الجمعة ٢٣ - أغسطس - ٢٠١٩ ٠٣:٣١ صباحاً

آلاف الأطفال والنساء "المعلقات" ضحية سوء إدارة قسم التبليغ في المحاكم الشرعية

9 آب 2009
مجدولين الحسن

بعد كرّ وفرّ على مدى سنتين في أروقة المحاكم الشرعية، رفعت أم سميرة الراية البيضاء وتخلت عن حضانة أطفالها للاقتران بأول رجل تقدم لخطبتها. قرار” الأم الحزينة ” أعقب رحلة مريرة أمام القضاء الشرعي ودوائره على أمل نيل نفقة لا تتجاوز” 205 دنانير” تقيتها وأطفالها الأربعة .

رحلة شقاء ” أم سميرة” (33 عاما) لا تقل عمّا واجهته ( شادية محمد) التي تربي ثلاثة أطفال علما أنها لم تتجاوز 28 عاما. ذلك أن لجنة الخبراء المشكلة بأمر القاضي قررت صرف 27 دينار نفقة لكل طفل شهريا، و15 دينارا بدل حضانة تحصل عليها الأم “خمسة دنانير عن كل ابن”. ومع شح هذه النفقة فإن الأسرة لاتحصل عليها بشكل منتظم. شادية المطلقة منذ عام، أرسلت لطليقها اشعارا بالحبس ست مرات على مدار ستة اشهر” لتنصله “من دفع النفقة، كما تقول. مرة وحيدة تعرض للتوقيف وأجبر على دفع النفقة “لمرة واحدة فقط” ثم عاد طليقا بدون التزامات .

بموجب “قانون الأحوال الشخصية الصادر عام 1976، تشتكي المرأة (أما مطلقة أو زوجة) للقضاء الشرعي في حال رفض الرجل الإنفاق على أسرته. تمر القضية في مرحلتين؛ الأولى إصدار “الحكم بالنفقة” و”الثانية تنفيذ الحكم” عبر تبليغ المدعى عليه في “دوائر التنفيذ” التابعة للمحاكم الشرعية. الصعوبات تبرز خلال المرحلة الثانية إذ تواجه المرأة مشاكل ناتجة عن قصور في آليات تحصيل النفقة ومماطلة يرصدها هذا التحقيق.

نساء و أطفال يتقاسمون الألم

سميرة (13 عاما) “فقدت وعيها” لدى مثولها أمام القاضي في قضية رفعها والدها “ضدها” لأنها رفضت التخلي عن حضانة أمها لها والإنضمام اليه. تلك الطفلة التي قام الأب بقطع النفقة عنها عقابا على اختيارها لأمها “عانت كثيرا”، بحسب ما تستذكر أمها بحسرة. وتؤكد الأم أن سميرة “تدنى تحصيلها الدراسي بشكل ملحوظ، كما أثر سلوك والدها سلبا على شخصيتها التي باتت تؤثر الإنعزالية والإنطواء”.

رسالة وصلت كاتبة التحقيق عن طريق ناشطة حقوقية في مجال المرأة والطفل، تجمل فيها المشتكية معاناة المرأة وأطفالها في تنفيد حكم النفقة في أروقة المحكمة الشرعية.

تتحدث صاحبة الرسالة عن تعرض المراجعة للاستغلال على يد موظفي التبليغ، وأيضا عن ساعات طوال تقضّيها في سبيل الحصول على مبلغ النفقة مقبوضا أو شيكا مجيرا قد لا يصرف في غالبية الأحيان.

معاناة (أم سميرة وابنتها ، وشادية ، وصاحبة الرسالة) تتماهى مع مشاكل آلاف الأمهات والأطفال يعيشون على هامش المجتمع. فهناك

4024 قضية نفقة متعلقة بالصغار سجلت لدى المحاكم الشرعية الأردنية عام 2007، و 4957 قضية متصلة بالزوجة” يرفض قرينها الإنفاق على أسرته”، بحسب التقرير الإحصائي الصادر عن دائرة قاضي القضاة.

