه بالزواج منها. لكن الأخيرة سلمتها لرجل دين متعاون مع التنظيم،أقنعها بأن السبيل الوحيد للتكفير عن ذنبها، تنفيذ عملية انتحارية “ضد المشركين”، تصون بها سمعتها وسمعة عائلتها وتنال بها الجنة.

تنتمي أمل للجيل الثالث من الانتحاريات، اللواتي وقعن ضحايا عناصر ينتمون للجماعات المسلحة، كما يقول مصدر أمني في ديالى. هفوة الفتاة انتهت بإقناعها بـ”تنفيذ عملية انتحارية للتكفير عن خطيئتها”.

لم تحصل أمل على “الجنة الموعودة” حتى الآن، فهي تنتظر حكماً قد يصل للسجن المؤبد، بعد فشلها أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي بتفجير حزامها الناسف على بعد خطوات من نقطة تفتيش عسكرية، وفق مسؤول أمني في ديالى.

شهلاء التي ارتبطت بعلاقة “حميمة” مع أحد عناصر “القاعدة”، قضت على يد والدها الذي سارع لدفنها في حديقة المنزل، بعد تيقنه من أنها كانت تنوي تنفيذ عملية انتحارية داخل حشد لمؤدي الطقوس الدينية بالمدينة.

يقول المسؤول الأمني إن والد شهلاء أبلغ المحققين بأن موت ابنته وتعرضه هو للسجن، أفضل بكثير من أن “يخسر عشرات الأبرياء حياتهم، ثمناً لقصة حب بين انتحارية ومسلح من القاعدة”.

رانيا العنبكي وأم المؤمنين، تقبعان منذ سنوات في السجن، نالتا شهرة واسعة بعد ظهور الأولى في شريط فيديو مربوطة إلى حاجز حديدي، ويلتف حولها حزام ناسف، يحاول خبراء التفجير تفكيكه، والثانية في شريط تلفزيوني تضمن اعترافاتها بأنها “مجندة انتحارية”.

إلى جانب رانيا و(أم المؤمنين) تقضي عشرات “الانتحاريات” في السجون، على خلفية مشاركتهن بتجنيد انتحاريات أو محاولة تنفيذ عمليات انتحارية. تسببت 21 منها بقتل 124 عراقياً وإصابة نحو 344 آخرين، كما يقول الفريق الركن عبد الكريم الربيعي الذي تولى منصب قائد عمليات ديالى بين ربيع عام 2007 وصيف 2009.

العملية الأشد فتكاً، نفذتها انتحارية وسط المتبضعين في سوق منطقة بلدروز مطلع أيار (مايو) عام 2008، وتسببت بمقتل 33 مدنياً وجرح نحو 60 آخرين.

رالانتقام/ العقيدة/ الجهل/ الفقر

خبراء علم اجتماع، رجال دين وقادة أمنيون ومنشقون عن “القاعدة” وسجانون، يحمّلون الجماعات المسلحة، و”القاعدة” بشكل خاص، مسؤولية الإيقاع بالنساء في شراك “الموت الناعم”، واستخدامهن كـ”قنابل موقوتة” في الصراع الطائفي الذي اجتاح العراق بين عامي 2006 و2008، لكن أيا من تلك الأطراف لا يغفل المتسبب الرئيس بانخراط عشرات النساء في ظاهرة الانتحاريات، وهي رباعية: الانتقام/ تفسير مغلوط للعقيدة/ الجهل/ الفقر، والتي سادت معظم القرى والمدن الصغيرة العراقية.

تتصدر الدوافع “رغبة في الانتقام” لمقتل أو اختطاف الزوج أو الأب أو الابن. تضّخم هذه الرغبة، عقائد متشددة انتشرت بشكل غير مسبوق مع دخول خلايا “القاعدة” للعراق بالتزامن مع الغزو الأمريكي في نيسان (ابريل) عام 2003.

ثنائية (العقيدة المتشددة) و(الانتقام)، كما يقول خبراء علم الاجتماع، وجدا بيئة حاضنة سريعة التفاعل معهما، وهي ثنائية (الفقر) و(الجهل) اللذان انتشرا في عموم البلاد، بتأثير الحصار الاقتصادي المفروض على العراق منذ غزو قوات رئيس النظام السابق لدولة الكويت عام 1990.

تشير الإحصائيات الرسمية الى أن قرابة 30 % من سكان ديالى يعيشون تحت خط الفقر. النسبة ذاتها من السكان، وفقا لهذه الاحصائيات، لا يعرفون القراءة والكتابة. وترفع الاحصائيات غير الرسمية النسب إلى 40 % كمعدل فقر ونحو 45 % كمعدل للأمية. النسبة الأعظم من هذه الأرقام، حصة المرأة في محافظة تبلغ نسبة النساء فيها أكثر من 55 % من عدد السكان البالغ 1.4 مليون مواطن.

تصف مسؤولة محلية سابقة، حالة الفقر التي استوطنت بمحافظة ديالى، إبان اتساع ظاهرة الانتحاريات بـ”المأساوية”. فالكثير من الفلاحين المسالمين فقدوا أسباب الرزق حين تحولت بساتينهم لـ”ساحات تدريب” لعناصر “القاعدة”، وجبهة معارك مشتعلة باستمرار، مزروعة بعبوات ناسفة ونقاط تفتيش وهمية.

تقول المسؤولة المحلية، التي ترفض الكشف عن هويتها لأسباب أمنية: “مشاهدة عشرات النساء المتشحات بالسواد، يحملن على عربات تقودها الحيوانات، حفنة خضار باتجاه السوق للحصول على ما يسد رمق العائلة، كان مألوفا جدا”. آنئذ لم يكن اجتياز النساء لنقاط التفتيش يبعث على الريبة، ما دفع أمراء “القاعدة” للاستفادة من ظاهرة “النساء المحرومات”، وتحويلها لظاهرة “نساء انتحاريات”.

