الأربعاء ١٥ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:١٩ مساءً

(أبراج الرعب) ......انتشار عشوائي لأبراج الاتصالات في تونس

25 أكتوبر 2016
نرجس بديرة

تونس – نرجس بديرة
تاب: أصبح حبيب منبوذاً من سكان حيه، منذ أن أجّر سطح منزله لشركة اتصالات ركّزت فوقه برج هاتف خلوي. تم ذلك بالرغم من اعتراض جيرانه الذين لم يتركوا جهة رسمية معنية بهذا الموضوع إلا وتظلموا لديها بهدف إزالة البرج، خشية تأثيراته السلبية للإشعاعات الصادرة عنه.
يتوسط منزل حبيب الحي السكني الذي تتلاصق بها الأبنية بمنطقة برج الوزير (الضاحية الشمالية للعاصمة). ويفصله أقل من مائة متر عن حضانتيْن للأطفال ومدرسة ابتدائية تضم حوالي 400 تلميذ، وأخرى لتعليم فاقدي السمع والنطق.
هذه جميعها من بين رزمة المنشآت التي يوصي المنشور التونسي (الصادر في 23 اكتوبر 2008) شركات الاتصالات بتجنب اقتراب إشعاعات أبراج الهواتف الخلوية منها 100 متر على الأقل لحماية أعداد كبيرة من الأطفال ممن لم يكتمل النمو لديهم وكذلك الحال بالنسبة للمرضى.

عبد الكريم مطر، متقاعد (ستيني) وجار لحبيب أبرز المتضررين من تركيز البرج على أقل من نصف متر من منزله. يقول إن الوكالة الوطنية للترددات (تابعة لوزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي) وهي الجهة الرسمية المخوّلة بإعطاء شركات الاتصال تراخيص تركيز أبراج الهواتف الخلوية، “وافقت بتاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2013 على منح شركة اتصالات “أوريدو” رخصة تحت عدد 3044 لتركيز البرج على أساس مطابقته لكامل الشروط، رغم مخالفته لمعايير السلامة لوجوده بالقرب من أماكن حساسة مثل المدارس وحاضنات الأطفال”.
ومن جهتها:” تؤكد هادية زوجة مطر ”أشكو يومياً من حالة تعب متواصلة جراء قلة النوم وعدم الإحساس بالراحة” وقد أضحت حياتي مخصصة لدراسة تأثيرات مثل هذا الأبراج على صحتنا وصحة عائلاتنا”.
ويستند تركيز أبراج الهاتف الجوال بتونس إلى المنشور(القانون) المشترك لوزراء الداخلية وتكنولوجيات الاتصال والصحة العمومية المؤرخ بتاريخ 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2008، والذي يحدد دور المتدخلين في المجال ومذكرة وزير تكنولوجيا الاتصال إلى المشغلين التي تحدد الحدود القصوى للتعرض للحقول الكهرومغناطيسية الصادرة من الأبراج، وذلك في انتظار نص قانوني وطني يحدد هذه المستويات ومختلف إجراءات الوقاية من التعرض للإشعاعات.

unnamed-4

وبمقتضى هذا المنشور، تبدي الإدارة الجهوية للصحة (تمثل وزارة الصحة في كل ولاية) رأيها إما بالإيجاب أو الرفض، حول مدى احترام الشركات لرزمة الشروط عند تركيز أبراج محطات الهاتف الجوال.

في العام 2010، تشكلت لجنة فنية بقرار من وزير الصحة لدراسة مؤثرات الإشعاعات على صحة المواطن إلى جانب خبراء في مجال الصحة وتكنولوجيا الاتصال لضبط المقاييس المرجعية والإجراءات الترتيبية لتركيز هذه الأبراج وإعلام المشغلين بها.

ولغاية سبتمبر 2015 تم دراسة ملفات الشكاوى المقدمة من قبل الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، لأبداء الرأي عن طريق فريق عمل مختص محدث لتأمين السلامة الصحية للمواطن.
لكن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع

قام مطر وجيرانه بقياس المسافات للتأكد من مخالفتها لشروط السلامة العامة، إذ يبعد برج ”الرعب” كما يسمونه عن منزله نحو نصف متر فقط، وعن المدرسة الابتدائية (90،98 متر)، وعن مدرسة الصم والبكم (83،76 متر)، وعن الحضانة الأولى (48،66 متر) وعن الحضانة الثانية (30،97 متر) أي أقل من المسافة القانونية المحددة بـ 100 متر”.
يتذكر مطر في هذا الصدد كيف بدأت شركة “أوريدو” الأشغال الأولية لتركيز (نصب) العمود ليلاً، وفي غفلة من الجيران (24 عائلة). بعدها وجهنا رسائل اعتراض وشكاوى مستعجلة إلى رئيس بلدية سكرة التي يقطنها (الضاحية الشمالية للعاصمة)، والمدير العام لشركة أوريدو ووكالة الترددات. لكن لم يسمعنا أحد، وأنهت الشركة تركيز العمود”.