التنفيذ القضائي “مقبرة للقضايا “

المركز الوطني لحقوق الإنسان يكشف في تقرير أصدره عام 2006 ملاحظات تتطابق مع ما ورد في شكاوى تلك النساء. إذ يشير التقرير إلى وجود نقص في المحضرين الذين يبلغ عددهم في عمان 33 موزعون على 13 محكمة شرعية . التقرير الذي جاء تحت عنوان “حقوق الإنسان في اقامة العدل” يكشف انتشار “الرشوة ” بين المحضرين . كذلك يورد وصفا شائعا بين المحامين بان التنفيذ القضائي “مقبرة للقضايا ” مستدلا في ذلك بما يحصل فعليا من زيادة في معاناة أطراف الخصومة بسبب “بطء الإجراءات وكثرة القضايا وتدني الإنجاز”، بخاصة بالعاصمة (مرفق) على أبواب عدد من محاكم عمان الشرعية، وجدت “دراسة ميدانية” شملت 180 مراجعة أن 50 % من العينة أكدن أن المحضر طلب مالا لقاء توصيل البلاغ، وأن 72 % رأين أن عملية التنفيذ الشرعية طويله تكتنفها “المماطلة” ” وعدم التنظيم” (مرفق نتائج الدراسة) .

السيدة ربى حسن، إحدى المستطلعة آراؤهن، لم تكتف بالشكوى من “فساد” بعض المحضرين، واضطرارها لدفع خمسة دنانبر “كحد أدنى” في كل مرة ترسل اخطارا لطليقها لدفع النفقة المترتبة عليه، بل ذهبت الى اتهام بعض الموظفين الإداريين بمحاولة استغلال حاجتها لإتمام معاملتها، عبر طلب” رقم هاتفها الخاص” بقصد مراودتها عن نفسها.

هذا الإتهام أيدته 18 % من العينة المستطلعة ، إذ أكدن تعرضهن لـ”لإستغلال على يد موظفين إداريين في داوئر التنفيذ بسبب حاجتهن وعدم درايتهن بحيثيات القانون”.

لدى مراجعتها بنتائج الإستطلاع، أرسلت دائرة قاضي القضاة “ردا كتابيا”، أجاب فيه قاضي القضاة الأستاذ الدكتور أحمد هليل بأن “المماطلة في الإجراءات “إن وجدت تعود في الغالب إلى عدم استكمال المراجع لشروط صحة معاملته، أو لأمر خارج عن إرادة المحكمة، كتأخير تبليغ المدعى عليه بسبب عدم تزويد الأخير لأطراف القضية بعنوانه الصحيح”. رد الدائرة الذي تحدث فيه قاضي القضاة عن توخي المحكمة الشرعية “للدقة والنظام “في عملها وابتعادها عن “البيرقراطية”، جاء بعد انتظار أسبوعين.

التبليغ بين تهرب الزوج و قصور الاجراءات

المحامية والمستشارة القانونية في المعهد الدولي لتضامن النساء وداد النجيدين تؤكد من جانبها أن المماطلة تعرقل وصول النفقة إلى مستحقتها لشهور عدة. وتضيف جنيدين : “طيلة هذه الفتره تظل المرأة واطفالها دون نفقة وتتفاقم المشكلة مع عدم وجود معيل” .

تشاطرها في الرأي أمين عام اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة أسمى خضر. إذ تؤكد المحامية والناطقة الإعلامية السابقة باسم الحكومة أن المشتكية تضطر “لدفع مبالغ اضافية لقاء رفع دعوى جديدة (..) في كل مرة يتهرّب الزوج من التزاماته”.

اعترافات رجال

أحمد علي، أب لأربعة أبناء، يقر بالمماطلة “للضغط على طليقته من أجل التنازل عن حضانة ابنائه”. لكنه يقول إنه “كان يجبرعلى دفع النفقة في حال أرسلت مذكرة جلب (حبس) بحقه”. وفي إحدى المرات منع هذا الرجل الأربعيني من السفر لحين دفع النفقة.