اضطراب نفسي وروايات متعددة

تعترف “مشروع الانتحارية” رانيا العنبكي، بأنها أدلت بالكثير من المعلومات “الكاذبة” أمام المحققين طوال السنوات الثلاث عقب اعتقالها متلبسة بارتداء حزام ناسف. مثلها تماما، تراجعت (أم المؤمنين) عن اعترافات سابقة بتجنيد 28 فتاة، بعد أن قالت إنها نجحت بتجنيدهن لتنفيذ عمليات انتحارية في محافظة ديالى.

“الخداع”، تعدد الروايات ومحاولة إخفاء الحقائق، السمة الطاغية على أحاديث 16 “مشروع انتحارية” أو “مجندة انتحارية” او “متعاونة” حاورتهن كاتبة التحقيق في سجون وزارات الداخلية والعدل والعمل. لكن مطابقة المعلومات التي يوردنها مع سجلات القضاء وشهود النفي والإثبات، وبيانات الجماعات المسلحة وآراء الخبراء، يكشف الكثير من الملامح الحقيقية لواحد من أعقد ملفات العنف وأخطرها في العراق منذ عام 2003.

“انتحارية” بعقوبة

تنفي العنبكي التي تنحدر من عائلة معدمة، أن يكون دافع الانتقام لمقتل والدها وأخيها وراء ارتدائها حزاما ناسفا، والتوجه نحو إحدى نقاط التفتيش. رغم ذلك، لم تتوقف عن الإشارة إلى أن والدها وشقيقها قتلا على “يد مسلحين من طائفة أخرى” في منطقة (ابو صيدا).

المسؤولون الأمنيون وأوراق التحقيق، تنقض رواية رانيا. فوالدها نفذ عملية انتحارية في ناحية (ابو صيدا) عام 2006، قتل فيها 9 أشخاص وجرح آخرون. شقيقها أيضا نفذ عملية في إحدى مدن المحافظة. فيما اعترف زوجها محمد بانتمائه لـ”القاعدة” وسجن 20 عاما.

كانت رانيا التي ازداد وزنها وتحسنت هيئتها كثيرا عما ظهرت عليه في شريط الفيديو لحظة اعتقالها، تجابه كاتبة التحقيق بإجابة ثابتة كلما سألتها عن الكيفية التي اقتنعت فيها بارتداء الحزام الناسف: “لا اعرف”، “لا أتذكر”. ومع كل معلومة، اعترفت بها في التحقيق أو على شاشات التلفزيون وسألناها عنها، تردد “كنت أكذب”، “أكذب”، “كنت اكذب طوال الوقت”.

وتقدم رانيا قصة “غير محبوكة” لملابسات ارتدائها الحزام الناسف، تروي فيها كيف أن زوجها أوصلها لمنزل قريبتين له، وبقي في غرفة مجاورة أثناء تفخيخها “دون أن يعرف شيئا”. وهي أيضا لم تكن تعرف “أي شيء” لأن القريبتين “ربما” خدرتاها بـ”لفة فلافل” وعلبة عصير قبل أن يلبسنها الحزام الناسف.

يترافع عن رانيا الآن 4 محامين لتخفيف الحكم بحقها في 3 آب أغسطس عام 2009، والذي يقضي بسجنها 7 سنوات (ارتفع عند الاستئناف الى 15). أحد هؤلاء المحامين عينته المحكمة وفقا للقانون السائد، لكن الثلاثة الآخرين وكّلهم زوجها محمد، رغم انه الآن يقضّي حكما بالسجن 20 عاما بتهمة الإرهاب.

تضارب الأرقام

لا يتطابق الرقم الذي وثقه الفريق الربيعي لعدد العمليات الانتحارية (21 عملية) مع ما أحصته كاتبة التحقيق (60 عملية في 2008 فقط في عموم العراق) استنادا لإفادة مسؤولين أمنيين لوكالات أنباء أبرزها (رويترز)، (أصوات العراق) و(نينا).

ورغم أن الرقمين لا يتطابقان أيضا مع ما ذكرته بيانات “القاعدة” (77 عملية انتحارية منها 49 في ديالى وحدها) وتصريحات المتحدث باسم الجيش الأمريكي (27 عملية في عموم العراق خلال الأشهر التسعة الأولى عام 2008)، فإن الفريق الربيعي يرى أن ذلك “يبدو مفهوما في ظل حالة الهستيريا” التي خلّفها اتساع ظاهرة الانتحاريات واعتقاد المسؤولين الأمنين بأن أي تفجير انتحاري أو انفجار سيارة مفخخة، هو “تفجير انتحاري نفذته امرأة ترتدي حزاما ناسفا”.

توافق بين العقيدة والأيديولوجية

أول فصول قصة الانتحاريات بدأ دعائيا، حين عرض التلفزيون الرسمي العراقي مقاطع لامرأتين ملثمتين، يتوعدن القوات الأمريكية المتقدمة لبغداد بتنفيذ “عمليات استشهادية” لمنعها من التقدم. المواقع التابعة لحزب البعث المنحل، ذكرت أن الـ”استشهاديتين” نفذتا عملية مزدوجة يوم 4 نيسان 2003 وقتلتا جنودا أمريكيين دون الإشارة للمدينة التي جرت فيها العملية.

خارج بيانات البعث، لا دلائل تؤكد وقوع عملية من هذا النوع.

تشير أدبيات البعث، الحزب الحاكم في العراق بين 1968 و2003، إلى عملية أخرى نفذتها “استشهادية” عراقية ضد القوات الأمريكية في مدينة الصويرة جنوب بغداد. لكن مسؤولا أمنيا بارزا في المدينة، كشف لكاتبة التحقيق أن الأشلاء التي عثر عليها في موقع العملية “كانت لرجل انتحاري، فجر نفسه داخل سيارة مفخخة”، لافتا إلى أن قصة “الانتحارية” استخدمها البعث “للدعاية فقط”.

