11 أغسطس/آب 2026
نظمت أريج بالتعاون مع شركائنا الشبكة الناطقة بالإسبانية والتي تعمل في 60 دولة حول العالم سيمبرا ميديا (SembraMedia)، مساء الثلاثاء 11 أغسطس/آب، ندوة رقمية بعنوان “الصحافة المهاجرة: تجارب من العالم العربي وأمريكا اللاتينية”. وحضرها أكثر من 100 صحفيًا وصحفية في البث المباشر من العالم العربي وأوروبا، وأمريكا اللاتينية.
ناقشت الندوة تجارب صحفيين وصحفيات من العالم العربي وأمريكا اللاتينية اضطروا إلى مواصلة مسيرتهم المهنية بعيدًا عن بلدانهم/ن الأصلية، مسلطةً الضوء على تحديات الهجرة والنزوح، وأهمية الشبكات المهنية، والسلامة، والصحة النفسية، وقدرة الصحفيين والصحفيات على التكيف والاستمرار في ممارسة المهنة رغم تغير المكان والظروف.
أدارت الندوة فرح جلاد، محررة ومشرفة تحقيقات استقصائية أولى في أريج، وشارك فيها متحدثا كل من:
استهل محمد الكوماني مداخلته بعنوان “تغير المكان لكن الأثر مستمر”، مستعرضًا رحلته المهنية التي بدأت مع أريج في اليمن ثم في عمّان خلال سنوات وجوده خارج اليمن، وصولًا إلى برلين.
وأشار الكوماني إلى الدور الذي لعبته أريج بوصفها المؤسسة التي احتضنته ودعمته خلال سنوات الغربة، مؤكدًا أن وجود جهة داعمة وشبكة من الصحفيين والمعارف والمصادر يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في تمكين الصحفي من مواصلة عمله، حتى بعد الانتقال إلى بيئة جديدة وبعيدة جغرافيًا عن الوطن.
وشدد على أهمية بناء شبكة مهنية متينة، قائلًا إن مكان الصحفي قد يتغير، لكن دوره لا يتوقف. وحتى في حال حدوث انقطاع مؤقت عن الصحافة، فإن الشغف والروح الصحفية يظلان حاضرين، ويمكن العودة إلى المهنة عندما تسمح الظروف بذلك.
من جانبه، تحدث خوسيه نييِبيس عن رحلته من كوبا إلى فلوريدا، وعن التحديات التي يفرضها العمل الصحفي من خارج الوطن، خاصة في إدارة منصة إعلامية يعمل فريقها من بلدان مختلفة، إلى جانب صحفيين يعملون من داخل كوبا.
وأكد نييِبيس على أن الحفاظ على شبكة العلاقات المهنية ليس أمرًا ثانويًا، بل عنصر أساسي لاستمرار العمل الصحفي في المنفى. كما استعرض الآليات التي يعتمدها لحماية الصحفيين العاملين معه، موضحًا أن العمل من داخل كوبا يتطلب إجراءات شديدة الحذر.
وأشار إلى أن الصحفيين داخل الفريق في بعض الأحيان لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا يعرفون ما الذي يعمل عليه زملاؤهم، بهدف تقليل المخاطر وحماية الجميع. وعند تغطية موضوعات من داخل كوبا، تقتصر بعض المهام على التحقق من المعلومات وصحتها.
وشدد على أن حماية الصحفيين يجب أن تتقدم على الرغبة في نشر القصة، موضحًا أن هناك قصصًا يضطر الفريق إلى التخلي عنها عندما يكون نشرها قد يعرّض الزملاء للخطر.
ومن أبرز رسائله: “لا نستطيع أن نعمل وحدنا؛ يجب أن نعمل ضمن شبكة”.
كما تحدث نييِبيس بصراحة عن إمكانية التوقف المؤقت عن العمل الصحفي عندما تصبح الظروف أقوى من قدرة الصحفي على الاستمرار. وأكد أن العمل في مجال آخر، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن الصحافة، لا يعني الفشل أو التخلي عن المهنة إلى الأبد؛ فقد يعمل الصحفي في مجال آخر تماما، ثم يعود إلى الصحافة عندما تسمح الظروف بذلك.
أما ميليسا رابانالِس، فتحدثت عن تجربتها في مغادرة غواتيمالا والهجرة إلى الأرجنتين، بعد تعرضها لملاحقة قضائية على خلفية تغطيتها لقضية نائبة عامة في غواتيمالا تعرضت للسجن والاعتقال السياسي.