أما محي زيدان 30 عاما، فلا يتوانى عن دفع محاميه “الى استغلال أي ثغرة قانونية حتى يقلل من النفقة المستحقة عليه أو يتملص من دفعها إن أمكن”. ورغم اقتداره المالي، فإن زيدان يراهن على “شطارة المحامي من جهة، وإمكانية تضليل القضاء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة من جهة أخرى”.

مخصصات المحضرين .. شح يقود للرشوة

في لقاء بين كاتبة التحقيق ومأمور تنفيذ ومحضرَين لدى محكمة في محافظة البلقاء ( نمسك عن ذكر اسمائهم حفاظا على امنهم الوظيفي) ، أجمع هؤلاء على وجود “فجوة” في عملية التنفيذ بسبب “صعوبة التنقل والمواصلات”. فالعشرون دينارا المخصصة للمحضر بدل تنقلات، لا تكفي أسبوع عمل ينفذ فيه ثمان تبليغات بالمعدل يوميا، حسبما يؤكد محضرون، مع العلم أن هذه البدلات تخضع لزيادة سنوية قدرها دينار واحد فقط .

ما يفاقم المشكلة صعود أجور النقل إلى مستويات غير مسبوقة، إذ سجلت ارتفاعا نسبته 20-30 %، بحسب الأرقام الرسمية.

المحضر (ع.خ) لاينكر “تفشي ظاهرة الرشوة” بين أقرانه. إلا أنه يجد ما يبررها: “فلا يوجد لدى المحضرين وسيلة مواصلات تسهل عملهم”.

(ع.خ) يؤكد أنه طلب من دائرة قاضي القضاة أن ترخص باسمها دراجة نارية (سكوتر) عرض شراءها من حسابه الخاص ليستعملها في أداء وظيفته. إلا ان طلبه قوبل بالرفض. أما زميله في العمل فطالب بإضفاء صبغة رسمية على وظيفتهم من خلال توفير “زي و وسيلة تنقل موحدة “وبطاقة تعريفية” تدلل على انهم ينتمون لجهة رسمية ، فلا يتعرضون للمضايقات والنظر اليهم بعين الريبة اثناء تأديتهم لمهماتهم كما يحصل حاليا.

استطلاع للرأي أجرته كاتبة التحقيق شمل “أكثر من نصف المحضرين” في عمان، أظهر أن 20 % من المستطلعة آراؤهم “يطلبون مالا” من اصحاب الدعوى لقاء عملية التبليغ.

ووجد الاستطلاع أيضا أن جميع أفراد عينة تضم 20 محضرا يرون أن بدل المواصلات الممنوح لهم غير كاف لاداء وظائفهم اليومية. النسبة ذاتها أكدت أن عدم وجود سيارات مخصصة لغايات التبليغ تعوق عملهم. وكشف الإستطلاع أن 40 % من المحضرين يجنحون (احيانا ) للتغاضي عن بعض التبليغات نتيجة “ضعف الرقابة”. فهم يبلغون “وحدهم ” باستخدام سياراتهم الخاصة او وسائل النقل العامة دون مرافقة مسؤول مباشر عليهم من المحكمة الشرعية، فيما رأى 30 % من أفراد العينة أنهم “قد يتجاوبون مع إغراءأت يعرضها المدعى عليه، من بينها هدايا وخدمات، من أجل عدم توصيل البلاغ إليه”.

المحامي الشرعي محمود نعيم يشير الى أن المحضر قد لا يبلغ بسبب “قلّة مخصصات التنقل مقارنة بحجم القضايا التي يبلغها”.

بينما يقارن بين أوضاع المحضرين في الأردن وبين دول الخليج التي تخصص محاكمها الشرعية سيارات خاصة لأداء مهماتهم، يدعو نعيم دائرة قاضي القضاة إلى التبليغ عبر شركة “بريد خاصة” مقابل تعرفة محددة على غرار الآلية التي اعتدمتها وزارة العدل أخيرا.

رأي الشرع

مفتي المملكة الدكتور نوح القضاة يعتبر أن إقدام المحضر على طلب المال من المدعية يعد “إثما وحراما”. ويرى القضاة أن ضياع حقوق المدعين ناتج عن حياد البعض عن أحكام الشريعة الإسلامية .