الأمر ذاته (الدعاية)، انطبق على عملية بلدة تلعفر القريبة من الحدود السورية، وقتل فيها 5 عراقيين وجرح 56، ونسبها زعيم “القاعدة” أبو مصعب الزرقاوي (*) قبل قتله، لامرأة “استشهادية”، تبين فيما بعد أنها كانت من تنفيذ شاب في العشرينيات، تخفّى بزي امرأة، حسب مسؤول في شرطة مدينة تلعفر.

باستبعاد الخبطات (الدعائية)، تشير دلائل وثّقها مسؤول بارز في مديرية مكافحة الإرهاب بمحافظة الأنبار، إلى أن أول عملية تفجير “حقيقية” نفذتها انتحارية، كانت في آذار/ مارس 2004. يومها فجرت “انتحارية” نفسها بين القوات الأمريكية في مدينة حديثة، على أطراف الأنبار – معقل “القاعدة” وتنظيمات إسلامية متطرفة. ولم يعرف ما أسفرت عنه من ضحايا.

بعدها، لم تسجل أي عملية انتحارية بتوقيع امرأة في الأنبار حتى عام 2010، حين فجرت انتحارية نفسها في المجمع الحكومي وسط الرمادي – مركز المحافظة – فقتلت وجرحت 31 شخصا.

تبني إستراتيجية الانتحاريات

تخلو المساحة الزمنية بين عملية الأنبار الأولى (مارس 2004) وعملية تلعفر المزعومة (سبتمبر 2005) من أي عمليات انتحارية على يد نساء، كما يقول الخبير في الجماعات المسلحة فائق الجنابي، الذي يؤشر إلى أن هذه المرحلة كانت مرحلة “قتال ضار” خاضته شتى الجماعات المسلحة مع بعضها أو بينها وبين القوات العراقية والأمريكية. لم يكن للمرأة دور فيها إلا كمتطوعات بنقل الأسلحة أو الرسائل أو إيواء المسلحين.

“التحول الخطر” كما يسميّه الجنابي، بدأ حين روّج الزرقاوي في الربع الأخير من عام 2005 لفكرة “المرأة الاستشهادية” مقابل “الرجل المتخاذل” عن الالتحاق بالقتال في العراق، بعد أن تجنب منظرو “القاعدة” هذه القضية ” الشائكة” دينيا واجتماعيا لسنوات.

يعتقد الجنابي أن معظم الباحثين لم يتمكنوا آنذاك من الربط بين استخدام الزرقاوي لورقة “الاستشهاديات” لجذب مزيد من المقاتلين الأجانب، ومرحلة العنف الطائفي التي بدأت بعد 5 أشهر على تفجيرات مراقد مقدسة بمدينة سامراء في شباط/ فبراير 2006. (*)

استيراد وتصدير الانتحاريات

لاقت رسالة الزرقاوي استجابة غير متوقعة، كما يرى الخبير بالجماعات المسلحة. فقد ازدادت نسبة المتطوعين العرب والأجانب الذين دخلوا عبر الحدود للالتحاق بالقتال مع الزرقاوي، فدخلت ظاهرة “الانتحاريات” مرحلة خطرة تميّزت بزوال الحدود الجغرافية أمام حركتهن.

أول انتحارية وصلت للعراق قادمة من أوروبا، كانت البلجيكية موريل ديغوك (*)، وعدّت جزءا مهما من حلقة تجنيد واسعة نفذتها الجماعات المتشددة في أوروبا لدعم “القاعدة” في العراق، كما يقول المتحدث باسم وزارة الدفاع محمد العسكري، الذي يستشهد بالقبض على مجموعات متشددة في هولندا، دربت “نساء انتحاريات” من بلجيكا وفرنسا لإرسالهن إلى العراق.

الشقراء ديغوك (أو مريم كما أطلقت على نفسها بعد إشهار إسلامها) فجرت حزامها الناسف بدورية أمريكية في مدينة بعقوبة بتاريخ 9 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2005، ليتزامن ذلك مع الخطوة الأكثر جرأة لـ”القاعدة”، وهي تصدير الانتحاريات العراقيات للخارج.

تلك الاستراتيجية، تمثّلت بتفجيرات نفذت في 9 نوفمبر 2005 (توقيت عملية ديغوك)،وراح ضحيتها 60 قتيلا. الانتحارية العراقية ساجدة الريشاوي التي فشلت بتفجير حزامها الناسف، ظهرت على التلفزيون الرسمي الأردني، وهي تدلي باعترافاتها حول عملية كانت تحاول تنفيذها بصحبة زوجها، واثنين من رفاقه، فجروا أحزمة ناسفة في الفنادق الثلاثة المستهدفة.

قبل تلك العملية، كان 3 من أخوة الريشاوي، التي أعدمت في عمان العام 2014، قد نفذوا عمليات انتحارية في العراق، ومنهم شقيقها ثامر الساعد الأيمن للزرقاوي، بحسب مصدر أمني عراقي آنذاك.

أجيال الانتحاريات

اذا كانت ملامح الجيل الأول من الانتحاريات ضاعت في البيانات “الدعائية” لـ”القاعدة” بعد 2003. فالجيل الثاني من الانتحاريات كان أكثر وضوحا، ونفذ هجمات عنيفة طالت معظمها مراكز أمنية وتجمعات مدنية، وأثارت الرعب في مدن العراق.

يروي لنا الشيخ صالح، اربعيني حارب ضد “القاعدة” الىجانب قوات الصحوة لسنوات، كيف ظهر “الجيل الثاني” من الانتحاريات.

