Arij_Wage-theft-in-the-gulf-header
Arij_Wage-theft-in-the-gulf-header-mobile

خارطة سرقة الأجور في الخليج

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

هناء بوحجي

أريج للصحافة الاستقصائية

16 ديسمبر/ كانون الأول 2021

من منغالور بجنوب الهند، جاء صدّيق شهاب إلى الخليج عام 1982، بحقيبة صغيرة شبه خالية ونيّة بالعمل في إحدى أكبر شركات المقاولات، ليجمع مصاريف الزواج.

بعد عاميْن تزوج صدّيق لكنّه عاد إلى الخليج وبقي فيه 39 عاماً. يقضي شهريْن مع عائلته مرة كل عاميْن ثم يعود ليواصل عمله في الخليج، وينفق ما يكسبه على أسرته ووالديْه.

لم يكن صدّيق يعرف طيلة هذه السنين، التي عمل فيها مشرفاً كهربائياً في الشركة ذاتها، أنّه سيعود للمرة الأخيرة في آذار/مارس 2021، إلى عائلته خالي الوفاض بعد أن ظلّ في الـ 18 شهراً الأخيرة بدون أجر. مجبراً، ترك صدّيق 48,900 دولار أمريكي في ذمّة الشركة، هي إجمالي متأخرات رواتبه ومستحقات نهاية خدمته.

عانى صدّيق – و18 من زملائه، وهم الدفعة الأخيرة المتبقية من أكثر من 1000 عامل في الشركة نفسها – من عدم انتظام الأجر وتأخيره منذ عام 2017. وتركتهم الشركة يقيمون في سكن العمال التابع لها، يتدبرون معيشتهم بمبلغ 53 دولاراً شهرياً، ويعتمدون على الإعانات للحصول على الطعام، والحدّ الأدنى من الرعاية الصحية. وإلى جانب الأوضاع البائسة، عاش صّديق – الذي يبلغ السبعين – قلقاً إضافياً عندما انتهى تصريح إقامته في أيار/مايو 2019، فأصبح وضعه بذلك غير نظامي، وأضحى عرضة للقبض عليه وترحيله.

تحكي قصة المهاجر الهندي صدّيق وزملائه مشكلة مئات الآلاف من العمالة المهاجرة في الخليج الذين يُحرَمون من أجورهم ومن مستحقات نهاية خدمتهم، وهو الانتهاك الأبرز في ممارسات يرتكبها الكفلاء وأصحاب العمل، اصطلحت الأوساط الحقوقية العمالية على تسميتها “سرقة الأجور”. ورغم وجود القوانين المنظّمة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل؛ إلّا أنّها مليئة بالثغرات التي ينفذ منها أصحاب العمل إن أرادوا، ورغم توفّر آليات التشاكي والتقاضي، إلّا أنّ صعوبات وعقبات مختلفة تحول – في الغالب – دون استفادة العمال المهاجرين منها للحصول على حقوقهم.

جميع زملاء صدّيق الثمانية عشر، الذين عملوا في الشركة ما بين 3 أعوام و38 عاماً، انتهت صلاحية إقاماتهم، وكانت مستحقاتهم تتراوح ما بين 7,089 دولاراً و108,157 دولاراً، أما مجموع هذه المستحقات فبلغ 526 ألف دولار، أي ما يعادل قيمة إنشاء فيلا متوسطة الحجم بمساحة 500 متر مربع في الخليج. ولكن الشركة الكبرى –التي أنشأت مشاريع حكومية وخاصة تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات– تحجب عنهم هذه المستحقات.

“واجهنا تحدّيات من بعض الأطراف التي رفضت اعتماد مصطلح “سرقة الأجور” وفضّلت اعتماد تسمية “عدم دفع الأجور”. غير أنّ ما يحدث اليوم هو أكبر بكثير من مجرّد عدم دفعٍ للأجور، إنّه سرقة منهجية لجني عمر الملايين من العمال المهاجرين الذين قضوا أيامهم في خدمة بلدان المقصد، وساهموا بازدهارها وتطوّرها. ما يحدث الآن هو فعلاً جريمة كبرى. إنّه أزمة لإنسانيتنا لأنّنا لا نرى ما يحدث كما يجب لكي نوجهه بالشكل المناسب”.

وليام غويسالمنسق الإقليمي لملتقى المهاجرين في آسيا

ظاهرة متفشية

كشفت وثيقة سعودية عن وجود 1,2 مليون عامل متأخرة أجورهم، يشكلون 8,3% من إجمالي القوى العاملة في السعودية التي يشكّل المهاجرون 79% منها. ويقدم ذلك مؤشراً لمشكلة سرقة الأجور في الخليج، إذ تشكّل القوى العاملة في السعودية حوالي 50.2% من إجمالي القوى العاملة في الخليج. وتنفرد السعودية بـ 47.3% من قوة العمل المهاجرة في الخليج.