انتشار فوضوي

أمام التنافس المحموم على سوق الهاتف الجوال من الجيل الثالث بين شركات الاتصالات الثلاث في تونس “أوريدو”(2002) وشركة “تليكوم”(1995) وشركة “أورانج” (2009) انتشرت أبراج هذه الشركات فوق أسطح منازل وعمارات. حيث يؤجرها مالكوها إلى هذه الشركات وفق ترخيص لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد بصفة آلية مع زيادة بحوالي 20 % ومقابل مبالغ مالية مغرية (حوالي 7000 دينار تونسي في السنة ($3500) دولار)، دون احترام أدنى شروط السلامة في ظل غياب للرقابة والمساءلة القانونية. ولذلك أرتفع عدد الأبراج ليفوق 14 ألف في كامل أنحاء البلاد (الأغلبية مركزة في تونس الكبرى والنسبة الأولى لولاية أريانة (شمال العاصمة تونس) بحوالي 600 برج، وفق مصدر مسؤول طلب عدم نشر اسمه.
يكشف هذا التحقيق الاستقصائي الذي أستغرق ستة أشهر مخالفة شركات الاتصالات الثلاثة في تونس للشروط التي يفرضها المنشور الخاص المنظم لتركيز (نصب) الأعمدة. وهو ما تأكد من خلال جولة ميدانية لمعدة التحقيق على أحياء سكنية في كل من الضاحية الشمالية والجنوبية من العاصمة، إذ لاحظت وجود عدد كبير من هذه الأبراج مخالفة (أنظر الجدول المرفق)، لاسيما في الأحياء الشعبية منها.

new-tabel

ورغم الشكاوى المقدمة من قبل هذه المؤسسات (وكالة تونس أفريقيا قدمت مراسلة للرئيس المدير العام لشركة أوريدو المخالفة بتاريخ 14 افريل/ أبريل 2004) مطالبة فيها بضرورة تحويل مكان العمود المركز إلى مسافة تبعد حوالي 300 متر عن مبنى الوكالة. ولكن بقي الحال على ما هو عليه ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، ولم تتدخل وكالة الترددات التابعة لوزارة تكنولوجيا الاتصال.يضاف لذلك، وثائق حصلت عليها معدة التحقيق، كأوراق ثبوتية (شكايات وملف قضائي) توثق مخالفة مثل هذه الشركات لشروط التركيز وفق ما ينص عليه منشور 2008، وشكاوى لسكان متضررين، ووثائق أخرى (صور موثقة ومراسلات رسمية) تبرز مخالفات لشركات نصبت أبراجاً للبث بالقرب من مؤسسات عمومية وخاصة، كـ (وكالة تونس إفريقيا للأنباءtap) ومستشفى الرابطة في العاصمة) التي عانت بدورها من تجاوز شركة اوريدو وتليكوم. حيث تم نصب برج إحدى هذه الشركات على مستوى ارتفاع (عمودي) أقل من مستوى الطابق الرابع والاخير لوكالة الأنباء، والذي لا يبعد عنها سوى 20 متراً فقط.

توقّع شركات الاتصالات عقود إيجار شهرية أو سنوية لأسطح منازل أو عمارات يوافق أصحابها على نصب أبراج الهواتف الخلوية فوقها. ثم تودع هذه العقود لدى “الوكالة الوطنية للترددات” التي تمنحها تراخيص لإقامة الأبراج بعد أخذ رأي البلدية التي تقوم بالتحقق من مدى احترام متطلبات الجمالية الحضرية ومقتضيات التهيئة الترابية ومبدأ الاحتياط عند التركيز. وعادة ما يكون الرد بالإيجاب نظراً للاتفاق الحاصل بين المشغل والمؤجر.