يتذكر أن هذا الجيل كان في بدايته “عقائديا”، تشرّب فكر “القاعدة” إلى حد أن الكثير من الانتحاريات المنتميات له، أخذن بفكرة الارتباط بـ”المجاهدين الأبطال” ممن تركوا أوطانهم ليلتحقوا بالجهاد فوق  ارض العراق.

الكثير من العراقيين الذين انضموا لـ”القاعدة”، كما يقول الشيخ صالح، وهبوا بناتهم الصغيرات أو شقيقاتهم لأمراء التنظيم، القادمين من البلاد العربية أو أفغانستان أو باكستان أو دول أخرى.

من هؤلاء، كان شقيق زوجة الزرقاوي الذي عرض على الأخير الزواج بشقيقته،ليستقر في المدينة ويتفرغ لـ”محاربة الكفار”، كما يقول الشيخ صالح.

الصفة الأبرز لهذا الجيل، ان الانتحاريات كن غالبا “زوجات لأمراء القاعدة”، كما يضيف الشيخ صالح الذي أشار إلى أن عددا ليس قليلا من زوجات أمراء “القاعدة”نفذن عمليات انتحارية بعد مقتل أزواجهن، أو قتلن مع أزواجهن، مثل زوجة الزرقاوي التي قتلت معه في غارة جوية أمريكية في حزيران/ يونيو 2006.

الدولارات والأحزمة الناسفة

أعقب ذلك جيل ثالث، تميز كما يقول الشيخ صالح، بأنه أوسع انتشارا من الجيلين السابقين. وتزامن صعود نجم هذا الجيل مع ارتفاع حدة الصراع الطائفي. غالبية الانتحاريات اللواتي انتمين له كن “قاصرات” ينحدرن من عائلات ذات مستوى معيشي وثقافي متدن جدا، ومنهن رانيا العنبكي.

ارتبط ظهور هذا الجيل بالحاجة للحماية، أو الرغبة بالحصول على المال. ويروي الشيخ صالح، كيف أن عوائل في ديالى كانت تسارع لتزويج بناتها من “أمراء” القاعدة حالما يصلون القرى وهم يحملون “الدولارات والأحزمة الناسفة معا”.

كتائب الانتحاريات

شهدت قصة الانتحاريات في العراق تحولات شتى خلال فترة العنف الطائفي، ففي أواسط 2007 كاتسعت الظاهرة لتتحول من التجنيد الفردي إلى التنظيم الجماعي. حينها أعلن التنظيم عن تشكيل أول “كتيبة استشهادية” في العراق؛ الخنساء، وتكونت من 26 انتحارية اغلبهن من أقارب عناصر “القاعدة”، حسب ضابط رفيع بمديرية التحقيقات.

كتيبة أخرى للانتحاريات تشكلت منتصف 2008 على يد زوجة زعيم “القاعدة” شمال العراق تدعى أم سلمة. انتشرت هذه الكتيبة في عدة مدن عراقية ونشرت بيانات تتوعد فيها بـ”انتقام تصبه عشرات من نساء الفلوجة وبغداد وديالى وثكالى وأرامل الموصل”. ولم يعرف حتى الآن مصير أم سلمة. لكن يبدو أن كتيبتها “نفذت بالفعل عمليات في ديالى وبغداد”، كما يعتقد ضابط التحقيقات.

معسكرات تدريب “الانتحاريات”

يعتقد مسؤول محلي بمنطقة جلولاء التي تعرضت لعمليات انتحارية بين عامي 2006 و2008، أن الانتحاريات تلقين تدريبا على الأحزمة الناسفة في مناطق بعيدة عن سيطرة القوات العراقية. ويشير إلى أن المعلومات الاستخبارية التي اطلع عليها بحكم منصبه، تثبت ان أكثر من 25 منهن تدربن حتى صيف 2008 على تفجير الاحزمة الناسفة في مغارات تلال حمرين الواقعة شرقي ديالى.

لكن قائد عمليات ديالى، يقلل من أهمية التدريب الاستباقي، ويرى أن استعمال الحزام الناسف لا يتطلب تدريبا حقيقيا. فغالبا “تتزنّر المرأة أو يزنّرها أحد أفراد عائلتها بحزام ناسف، ويعلمّها طريقة الضغط على زر التفجير فقط”. يلاحظ قائد العمليات هنا أن عملية “الضغط على زر التفجير” لم تكن تقلق “القاعدة”، فأغلب العمليات تمت بطريقة التفجير بالريموت كونترول الذي يحمله الشخص المكلف بمتابعة ومراقبة الانتحارية.

الباحث الاجتماعي فارس العبيدي، لا يذهب بعيدا عن فكرة الفريق الربيعي. إذ يرى أن لدى غالبية الفتيات اللواتي انخرطن في ظاهرة الانتحاريات “خبرات قتالية اكتسبنها من العائلة نفسها”، ويدعم رأيه بأن اغلب من التقاهن من “نساء القاعدة” ابلغنه أنهن كن يستمعن على مائدة العشاء من أخوتهن وآبائهن المنتمين للتنظيم، إلى “تفاصيل المعارك التي يخوضها الرجال، وكيف ينقلون العبوات الناسفة ويوقتونها”، وأحيانا “يصنعونها يدويا بالمنزل”.

استراتيجية التجنيد

يعتقد المنشق عن “القاعدة” ابو أسامة العراقي، أن التنظيم استخدم سطوته على أتباعه العراقيين الأكثر فقرا والأقل ثقافة، وبهذه الطريقة نجح بتشجيع هؤلاء على إقناع نساء العائلة بتنفيذ هجمات انتحارية.

أبو اسامة يكشف أن عملية التجنيد كانت تتم ببث الأفكار المتشددة في عقول النساء المستهدفات، وحرمانهن من كل وسائل الاتصال التي قد تتيح لهن معرفة ما يجري خارج حدود القرية. في تلك الأثناء، يضيف أبو اسامة، “لم يكن مسموحا لمعظم سكان القرى بالاحتفاظ بتلفزيون أو انترنت، باعتباره من المحرمات”.