تأهيل المحضرين .. أين الحقيقة ؟

لدى الاستفسار مرة أخرى عن موقفها حيال “انتشار رشاوى” بين أوساط المحضرين اجابت دائرة قاضي القضاة على لسان قاضي القضاة” بأنها لن تتوانى عن اتخاذ الإجراءات بحق أي موظف لم يقم بواجبه أو استغل وظيفته بطريقة غير قانونية” . وأوضحت الدائرة “أن المحضرين يخضعون دوريا لدورات تدريبية “.

وبالرجوع الى الأنشطة والدورات المنظمة لدى وحدة التدريب والتطوير، تبين أنها لم تتجاوز 17 نشاطا طيلة عام 2007.

مأمور تنفيذ في إحدى المحاكم الشرعية ينفى خضوعه وزملاءه المحضرين لأي دورة تأهيل طيلة فترة عمله التي ناهزت 15 عاما.

معاناة القضاة اليومية .. 40 قضية و كاتب واحد

تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان الصادر عام 2007 كشف من جانبه وجود نقص في عدد القضاة وأعوانهم (مساعديهم الإداريين). إذ تعرض على القاضي 40 قضية يوميا ويخصص له كاتب وحيد، ما يطيل فترة النظر في القضايا ويؤثر على عدالة الأحكام، بحسب التقرير ذاته.

تعاملت المحاكم الشرعية مع 50 ألف قضية عام 2007، بحسب سجلات دائرة قاضي القضاة، علما أن عدد القضاة 62 قاضيا.

القاضي السابق والمحامي الشرعي راتب الظاهر، يؤكد أن القاضي لا يستطيع مطالعة أكثر من 15 قضية يوميا ليتنسى له اصدار احكام تتوخى العدالة. وأي زيادة على ذلك تؤدي إلى وقوع أخطاء غير مقصودة في الأحكام.

الدكتور هليل يقر أيضا بعدم تكافؤ عدد القضاة والقضايا المعروضة عليهم. متحدثا في هذا السياق عن خطط لدعم الجهاز القضائي بكل ما يحتاج من كوادر.

أخطاء في التبليغ

سامية الحراسيس قدمت بلاغا بتاريخ 3/11/2008، لمأمور التنفيذ في محكمة “عمان للقضايا” حتى يوفد معها محضرا لإخطار الزوج بوجوب دفع النفقة. فما كان من الأول إلا “أن دفع بالبلاغ الى السيدة لتوصله بنفسها ما استزف المزيد من وقتها وجهدها دون طائل”، كما تقول. لدى سؤال المحامي في المركز الوطني لحقوق الإنسان عيسى المرازيق حول تفسير الإجراء الأخير قضائيا أجاب بأنه “غير قانوني”. (مرفق البلاغ)

محاكم بلا مرافق

أم فاضل (57 عاما) المنفصلة عن زوجها منذ ثلاث سنوات تجهد عند صعودها درج محكمة “عمان الوسطى” لقبض إعالتها الشهرية المحددة ب40 دينارا. المرأة التي تعاني من مرض مزمن في المفاصل، تحار اين تريح قدميها المتعبتين أثناء انتظارها لساعات امام شباك المحاسبة. في النهايه تضطر “لإفتراش الأرض” في غياب قاعات انتظار.

المحامية المسؤولة عن قضايا المرأة والطفل في المركز الوطني لحقوق الإنسان (بثينة فريحات) تشير “إلى عدم جهوزية مرافق معظم المحاكم الشرعية رغم ان معظم مرتاديها من النساء والأطفال وكبار السن” .

جولة ميدانية في عشر محاكم من أصل ثلاث عشرة محكمة شرعية في عمان، كشفت أن ثمان منها تفتقر إلى قاعات انتظار مفصولة، كما أن المحاكم لا تحوي مصاعد. وتبين أيضا أن ثلاثا من عشر محاكم تخلو من “التدخين”، رغم منعه رسميا في الأماكن العامة.