وأشارت رابانالِس إلى أنها لم تتوقع أن تواجه ملاحقة قضائية وتهديدات بسبب عملها الصحفي في بلد لم تكن تعتبره، في السابق، من أكثر البلدان تضييقًا على حرية الرأي والتعبير.
وأوضحت أن انتقالها إلى بلد آخر أتاح لها رؤية الواقع الذي عاشته في غواتيمالا من منظور مختلف. فالأمور التي اعتادت اعتبارها طبيعية في حياتها اليومية، والتي كانت تتناولها في عملها الصحفي، بدت لها مختلفة عندما نظرت إليها من خارج البلاد. وقد ساعدها الاطلاع على واقع وتجارب أخرى على إدراك أن ما كان أمرًا طبيعيًا ومألوفًا بالنسبة لها في بلدها، ليس بالضرورة أمرًا طبيعيًا في أماكن أخرى.
وبالنسبة لرابانالِس، لا يرتبط الوطن بمكان جغرافي فقط؛ إذ قالت إن الوطن بالنسبة لها هو الكتابة والصحافة، وإن الصحفي عندما يكون بعيدًا عن وطنه يبحث عنه من خلال القصص التي يكتبها والمهنة التي يواصل ممارستها.
بدورها، افتتحت ميس قات مداخلتها بالحديث عن معنى أن يعيش الإنسان في بلدين، معتبرة أن ذلك يعني امتلاك “حياتين بشكل متوازٍ”. وسلطت الضوء على الفرق بين الهجرة التي تأتي بقرار شخصي والهجرة القسرية التي تفرضها الظروف، وما يترتب على ذلك من آثار مختلفة على الصحفي ومسيرته المهنية.
وتحدثت عن ظاهرة “الخرس الصحفي” التي تصيب بعض الصحفيين بعد مغادرة بلدانهم، عندما تؤدي الصدمة أو تغير البيئة أو فقدان الشبكات المهنية إلى صعوبة في مواصلة العمل أو التعبير.
وأشارت قات إلى أن العمل على الذات كان من أهم مفاتيح نجاحها في المهجر، موضحةً أن تقييم نقاط القوة والضعف، وفهم الإمكانات المتاحة، واتخاذ القرارات الاستراتيجية في الوقت المناسب، ساعدها على بناء مسار مهني جديد رغم التحديات.
كما شددت على أهمية السماح للذات بالاستمتاع بالحياة في البلد الجديد وعدم اختزال تجربة الهجرة في العمل والصعوبات فقط، مؤكدةً أن العناية بالصحة النفسية والاهتمام بالذات جزء أساسي من القدرة على الاستمرار.
ودعت إلى تقبل التغيير في بيئة العمل والتعامل معه باعتباره فرصة لتحسين المهارات وتوسيع الخيارات المهنية بما يتناسب مع سوق العمل والفرص المتاحة في البلد الجديد.
أتاحت الندوة مساحة للحوار حول عدد من القضايا التي تواجه الصحفيين العاملين خارج بلدانهم، من بينها بناء شبكات مهنية جديدة والحفاظ على الروابط مع البيئة الصحفية في الوطن، والتأقلم مع الأوساط المهنية الجديدة، والسلامة الرقمية وحماية المصادر والزملاء، إضافة إلى الضغوط النفسية والاحتراق المهني.
كما تقاطعت التجارب الأربع في أن الهجرة لا تعني بالضرورة نهاية المسيرة الصحفية، لكنها قد تتطلب إعادة تعريف طريقة ممارسة المهنة، وبناء شبكات جديدة، وتطوير المهارات، والاستفادة من الأدوات التقنية، وأحيانًا قبول التوقف المؤقت أو تغيير المسار المهني إلى حين توفر الظروف المناسبة للعودة.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية عدم العمل بشكل منفرد، والاستثمار في شبكات الصحفيين والمصادر والزملاء، وإعطاء الأولوية للسلامة والصحة النفسية، والنظر إلى الانتقال والهجرة باعتبارهما مرحلة يمكن أن تفتح مسارات جديدة، دون أن تعني التخلي عن الهوية الصحفية أو الشغف بالمهنة.
تأتي هذه الندوة ضمن مشروع Brave Media، بقيادة BBC Media Action وبالشراكة مع أريج وآخرين، وبدعم من المفوضية الأوروبية.
يمكن مشاهدة الندوة باللغتين: العربية والإسبانية.