المرحلة الأخيرة من عملية التجنيد، كانت “تتطلب تكرار الآيات القرآنية والأحاديث التي تشجع على الجهاد، وترديد قصص الصحابيات المقاتلات، والنساء اللواتي رفعن رؤوس عائلاتهن حين نفذن عمليات انتحارية ضد الكفار” في مدن عديدة في العراق.

العراقي يشير الى ان عبور المرأة المتزنرة بحزام ناسف بسهولة من نقاط التفتيش، أغرى “القاعدة” لتفريغ عدد من أمرائه لتولي مهمة التجنيد في بداية الأمر، قبل توزيع هذه المهام على نساء متخصصات بالتجنيد.

أبرز هؤلاء الأمراء، كانوا من المقاتلين العرب الذين جلبهم النظام السابق للعراق، عشية دخول القوات الأمريكية للبلاد عام 2003، ومنهم أبو ليلى السوري وأبو عبد الله السعودي وأبو معتز الليبي. اختفى هؤلاء بعد سقوط النظام السابق مباشرة، لكنهم عادوا مجددا للواجهة بعد إعلان التنظيم عن ولادة دولة العراق الإسلامية في 2006.

كان السعودي، كما يقول مسؤول أمني بارز في ديالى “أكثر شخصية عرفت بتجنيد الانتحاريات. لكن من غير المعروف حتى الآن مصيره، ومن المرجح انه غادر العراق في وقت بين عامي 2008 و2009 حين بدأ التنظيم بالانهيار جراء العمليات العسكرية ضده”. أما الآخرون، كما يقول المسؤول الأمني، “فقتلوا بعد نجاحهم بتجنيد عشرات الانتحاريات”.

نشط المجندون العرب في بداية الأمر في مناطق المقدادية ودلي عباس وبعقوبة وبهرز وجلولاء وقرة تبة. غالبية الفتيات الصغيرات اللواتي كما يقول مدير شرطة ديالى السابق، خضعن للتجنيد في هذه المناطق، اجبرن على الزواج مبكرا من عناصر التنظيم قبل تحولهن لـ”انتحاريات” سواء بالإقناع أو التهديد بقتل الأب أو أفراد العائلة.

لم يقتصر الامر على التجنيد المباشر للنساء، كان هناك أيضا طريقة تعتمد على تجنيد الفتيات المتخلفات عقليا كما حصل في التفجير المزدوج الذي وقع في سوق لبيع الطيور ببغداد الجديدة. إذ تبين أن الانتحاريتين كانتا “متخلفتين عقليا” فخختا وفجرتا عن بعد.

العملية تبعتها تحقيقات، قادت لاعتقال مدير مستشفى الرشاد للأمراض العقلية، بحسب الناطق باسم عمليات بغداد قاسم عطا، الذي قال حينها إن الاعتقال جرى وفقا لمعلومات عن تعاون عطا مع التنظيم. فيما بعد اتضح أن نزيلات بالمستشفى اختفين فعلا دون أن يبلغ عنهن احد.

مجندات الانتحاريات.. نساء نافذات

انتقلت راية التجنيد من “الأمراء العرب” لنساء عراقيات نافذات، وهن غالبا، كما يقول أبو اسامة العراقي، نساء كبيرات أو متوسطات في العمر، عرف عن بعضهن ارتباطهن بجرائم قتل أو اتجار بالنساء، قبل ارتباطهن بالجماعات المسلحة.

هذا التناقض في التوجهات تشرحه مسؤولة أمنية بمحافظة ديالى، تخصصت بمتابعة ملف عنف النساء هناك. تقول إن “المال الذي كان يأتي من عمليات النخاسة (الدعارة) أو التجارة غير المشروعة، تحول إلى مال إسلامي، يدفعه أمراء القاعدة لتجنيد الانتحاريات داخل المناطق الفقيرة”.

يقول قائد عمليات ديالى إن تجنيد النساء آنذلك تحول الى ما يشبه “السمسرة”. كانت المرأة التي تجند غالبا، تتقاسم عوائد “السمسرة” مع عائلة الانتحارية.

لكن هذا لا يلغي، كما ترى المسؤولة الأمنية، حقيقة أن مجندات انتحاريات، كن فعلا مؤمنات بالعمليات المسلحة، أو مدفوعات بالثأر لمقتل الابن أو الزوج.

المرأة الخمسينية التي عرفت في منطقة الكاطون (بعقوبة) باسم “أم الشهداء”، كفرت “الأشخاص الذين لا ينتمون للقاعدة، لمحاربة الكفار”، وتعهدت علنا بارتداء حزام ناسف وتفجير نفسها تجمع مدنية “كافر”، بعد أن تتأكد تماما بأن أبناءها الخمسة نفذوا كلهم عمليات انتحارية ضد “المشركين”.

لا أحد يعلم ان كانت هذه المرأة نفذت عمليتها الانتحارية فعلا أم تراجعت، لأنها اختفت منذ ذلك الوقت، كما يقول أهالي الكاطون الذين يتحدثون أيضا عن إمرأة اخرى من المنطقة، هجرت زوجها العراقي وتزوجت أميرا من “القاعدة” وافدا من سورية، ثم فجرت نفسها بسوق المدينة، بعد نجاحها بتجنيد انتحاريات صغيرات.

أم المؤمنين

لم تنجح كل محاولات كاتبة التحقيق بإيقاف أشهر مجندة انتحاريات في العراق عن البكاء، حين شرعت برواية قصتها “الجديدة” عن اتهامها بتجنيد 28 انتحارية، نفذن عمليات انتحارية في أسواق شعبية ونقاط تفتيش وتجمعات مدنية.