ويصل عدد العمال المهاجرين في الخليج إلى 24 مليون عامل، يشكلون 83.3% من إجمالي القوى العاملة في دول الخليج. ويشكّل المهاجرون الغالبية العظمى من القوى العاملة في قطر (94.0%)، تليها الإمارات (92.5%)، ثم الكويت (84.2%)، والبحرين (79.4%)، وعمان (78.4%).

نسبة العمال المهاجرين في القوى العاملة في دول الخليج

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-foreign workers in GCC_2
Arij_Wage-theft-in-the-gulf-foreign workers in GCC

حصلت معدَّة التحقيق على هذه الوثيقة التي حملت عنوان “مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية” والتي أعدتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية في آب/أغسطس 2020، ضمن مبادرات رؤية المملكة 2030، وأوضحت حجم المشكلة الحقيقي في السعودية. كون هذه الوثيقة تهدف لتحسين العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل بناءً على المعايير الدولية. إذ إنّ السعودية وقّعت بعد فترة قصيرة (في ديسمبر 2020) الاتفاقية (95) لحماية الأجور لعام 1949، لتكون الدولة الأولى والوحيدة خليجياً –إلى الآن– الموقعة على هذه الاتفاقية التي تسعى لتحقيق أقصى حماية ممكنة لأجور العمال. ويتطلب إنفاذ الاتفاقية استيفاء ثلاثة عناصر رئيسية هي: الرقابة الفعّالة، والعقوبات المناسبة، ووسائل التعويض عن الضرر.

المبادئ الأساسية للاتفاقية رقم (95):

ضمان حرّية العمال في التصرّف بأجورهم.

دفع الأجور بالعملة السائدة قانوناً.

في الحالات التي يُدفع فيها جزء من الأجر عيناً، ينبغي أن تكون قيمته عادلة ومعقولة.

الحقّ في الحصول على الأجر بكامله، وحظر أيّ اقتطاع غير قانوني من الأجور.

في حالة إعسار صاحب العمل، تُعطى الأجور الأولوية من تصفية الموجودات.

عند انتهاء عقد الاستخدام، تُجرى تسوية نهائية لكلّ الأجور المستحقة خلال فترة زمنية معقولة.

وفي البحرين، ذكر وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني جميل حميدان أنّ 2,863 عاملاً يعملون في 18 شركة، لم يحصلوا على أجورهم بانتظام في عام 2018. وذكر أنّ مدّة تخلّف الشركات عن دفع الأجور تراوحت ما بين شهريْن و6 شهور.

ضحايا مرّتان

إلى جانب العمّال النظاميين الذين -رغم احتمائهم بعقود عمل- يتعرضون لسرقة الأجور، بسبب تحايل واستغلال أصحاب العمل؛ هناك مئات الآلاف من العمالة غير النظامية التي هي – في الواقع – أكثر فئات العمّال المهاجرين عرضة للتضرّر من سرقة الأجور، كونها خارج مظلّات التغطية القانونية، ويشار لهذه الفئة بـ “العمالة السائبة” أو “الفري فيزا”. وباستثناء السعودية، لا توجد أرقام واقعية لكلّ العمالة غير النظامية خليجياً، إذ إنّ سجلات الهجرة تظهر فقط أولئك المنتهية صلاحية إقامتهم، أو الذين أُلغيت إقاماتهم من قبل الكفيل، والذين يحمّلهم القانون ذنب المخالفة، رغم أنّهم مجبرون على الوضع المخالف لأنّ تجديد الإقامة لا بدّ أن يتمّ من خلال هذا الكفيل.

يصبح الأمر أكثر خطورة إذا ما كانت هناك تهمة “هروب” مسجّلة ضدّ العامل. وهؤلاء العمال هم الأشدّ خوفاً من انكشاف أمرهم، بغضّ النظر عن سبب الهروب، حتى وإن كان الانتهاك والإساءة، ذلك لأنّ تهم الهروب عقابها في دول الخليج: التوقيف والترحيل وأحياناً – كما في الكويت – يوضعون في القائمة السوداء، ويُحرمون من دخول البلاد ثانية لعددٍ من السنوات. أما في السعودية فعقوبة الهروب للعامل غرامة تعادل 13 ألف دولار، ثمّ الترحيل والحظر من دخول المملكة مرة أخرى. ولذلك فإنّ هؤلاء يصبحون – وهم يعملون في الخفاء – أكثر عرضة للاستغلال ولسرقة الأجور.

وبحسب ناشطة في حقوق العمال المهاجرين (فضلت عدم ذكر اسمها) فإنّ “الشكل الآخر من العمالة غير النظامية في الخليج هي تلك التي يفرزها استغلال نظام الكفالة للمتاجرة بالتأشيرات. حيث يستقدم أصحاب العمل – أو أفراد عاديون – المهاجرين تحت تأشيرة عامل أو عامل منزلي، ومن ثمّ يتمّ تسريحهم في سوق العمل مقابل مبالغ معلومة تتراوح ما بين 3,200–3,700 دولار أميركي يدفعها العامل للكفيل كلّ عاميْن. بعض العمال يأتون اختيارياً، وهم يعلمون بهذا الوضع وذلك تحت وطأة الحاجة في بلدانهم ووعود السماسرة بفرص العمل الوفيرة في الخليج“. وتضيف “في بعض الأحيان لا يجدد الكفيل التأشيرة، وليس لدى العامل القدرة على العودة، فيتورط في وضع قانوني خارج عن إرادته”.