وتبعاً لذلك، تمنح وكالة الترددات موافقتها لشركات الاتصالات لتباشر تنفيذ أشغال تركيز الأبراج في المناطق المحددة خلال 15 يوماً من تاريخ تقديم الطلب، وفق مفيدة المهذبي المسؤولة عن القسم القانوني في وكالة الترددات. وأكدت أن الوكالة لا تمنح الترخيص إذا كان برج الهاتف الخلوي المزمع تركيزه يقع في منطقة سياحية حتى لا يشوه جمالية المكان.

أضرار صحية ونفسية
علميا، ما يزال هناك حال من الشد والجذب حيال تأثيرات هذه الترددات على صحة المواطن.

حيث يرى سمير بسباس الدكتور في الطب العام أن وضع أبراج الهاتف الجوال قرب التجمعات السكنية المتلاصقة مثل الحي الذي يقطنه مطر عبد الكريم من شأنه التأثير المباشر على صحة السكان، وخصوصاً الأطفال تحديداً مع عدم توفر مقاييس تقنية لضبط مستوى التعرض للإشعاعات بتونس.
ويضيف أن “هناك تقارير علمية وطبية  تفيد بأن تركيز مثل هذه الهوائيات في مناطق عمرانية آهلة بالسكان، يؤثر على السمع وتسبب أوجاعاً في الرأس وطنيناً في الأذنين وحالة من الإغماء والخمول والفشل في الجسم”. يساند موقفه بحوثاً علمية صادرة في السنوات الأخيرة من قبل باحثين (مثلا دراسة نشرت ببولونيا سنة 2004 وأخرى سنة 2011 من قبل جمعية الصحة والبيئة الفرنسية). 
أفادت بأن نمو مخ الطفل يتأثر بالإشعاعات الناتجة عن هوائيات الهاتف الجوال عند تركيزها بجانب منازل أو مدارس أو حضانات.
لذلك يطالب د. بسباس بإبعاد الأطفال وجوباً قبل سن 15 سنة من المناطق التي يتم فيها وضع هذه الهوائيات وأخذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم من خطر الإصابة بسرطان المخ وتأثيراتها على الجهاز العصبي. 
غير أن علماء وأطباء آخرون يعتبرون أنه لا يتوفر حسب رأيهم دليل علمي على أن التعرض لمستويات إشعاعات عن الأبراج له تأثيرات صحية مباشرة على المدى القريب أو البعيد.

مطالبات

وطالبت الموظفة الأربعينية أحلام أوفنشو التي تسكن بجهة رادس بإزالة البرج الذي ركزته شركة اتصالات تليكوم فوق سطح العمارة، دون استشارة متساكنيها. وقالت مبدية سخطاً: ”هناك تناثر للأسلاك على الأرض وبشكل عشوائي وفوضوي ما قد ينتج عنه كوارث في حالة تقادمها وعمال الشركة يأتون للصيانة في أوقات مريبة ليجنبوا احتجاجنا عليهم لعدم استشارتنا قبل وضع البرج”.

يؤكد الطبيب بسباس أن’ ‘التصميم الهندسي للبرج ضروري لضمان عدم تعرض الإنسان لمستوى عالٍ من الطاقة” واقتراب المواطن بمسافة ستة أمتار مثلاً من برج الهاتف الخلوي فوق أسطح العمارات (وهو معدل الأمان)
 ووضع الحواجز وعلامات فوق الأسطح لمنع وصول السكان من المنطقة الممنوعة حول المحطة، من شأنه أن يقلل من خطر التعرض للإشعاعات والإصابة بالأمراض الناتجة عنها. وطالب بحظر اقتراب عمال شركات الاتصالات بتونس من هذه الأبراج لمسافة أقل من ثلاثة أمتار، وضرورة ارتداء الفنيين العاملين فيها سترات واقية من الإشعاع خاصة مع انتقال هذه الشركات من نظام الجيل الثالث إلى الجيل الرابع الذي يؤدي لزيادة الإشعاعات.