(أم المؤمنين) التي تراجعت عن اعترافات متلفزة سابقة، قالت إن تهمة “تجنيد الانتحاريات” كانت “كذبة” أطلقها أناس “حاقدون حاولوا ابتزازها لشراء منزل العائلة بثمن بخس”،  وهي لا تتذكر من هم هؤلاء الناس. رغم ذلك، تتذكر أمام كاتبة التحقيق، أسماء الفتيات اللواتي قالت إنها جندتهن لتنفيذ عمليات انتحارية.

سر تذكر ها لهذه الأسماء كما تقول، إنهن ما زلن على قيد الحياة، وسيحضرن للمحكمة لتبرئتها من تهمة التجنيد التي اضطرت للاعتراف بها تحت وطأة التعذيب.

كانت أم المؤمنين ذات الـ50 عاما هادئة تماما، وهي تسمي 8 “انتحاريات وهميات”، طلبت حضورهن للمحكمة. وبدت واثقة من أن حضور “الانتحاريات الوهميات الثمانية” للمحكمة سيحول محكوميتها من “المؤبد” لـ”الافراج” حتما.

لا يشاطر مسؤول امني بارز بمحافظة ديالى (أم المؤمنين) تفاؤلها، فالاسماء التي ذكرتها في جولات التحقيق الأولي، فعلا هي لنساء نفذن عمليات انتحارية. يفسر المسؤول الامني ثقتها بالحصول على البراءة بأنها قد تكون تلاعبت بمضمون الاعترافات في كل جولة تحقيق. وهو ما تفعله اغلب المنتميات للتنظيم ممن تدربن على هذا النوع من الاعترافات “المتناقضة” دون ان ينجحن بتضليل القضاء.

بنات العراق

تعتقد مسؤولة بتنظيم “بنات العراق” الذي تأسس أواخر 2007 للحد أن “مجندات الانتحاريات” استطعن التعويض عن غياب “المجندين العرب” منذ مطلع 2009، لكنهن لم يتمكن من الاستمرار بتحشيد مزيد من “الانتحاريات” لانخفاض نسبة المشاحنات الطائفية في ذلك العام مقارنة بالأعوام 2006 – 2008.

تقول المسؤولة التي رفضت الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، إن الجيش الأمريكي شكّل حركة مضادة بدعم الجيش العراقي تحت عنوان “بنات العراق”، ونجح هذا التنظيم في معادلة الكفة مع “مجندات الانتحاريات”. ففي حين كانت “المجندات” يخترقن المنازل بشتى الوسائل، لاقناع الفتيات اللواتي قتل أقاربهن بتنفيذ عمليات انتحارية، تؤدي “بنات العراق” عملا مضادا يتلخص بتشخيص حالات التجنيد والمساهمة بإفشال العمليات الانتحارية قبل وقوعها.

وتشير المسؤولة في هذا السياق الى ان تنظيمها “بنات العراق”، شخص شبكات انتحارية، وأعربت عن التفاؤل بأن انتهاء سنوات العنف الطائفي، ساهم بتجريد “مجندات الانتحاريات” من وسائل إقناع الفتيات بالانخراط مجددا في صفوفهن.

يؤيد الباحث العبيدي الفكرة التي طرحتها المسؤولة في بنات العراق، فهو الآخر، يرى أن انتهاء الصراع الطائفي قطع الطريق امام “القاعدة” وقلص من قدراته في استخدام الملف الطائفي، للاستمرار بتجنيد الانتحاريات.

لكن العبيدي يحذر ايضا من أن النساء اللواتي تركهن رجال “القاعدة” خلف ظهورهم، قد يتحولن لـ”قنابل موقوتة” اذا لم تبادر الدولة لتطبيق برامج تأهيل حقيقية وفاعلة. ويدعو لاستخدام البعد الديني المعتدل والتقاليد العشائرية السائدة في اغلب مدن العراق، لتحصين النساء من الافكار التي قد تقودهن للانخراط مجددا في حال عاد شبح الصراع الطائفي الى العراق.

العبيدي يشير في هذا السياق، الى ما قامت به بعض عشائر العراق، حين وفرت ملاذا للانتحاريات “التائبات” ودمجهن مجددا بالمجتمع، دون تبليغ السلطات عنهن، خوفا على سمعة تلك العشائر.

ضابط رفيع بمديرية التحقيقات بمحافظة صلاح الدين، يصف احتواء انتحاريات تائبات “كتيبة الخنساء الانتحارية”، بأنها كانت الأكثر نجاحا لمواجهة ظاهرة الانتحاريات. التقاليد العشائرية المحافظة وجهود رجال الدين المعتدلين بالمحافظة، نجحت باقناعهن بـ”التوبة”. واقتصرت ظاهرة الانتحاريات في صلاح الدين على العملية اليتيمة التي نفذتها الانتحارية سهيلة في تشرين الاول (اكتوبر) 2008.

في 17 تشرين الثاني نوفمبر 2008، أعلن الجيش الامريكي أن 18 انتحارية ينتمين لـ”القاعدة”، سلمن أنفسهن للسلطات بعد نجاح رجال دين محليين وأقرباء للنساء، بإقناعهن بالتخلي عن فكرة التفجيرات الانتحارية.

لم يكشف البيان حينها المدينة التي جرى فيها التسليم. لكنه قال ان تعهدا وقع للمصالحة مع عشائرهن.ويعتقد قائد أمني بارز في محافظة ديالى بأن ظاهرة الانتحاريات ربما تكون انحسرت العامين الماضيين، لكن من المؤكد أنها ستعود حالما تسوء العلاقة بين مكونات المجمتع العراقي، بسبب الصراعات السياسية القائمة الآن.