ولاحظت كاتبة التحقيق أن محكمة “شرق عمان الشرعية” تخلو من دورات المياه، وأن دورات المياه متسخة جدا في محكمتي سحاب وعمان الوسطى، التي تخلو أيضا من قاعات انتظار.

صندوق التسليف “حل” مع وقف التنفيذ

“لم لا ينشؤوا لنا بنكا خاصة نحصل به على النفقة دون الرجوع الى المحاكم ويريحونا من التعب والإنتظار”؟ سؤال طرحته خولة العلي دون ان تعلم ان منظمات حقوقيه ومحامين يطالبون منذ سنوات بهكذا صندوق. اللجنة الوطنية لشؤون المرأة وضعت مسوّدة قانون لما يسمى “بصندوق تسليف النفقة”، في حال تعذر تنفيذ حكم النفقة بسبب تغيب المحكوم عليه أو جهل محل إقامته أوعدم وجود مال ينفذ منه الحكم أو تهربه وتحايله.

المحامية خضر، الأمين العام للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، تبين أن الموارد المالية للصندوق ستخصص من موازنة الدولة وستعامل على انها “أموال اميريه” تعمل الدولة على جبايتها من المدعى عليه ما يفرض عليه سلطة تجبره دفع المال وعدم التهرب باعتباره مدينا للدوله .

إلا أن مسألة اقتطاع جزء من ميزانية الدولة وتخصيصه للصندوق حال دون التعاطي جديا مع المشروع، وبالتالي ظل قيد النقاش لسنوات دون نهايات، بحسب ما يرى المحامي عيسى المرازيق .

في هذا الجانب يؤكد قاضي القضاة الأستاذ الدكتور هليل وجود توجه لإنشاء صندوق النفقة بالتعاون مع الجهات الرسمية، لكنه لم يحدد سقفا زمنيا أو خطوات ملموسة تتعلق به.

نفقة لا تغطي النفقات

ام أحمد الأم لأربعة ابناء تنفق ما حصلت عليه من نفقة شرعية (200 دينار) في قضية رفعتها في المحكمة الشرعية ضد طليقها . البنود كالآتي : 110 ايجار بيت ، 40 دينار فواتير ، و50 دينار يفترض ان تتكيف بها هي وأربعة ابناء وتغطي بها احتياجات الطعام والتعليم والعلاج واللباس والمصروف اليومي. تتحدث أم أحمد بحسرة عن شراء طليقها “لسيارة حديثة” قبل موعد جلسة تحديد النفقة بأسبوع، وكيف سمح له وضعه المادي الزواج بأخرى وتمضية “شهر عسل” في مصر .

أما رشا عادل، أم لطفل في الصف الأول الأساسي، فتحصل على 50 دينارا نفقة تعليم ومعيشة لطفلها رغم أن راتب زوجها يصل الى 1000 دينار فضلا عن عمله الخاص الذي يدر عليه اموالا اضافية.

بحسب “قانون الاحوال الشخصية”، تفرض النفقة طبقا لحال الزوج أو الأب يسرا أوعسرا وتجوز زيادتها ونقصها تبعا لحالته، على أن لا تقل عن الحد الادنى من القوت للزوجة و الكفاية للأولاد.

متوسط النفقة في تقرير رسمي صدر عن (دائرة قاضي القضاة) عام 2007 يتراوح بين 40 – 50 دينار بالنسبة للزوجة و 30 – 35 دينار بالنسبة للأولاد. هذه الأرقام يرى المحلل الإقتصادي حسني عايش” أنها دون الحد الأدني للعيش وأن منتفعي النفقة في حال كانت هي المصدر الأوحد لدخلهم يقعون تحت خط الفقر” .

عايش أشار إلى ارتفاع معدل التضخم 15.5 % عام 2008، وتضاعف معدل دخل الفرد أربع مرات خلال العقود الثلاثة الماضية.

دراسة ميدانية شملت 180 سيدة لهن قضايا نفقة وجدت أن 93 % منهن يرين أن ما يحصلن عليه “غير كاف”.