شهادات

المتضرر عبد الكريم مطر تمكن من توثيق ملف شكاياته ضد شركة “أوريدو” بشهادة طبية من الرازي (مستشفى عمومي للأمراض العقلية) تثبت حالته النفسية المتوترة وانهيار اعصابه، وهو ما حتم عليه تناول المسكنات يومياً”.
“أعاني أوجاعاً قويةً ومستمرةً في الرأس لا تحتمل، حالياً أتابع وضعي الصحي في مستشفى الرازي جراء الذبذبات التي يحدثها العمود الملاصق لمنزلي، فهو يحدث أصواتاً مزعجة على مدى النهار والليل ولذلك سأجن”.
يشاطر عائلة مطر الرأي كل من أحمد نويرة (متقاعد) ونزار جحدور (موظف في الأربعينات من عمره)، وهما جاران متضرران من العمود المثبت فوق سطح منزل حبيب. حيث أكدا توافق كل المعطيات التي تحدث عنها الدكتور بسباس ومطر مع ما يحصل لعائلاتهما.
”ابنتي البالغة من العمر ست سنوات أصبحت عصبية للغاية وتعاني توتراً ناجماً عن الضجيج المستمر الذي يحدثه الهوائي المحاذي لمنزلنا، أصبحت لا تنام في الليل وتشكو خمولاً في الجسم ”يوضح نويرة” بدوري أعاني اليوم من فقدان للذاكرة في العديد من الأمور”.

جحدور، يلاحظ، “حياتنا أضحت لا تحتمل بسبب هذا العمود، تشنج الأعصاب يلازمني طول الوقت جراء صداع رهيب بالإضافة إلى ظهور رعشة في يدي. أما عن زوجتي، فظهرت لديها هي الأخرى أعراض إعياء وكآبة وقلق، وهنا أتساءل ماذا جنى حبيب بموافقته على تركيب مثل هذا العمود فوق سطح منزله، بجوارنا ودون استشارتنا. “ربح المال ولكنه خسر صحته وصحة جيرانه ونحن لن نسامحه على فعلته مدى الحياة”.

وتقول جمعية الصحة والبيئة الفرنسية في دراسة نشرتها العام 2011 أن 43% من السكان يعانون من طنين الاذن نتيجة سكنهم في مناطق قريبة جداً من الأبراج المقامة في المدن فوق أسطح المنازل ووسط الأحياء السكنية. )

وتشير الدراسة أن حوالي 55%من السكان أصبحوا يعانون من اضطرابات في النوم فيما يعاني 27 %من عدم التركيز. وتتوافق دراستها مع دراسة بولونية للعالم ”بوتكيويز ” نشرت سنة 2004 وأخرى بمصر نشرت سنة 2007 تؤكد العلاقة الوثيقة بين اضطرابات النوم وعدم التركيز وطنين الاذن والفشل الجسدي لدى الأشخاص الذين يقطنون بالقرب من هذه) الأعمدة. 

وكالة الترددات تتراجع

بعد قيام عبد الكريم مطر بمراسلة الجهات المختصة، تراجعت الوكالة الوطنية للترددات (بعد حوالي 5 أشهر) عن قرارها الأول القاضي بمنح شركة ‘أوريدو’ رخصة كتابية لوضع البرج على سطح منزل حبيب وأثبتت بعد دراسة ثانية أن المشغل مخالف على اعتبار وجود العمود بجانب أماكن حساسة وطالبته بعدم نصبه وإزالته”.
ويضيف مطر ”تركت كل شيء وأصبحت مرابضاً كل يوم في وكالة الترددات أهددها بكشف مدى تلاعبها في إعطاء الرخصة لشركة الاتصالات بالرغم من مخالفة كل الشروط” وهو ما حدا بتراجع الوكالة الوطنية للترددات عن قرارها الأول. وقامت في مرحلة ثانية بمراسلة البلدية، مؤكدة وجوب إزالة العمود محل النزاع وذلك بتاريخ 5 جوان/ حزيران 2014 لكن البلدية أفادت أن الأمر ليس من مشمولاتها”.

وعلى هذا الأساس أحالت الوكالة الوطنية للترددات الملف إلى الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، قصد عرضه على فريق العمل المختص بدراسة الشكاوى ذات الصبغة الصحية المتعلقة بهوائيات الهاتف الجوال، طبقا لمقتضيات القانون المشترك المنظم للقطاع.