يقول القائد الأمني إن المعلومات الاستخبارية تشير الى بقاء عشرات الانتحاريات خارج دائرة الضوء، او لم تسنح لهن فرص تنفيذ عمليات في الفترة السابقة. ربما تكون هذه النسوة “خلايا نائمة” قد تستيقظ مجددا لو لم تعمل الحكومة على تحسين الواقع الاقتصادي والتعليمي للبلاد بأسرع وقت ممكن.

باحثة في سجن النساء قالت، إن “مشاريع الانتحاريات” له جانب إنساني، ضاع وسط الفوضى ولم يعد يتذكره أحد، فكل انتحارية “كانت زوجة أو أم أو حبيبة، قادها الصراع الطائفي والجوع والفقر والجهل الى ما وراء القضبان”. تورد الباحثة الاجتماعية الأحلام الوردية التي سمعتها تتردد بين الانتحاريات على الدوام، وهي في مجملها تتعلق بآمال الخروج من السجن، والعودة للحياة للارتباط بحبيب والاستقرار في بيوت بسيطة مليئة بالأطفال.

العنبكي نفسها، روت حلما ورديا مشابها، فهي تعتقد بأن المحكمة ستلغي حكم المؤبد الذي صدر بحقها وتطلق سراحها، لتلتقي مجددا زوجها محمد السجين 20 عاما، بعد ان يثبت للمحكمة انه بريء.

وسواء تحقق حلم العنبكي ام لا، تشير الاحصائيات لانخفاض كبير في عدد العمليات الانتحارية التي تنفذها نساء، وهو ما يعزوه الباحث العبيدي للتحسن العام في الملف الأمني، والانتعاش النسبي في سوق العمل في اغلب المناطق التي شهدت اتساع ظاهرة الانتحاريات.

آخر الارقام تشير الى أن عدد التفجيرات التي تنفذها النساء تراجعت من 60 عملية انتحارية عام 2008، الى 5 عمليات في 2010، أغلبها لا يمكن الجزم انها من تنفيذ انتحاريات.

حتى نهاية النصف الأول من عام 2011، لم توثق سجلات القوات الأمنية أي حالة مؤكدة لعملية نفذتها “انتحارية”.

أنجز التحقيق بإشراف الزميل محمد الربيعي، وبالتعاون مع شبكة اعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية “أريج”.

الإطارات الملحقة بالتحقيق ابو مصعب الزرقاوي

اسمه الحقيقي هو أحمد فضيل نزال الخلايلة (1966- 2006) ولد في مدينة الزرقاء الأردنية (25 كيلو مترا شمال شرقي عمان). سافر إلى أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي لمقاتلة قوات الاتحاد السوفيتي هناك. قضى في السجن 7 سنوات حين عاد للأردن ثم خرج بعفو ملكي عام 1999. سافر إلى أفغانستان مجددا، ومنها انتقل للعراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

أسس الزرقاوي في العراق تنظيم “التوحيد والجهاد”، ونصبه زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن زعيما للتنظيم في العراق. وأعلن الزرقاوي وتنظيمه مسؤوليته عن غالبية التفجيرات الانتحارية التي شهدها العراق بعد عام 2003، وبث التنظيم مقاطع فيديو لعمليات ذبح رهائن نفذها. خطط لأعنف تفجير شهدته بلاده، حين أوفد 3 عراقيين وعراقية واحدة لتنفيذ تفجير ثلاثي أودى بحياة 60 شخصا في 3 فنادق عمانية خريف 2005.

قتل الزرقاوي في حزيران/ يونيو 2006 بغارة جوية أمريكية استهدفت مقره في قرية (عرب شوكة) قرب ناحية هبهب (18 كم شمال غرب بعقوبة مركز محافظة ديالى)، وهي المعقل الرئيس لـ”القاعدة” في العراق.

(إطار) تفجيرات سامراء

كانت عملية تفجير المراقد المقدسة بمدينة سامراء (125 كم شمالي العاصمة بغداد)، والتي نفذها التنظيم في 22 شباط/ فبراير 2006، بداية لـ”فتنة طائفية”، شملت معظم مناطق العراق وراح ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين السنة والشيعة. تخلّلتها عمليات تهجير طائفية واسعة، لم تتمكن الحكومة العراقية من السيطرة عليها حتى نهاية العام 2008.

سميت الفترة بين عامي 2006 و2008 بـ”الحرب الطائفية” و “الحرب الأهلية” و”العنف الطائفي”، لكن العراقيين ما يزالون يلخصونها بعبارة “أيام الطائفية”.

(إطار) موريل ديجوك Muriel Degauque،

انتحارية بلجيكية (1967 – 2005) تحولت من الكاثوليكية للاسلام في الثلاثينيات من عمرها. ارتدت النقاب بعد زواجها من عصام غوريس، والده بلجيكي وامه مغربية، معروف للشرطة البلجيكية بلحيته الطويلة بصفته أصولي إسلامي متشدد.

عبرت ديغوك وزوجها الحدود العراقية السورية، ونفذت عملية انتحارية استهدفت القوات الامريكية في 9 تشرين الاول/ نوفمبر 2005، اسفرت عن مصرعها واصابة جندي امريكي.

(إطار) ساجدة الريشاوي

انتحارية عراقية شاركت بتنفيذ التفجيرات الثلاثة التي استهدفت ثلاثة فنادق كبرى بعمان، واسفرت عن مقتل 60 شخصا.

نجت الريشاوي من الموت بعد فشلها بتفجير حزامها الناسف داخل احد الفنادق المستهدفة، وقتل زوجها الذي فجر حزاما ناسفا كان يرتديه في العملية. تلقت الريشاوي حكما بالاعدام في شباط/ فبراير 2007 وتفذ عام  2014.

(إطار) حياة وداد “العقائدية”

تلخص قصة الانتحارية وداد (17 عاما)، وهي قريبة الانتحارية رانية العنبكي وشريكتها في الزنزانة، رباعية (الانتقام/ العقيدة/ الجهل/ الفقر) بشكل مثالي.