المحامي و القاضي السابق راتب الظاهر سلط الضوء على ما وصفه ب”سوء فهم للفقه القانوني في تقدير النفقة”. فمعظم أطراف القضية يقرنون النفقة العادلة بشرط الكفاية (الحد الأدنى للعيش) بصرف النظر عن اعسار الرجل او يسره.”

قطع النفقة عن البنات.. حيف يقره القانون

لم يكن مستغربا سلوك نسرين ذات ال 15 عشر ربيعا، عندما سارعت كالسهم للإختباء تحت كرسي سيارة والدتها لدى مشاهدة والدها في السيارة المحاذية لها. فمشهد جلسة قطع نفقتها بسبب رفضها الإنضمام لوالدها وايثارها البقاء في حضن أمها ما يزال حاضرا في ذهنها. لم تفلح محاولات الأم في ترميم صورة الوالد، لأن حفنة الدنانير التى سارع الأب لحرمان نسرين منها هي العلامة الوحيدة والأخيرة لأبوته عليها، بحسب قول الأم والمحامية إيمان الأم لثلاث فتيات وطفل جميعهم في حضانتها.

ما قام به والد نسرين لم يكن تحايلا أو تملصا من القانون. فالمادة 165 من قانون الأحوال الشخصية تنص على : “إذا تمردت الأنثى المحكموم عليها بالإنضمام الى الولي عن الإنضمام اليه بغير حق فلا نقفة لها عليه”.

أمين عام المجلس الوطني لشؤون الاسرة الدكتورة هيفاء أبو غزالة ترى أن هذه المادة “تعاقب الأنثى في حال اختيارها والدتها للعيش معها. وتمضي أبو غزالة إلى التساؤل: “فإذا كانت امها فقيرة فمن أين لها أن تنفق عليها؟

لم تكتف أبو غزالة بتأكيد عدم شرعية هذه المادة، بل تذهب إلى تناقضها مع نص المادة 27 الواردة في الإتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الطفل التي صادق عليها الأردن عام 1990. تنص هذه المادة “أن الدول الأطراف تعترف بحق كل طفل بالعيش بمستوى ملائم لنموه البدني والعقلي والروحي والمعنوي والإجتماعي، وأن الوالدين احدهما او كليهما او الأشخاص المسؤولين عن الطفل يتكفلون بتأمين هذه الإحتياجات وفق امكانياتهم المادية” .

أم سميرة وابنتها يعانين من قطع النفقة عن الفتيات. ذلك أن نفقة ال200 دينار تقلصت الى 160 بعد وقف إعانة الإبنة “سميرة” لرفضها ترك امها، ما دفع الأم الى إعادة الأبناء جميعهم للوالد بصرف النظر عن رغبتهم.

حاولت كاتبة التحقيق التحدث مع سميرة عقب الجلسة الخاصة بقطع نفقتها إلا أنها من فرط الإضطراب لم تقو على الكلام، مكتفية بالتساؤل ” مش أنا بنت بابا ليش عمل هيك”؟

المحامي الشرعي سعدي قشطة يرى أن المشرّع لم يكن منصفا في وضع هذه المادة، كما انتقد كذلك استخدام لفظة “تمرد” في المادة بحق إناث لم يتعدين مرحلة الطفولة.

قاضي القضاة الأستاذ الدكتور أحمد هليل لم ير في المادة إجحافا. فهي “وسيلة للمحافظة على حق البنت والأب في آن”، حسبما يشرح هليل، معتبرا أن للوالد “الحق بضم ابنته التي تجاوزت سن الحضانة (البلوغ)”. فإن امتنعت الأنثى “دون سبب شرعي كان لا بد من ترتيب إجراء قانوني لهذا الامتناع حتى تصان الأحكام القضائية عن العبثية”.

في المقابل، يقر هليل بأن تعبير “تمرد”” غير مستساغ”، لافتا إلى أن دائرته “بصدد إعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية تستخدم فيه كلمة “امتناع” بدل من “تمرد” في المادة المتعلقة بقطع النفقة”.


تعليقاتكم