وأضاف مطر أنه على إثر دراسة الملف بتاريخ يوم 3 فيفري/ شباط 2014 قرر فريق العمل التابع للوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات عدم “وضع المحطة في الموقع المذكور، مع إزالة ما تم وضعه. ولذلك تم توجيه مراسلة إلى الرئيس المدير العام لشركة أوريدو لرفع المخالفة”.
وقال عبد الكريم مطر ” تعبت أنا والجيران في معركتنا ضد الشركة. ورغم ذلك فهي ترفض الاعتراف بقرار الإزالة الصادر في حقها”.
واوضح أن خيار اللجوء إلى القضاء هو وجيرانه خيار متأخر لتقنهم أن القضية ستحتاج إلى فترة طويلة قد تمتد لسنوات للبت بها.
وما تزال الشركة تماطل في ازالة البرج من على سطح منزل حبيب
بالرغم من قرار الازالة الذي أكدته البلدية ووكالة الترددات.
وتقول محامية أوريدو إيناس الفخفاخ، أن كل ما جاء من معطيات بحقها هو ”محض افتراءات” معتبرة أن طريقة احتساب المسافات بين العمود الذي ركزته وبين المدرسة الابتدائية وبينه وبين مدرسة تعليم الصم والبكم والحضانات ”خاطئة”، وأن ”المسافة قانونية” وفق رأيها.

واكدت محامية الشركة أن قرار إزالة البرج من شأنه تعطيل ”سير المرفق العام للاتصالات” وإبقاء منطقة هامة في عزلة تامة مع حرمان أهاليها من شبكة الإنترنت، خاصة وأن المحطة موجودة في موقع جغرافي واستراتيجي هام” وفق قولها.

ووفق ما لاحظته معدة التحقيق التي عاينت تركيز البرج فإن المسافة قريبة جداً (اقل من 100 متر) بينه وبين هذه المنشآت الحساسة ويتوسط المنازل السكنية المتلاصقة ويحدث ضجيجاً لا يحتمل في النهار والليل.

غياب التشريعات القانونية

يقر حمادي دخيل مدير الرقابة البيئية في الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتوجات (التابعة لوزارة الصحة) إن ”غياب التشريعات القانونية أو الفراغ القانوني أدى إلى عدم السيطرة على المشغل في حالة وجود خروقات أو تجاوزات فعندما ترفض شركة الاتصالات رفع العمود المخالف التابع لها فإننا لا نستطيع فعل أي شيء حيال الأمر”.

لذلك، يقول دخيل، اقترحت الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات ثلاثة نصوص قانونية جديدة تنظم القطاع، أهمها قانون يتعلق بحماية الأشخاص من التعرض للحقول الكهربائية والمغناطيسية للترددات من 0 إلى 300 (جيغاهرتز) بالنسبة للعموم. وهي في طور متقدم من الاصدار لكن وحدة التشريعات بوزارة الصحة لم ترد على هذه الاقتراحات لساعه نشر هذا التحقيق بالرغم من عديد المراسلات.

واعتبر دخيل أن ”القانون المعتمد سنة 2008 والذي عوض قانون 2004 المنظم لتركيز الهوائيات، أفرغ من محتواه ولم يعد القانون يفرض على شركات الاتصال العديد من المواصفات التي كانت موجودة من قبل في منشور 2004 مثل عدم فرض سياج لحماية المحطة من قبل المشغل. وأشار الى أن اللجنة الفنية المكلفة تقوم بدراسة أكثر من 200 شكوى سنويا ضد شركات الاتصالات الثلاثة حول مؤثرات الإشعاعات على الصحة بسبب مخالفات رزمة الشروط.
وأوضح دخيل أن عمل الفريق المختص التابع للوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتوجات يقتصر على دراسة الشكاوى ذات الصبغة الصحية المتعلقة بأبراج الهاتف الجوال وإبداء رأيه بالإيجاب أو الرفض حول ”التركيز بالمواقع التي قدمت الشكاوى حولها أو ”عدم التركيز ” أو ”إزالة ما تم تركيزه” دون التدخل مباشرة في إجراءات إزالة الأبراج المخالفة.

معايير دولية

حسب اللجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة (اشعاعات ذات طاقة ذات طاقة منخفضة) وهي منظمة غير حكومية معترف بها من قبل منظمة الصحة العالمية، يتوجب أن تراعي شركات والاتصالات عند تركيز أعمدة التقاط الذبذبات الراديوية، مسافات دنيا وتبتعد عن المناطق الحساسة.
وتؤكد في هذا الصدد أن شركات الهاتف الرقمي الجوال مطالبة إلزاما بوضع حد للأمان من الإشعاع، وضرورة إخضاع أبراج الإرسال للمراقبة للتأكد من مدى مطابقتها للمواصفات العالمية فيما يتعلق بعوامل الأمان الإشعاعي.