فوداد التي زوجّها أهلها حين كانت في الـ13 لـ”أمير” من “القاعدة” يحمل الجنسية السعودية، وتخرج في جامعة دينية هناك، تنحدر من عائلة متشددة. انتمت مبكرا للتنظيم، واعتنقت العقائد التكفيرية بتأثير من زوجها وأخوتها الذين نفذ 3 منهم عمليات انتحارية، طالت مراكز أمنية وتجمعات مدنية، تسببت بمقتل وجرح العشرات من “الكفار”.

والدة وداد (ن. ك) تولت لفترة ليست بالقصيرة مهمة تجنيد الانتحاريات في مناطق ديالى، قبل ان تصدر بحقها أوامر القاء قبض وتهرب الى جهة مجهولة، بحسب سجلات دوائر الاستخبارات في محافظة ديالى.

سجلات المحققين تكشف وجها آخر لقصة وداد. فهي أم لطفلتين هما (ن) و (ف)، تعيشان معها الآن في السجن. واعترفت خلال جلسات التحقيق الاولى كما يقول مدير سجن النساء، بأنها وافقت على الزواج بالأمير السعودي مقابل مهر قوامه “مباركة الزوج لتنفيذ عملية انتحارية”، وبأن العملية الموعودة ألغيت من الزوج بسبب حملها المبكر بطفلتها الأولى، وحملها بالثانية التي ولدت فيما بعد داخل السجن.

(إطار) عملية صلاح الدين “اليتيمة” 

يصف الجندي محمود فارس، أحد الناجين من تفجير نفذته الانتحارية سهيلة (21 عاما) في محافظة صلاح الدين، لحظات الرعب التي عاشها هو ورفاقه صبيحة الـ18 من تشرين الاول/ اكتوبر عام 2008.

يتذكر كيف اقتربت من نقطة التفتيش التي كان يرابط فيها، إمراة منقبة طويلة القامة، تحمل بين يديها كيسا بلاستيكيا. المرأة التي كانت تسير بتثاقل سألت الجنود عن الطريق المؤدي لمستشفى المدينة، لكنها لم توقف خطواتها باتجاه النقطة، رغم تكرار الجنود بان المستشفى تقع في الاتجاه المعاكس.

لحظتئذ، يقول فارس “لمحت أحد الاسلاك يتدلى من جانب النقاب عند منطقة الرقبة، فايقنت انها مفخخة وصرخت عاليا (انتحارية)، وانسحبت مع رفاقي بسرعة الى ما وراء الحواجز الكونكريتية، وبدأنا باطلاق النار باتجاهها، فسقطت على الارض ثم انفجرت على الفور”.

التحقيقات كشفت فيما بعد ان سهيلة، تنحدر من اسرة انتمى اغلب افرادها لـ”القاعدة” مبكرا. المصدر المسؤول في قيادة عمليات صلاح الدين الذي ابلغنا بهذه المعلومات، قال إن العوز وظروف العزلة التي عانتها الانتحارية، ربما هي التي دفعتها لتنفيذ العملية. فبعد ان اعتقل اخوتها وقتل زوجها واحد اخوتها على يد جماعات مسلحة مناوئة للقاعدة، اضطرت سهيلة للعمل على صناعة “تنانير الطين” لاعالة اطفالها الخمسة وابناء اخوتها الذين قتلوا او سجنوا او التحقوا بالقتال مع “القاعدة”.

والدها يتذكر ان ابنته عانت كثيرا بسبب ابتعاد الناس عن شراء “تنانير الطين” منها، لارتباط العائلة بـ”القاعدة”، و “كنا نعيش بحالة فقر مدقع طوال الاشهر التي سبقت تنفيذ العملية، لم يكن لدينا أي فلس لنعيش به”، ويصف أهل مدينته بـ”القساة” لأنهم سدوا امامها منافذ الحياة واجبروها على تنفيذ العملية الانتحارية.

(إطار) ديالى، ملاذ القاعدة الآمن

وقع اختيار “القاعدة” على محافظة ديالى التي تمتد من الشريط الحدودي المحاذي لايران شرقا حتى تخوم العاصمة بغداد غربا، لتكون ملاذه الآمن بعد انسحابه من محافظة الأنبار نتيجة للضربات العشائرية والعسكرية التي تلقاها التنظيم هناك. نزعة العنف والعقائد المتشددة والفقر والجهل، كلها كانت حاضرة في المشهد حين وصلت مجاميع “القاعدة” الى ديالى بشكل مكثف عام 2006، كما يقول الفريق الركن عبد الكريم الربيعي الذي تولى منصب قائد عمليات ديالى في ذروة العنف الطائفي.

(إطار) بنات العراق

تنظيم نسائي تأسس نهاية العام 2007 بدعم وتمويل من الجيش الأمريكي. أحبط هجمات حاولت تنفيذها “انتحاريات”. ولا تكشف بنات العراق هوياتهن غالبا، رغم انهن ينتشرن في نقاط التفتيش، وهن يرتدين النقاب اثناء اداء عملهن بتفتيش النساء، بدلا من الرجال الذين لا يستطيعون تفتيش اجساد النساء جراء الاعراف العشائرية.

(إطار) مجالس الصحوة

تأسست مجالس الصحوة لأول مرة في محافظة الانبار غربي العراق عام 2006 لمواجهة سيطرة “القاعدة” على مناطق متعددة من المحافظة، ثم انتقلت التجربة لمحافظات أخرى مثل صلاح الدين وديالى ونينوى ومناطق ببغداد. قاتلت قوات الصحوة التي يقودها في الغالب شيوخ العشائر الى جانب القوات العراقية، وتمكنا معا من طرد عناصر “القاعدة” من مناطق الانبار أولا ثم من معظم مدن العراق.


الصحفي



تعليقاتكم