ويجب على هذه الشركات وفق ما نشرت اللجنة الدولية سنة 2015: “احترام مستوى التعرض للإشعاع المحدد بـ 41 إلى 61 % فولت في المتر قبل تركيز المحطة، واتباع مستوى الترددات المنبعثة من الأبراج، وفقاً للمعايير الدولية المسموح بها، كشرط احترام أن يكون ارتفاع المبنى المراد إقامة محطة فوق سطحه في حدود 15 متراً إلى 50 متراً. وأن يكون ارتفاع الهوائي أعلى من المباني المجاورة في دائرة نصف قطرها 10 أمتار، وأن يكون السطح كذلك من الخرسانة المسلحة ومسيجاً”.
كما لا يسمح بتركيز الأبراج فوق أسطح المباني المستقلة بالكامل كالمستشفيات والمدارس، وذلك بتجنب توجيه الإشعاع الرئيسي للهوائيات في اتجاه المؤسسات التربوية ورياض وحاضنات الأطفال بالنظر إلى انعكاساتها وتأثيراتها الجانبية على الصحة العامة، وفي المقابل يجب وضع حواجز معدنية من جميع الاتجاهات.
واعتمادا على هذه التوصيات العالمية، قامت فرنسا مثلا بإصدار منشور(قانون) يضبط الإجراءات الفنية الواجب اتخاذها عند تركيز مثل هذه الأجهزة.
ومنذ شهر جانفي/ كانون الثاني 2014، أصبح للمواطن الفرنسي الحق في مطالبة السلطات قياس نسبة مستوى تعرضه للإشعاع في حالة وجود محطة أو عمود للهاتف الجوال قريب لمنزله، وإذا كانت النتيجة سلبية فيحق له عندها المطالبة بإزالته على الفور.
ويؤكد مصدر مطلع تتحفظ معدة التحقيق على اسمه أن قياس مستوى الإشعاع تقنية معتمدة بتونس، لكنه لا يتم العمل بها إلا في حالة وجود شكوى، مشيراً إلى أن أغلب الشاكين لا يطالبون بقياس مستوى الإشعاع للبرج المركز قبالة منازلهم.
ويتحسر مطر وجيرانه من استمرار الحال عما عليه، رغم أن كافة التقارير لصالحهم.
“رغم ذلك سنواصل معركتنا للدفاع عن حقنا في إزالة هذا العمود الذي نغّص عيشنا، وقضى على استقرارنا النفسي والجسدي ومع رفض الشركة الاعتراف بمخالفتها رغم كل الاثباتات ضدها… سنعتصم في المرحلة المقبلة من أجل استصدار قانون ردعي لمثل هذه الشركات التي تهدد صحتنا، وتتاجر بها للاهثين وراء المال” على غرار حبيب الذي نغص علينا حياتنا، يؤكد مطر عبد الكريم وجيرانه الذين يمثلون عينة من 24 عائلة.
وتتوالى الشكاوى إلى الآن من قبل سكان الحي المتضررين. وآخرها إلى المتفقد العام بوزارة تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي مطالبين بإجراء تحقيق فوري في كيفية منح الوكالة الوطنية للترددات الترخيص لتركيز مثل عمود الرعب هذا رغم عدم توفر الشروط الأساسية لذلك والمطالبة برفعه حالاً.
وزير تكنولوجيا الاتصال الأسبق نعمان الفهري رفض مقابلة معدة التحقيق خلال شهر جويلية/ تموز الماضي وإجراء مقابلة معه، معتبرا أن الملف من مشمولات وكالة الترددات.
وبالاتصال المتكرر بالوكالة للرد على كل ما تم ذكره بالتحقيق، تمت المماطلة من قبل الوكالة لتحديد موعد نهائي لمقابلة المدير العام.
وفي الأثناء، علمنا من مصدر موثوق أن الوكالة قامت خلال أوائل شهر اوت/ آب الماضي (2 اوت/ آب 2016) بإصدار قرار بسحب الموافقة السابقة على تركيز البرج المسند لشركة اتصالات “أوريدو”، وذلك بعد علمها الوكالة بالعمل الاستقصائي الذي أنجزته معدة التحقيق. لكن لحين ساعة إعداد هذا التحقيق ما يزال برج الهاتف الجوال موضوع النزاع في مكانه.
أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net وبإشراف د. مارك هنتر.


الصحفي



تعليقاتكم