قال محامٍ كويتي (فضّل عدم ذكر اسمه): “في الكويت يستقدم العمال لأصحاب عمل هم أطراف في عقود لمشاريع حكومية، فعلى سبيل المثال، يقوم عدد من أصحاب العمل في قطاع الإنشاءات باستقدام 300 عامل فيما يحتاج المشروع في الواقع 20 عاملاً فقط. ويتمّ تسريح البقية في السوق، إمّا مقابل مبالغ تُدفع لصاحب العمل، أو أن يتمّ “بيعهم” لشركات أخرى.

هؤلاء يتعرّضون أيضاً للاستغلال بسبب عدم القدرة على الانتقال إلى عمل آخر إلّا إذا كان صاحب العمل لديه عقود مع الحكومة. فلا يستطيع العمال الحصول على تصريح عمل جديد فيضطرون للقبول بأيّ أجر أقلّ مما تمّ الاتفاق عليه مع موظِّفهم، لحاجتهم للعمل، ويُستغلون بسبب عدم التزام الشركة التي جلبتهم بعقدها الأصلي الذي استقدمتهم من خلاله”.

ضحايا خلف أسوار المنازل

وتنضمّ لفئة العمالة المهاجرة المعرضة لسرقة الأجور، العمالة المنزلية، خصوصاً الإناث منهم، والتي تشكل 25% من إجمالي العمالة المهاجرة في دول الخليج، وذلك لخصوصية مكان عمل هذه الفئة غير القابل للخضوع للتفتيش، بالإضافة إلى أنّ قوانين العمل لا تغطيهم.

قادت البحرين دول الخليج في توفير الحماية لعمالة المنازل بإدخالها هذه الفئة تحت مظلة 13 بنداً من قانون العمل في عام 2012، فيما شرّعت دول الخليج الأخرى تباعاً، ماعدا عمان، قوانين خاصة بالعمالة المنزلية. إلّا أنّ ورقة لمعدَّة التحقيق بعنوان “العمالة المنزلية: نظرة مقارنة بين البحرين وبقية دول مجلس التعاون” أوضحت “أنّ هذه القوانين ما تزال ابتدائية في تعريف حقوق العمالة المنزلية وتحكمها ثقافة مجتمعية تتوجس من إعطاء هذه الفئة حقوقها كاملة ومساواتها بالحقوق التي تعرّفها قوانين العمل في هذه الدول، وكما تنصّ عليها اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين التي لم توقّع عليها أيٌّ من دول الخليج”. كما أنّ دول الخليج تستثني عمال المنازل من أنظمة حماية الأجور.

العمالة المهاجرة.. الوقود البشري لاقتصاد الخليج

يؤدي المهاجرون دوراً مهماً في بناء الاقتصادات الخليجية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. وخلال العقود الثلاثة الماضية، أسهموا في تحقيق النمو المتصاعد للاقتصادات الخليجية، حيث أسهم نمو المهاجرين بالنسبة الأكبر في النمو السكاني الذي بلغ 151.5% في دول الخليج الست.

وتشير الأرقام إلى زيادة أعداد المهاجرين بمقدار ثلاثة أضعاف زيادة المواطنين خلال العقود الثلاثة الماضية، فزاد المواطنون بنسبة 87.5% مقابل زيادة المهاجرين بنسبة 267.4%.

وفي هذه الفترة نمت اقتصادات الخليج وارتفع إجمالي الناتج المحلي (GDP) فيها من 210 مليارات دولار إلى 1,817 مليار دولار أي بنسبة (765%).

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-gcc-economy-growth

%

العمالة المهاجرة في دول الخليج من إجمالي العمالة المهاجرة في العالم

%

نسبة المهاجرين في دول الخليج من إجمالي المهاجرين عالمياً

%

نسبة المهاجرين في دول الخليج من إجمالي المهاجرين عالمياً

وبلغ عدد المهاجرين في دول الخليج 30 مليون شخص يشكلون 11% من إجمالي عدد المهاجرين عالمياً، البالغ 272 مليون مهاجر. ذلك رغم أنّ عدد سكان الدول الست مجتمعة لا يزيد عن 0,8% من سكان العالم، فيما تشكّل العمالة المهاجرة في دول الخليج ما نسبته 14.2% من إجمالي العمالة المهاجرة في العالم التي بلغت 169 مليون شخص بحسب منظمة العمل الدولية.

نسبة المهاجرات الإناث

المهاجرات الإناث يشكلن 28% من إجمالي المهاجرين في دول الخليج، و14,5% من إجمالي سكّان الخليج و3.1% من إجمالي المهاجرين في العالم.

%

من إجمالي المهاجرين في العالم

%

من إجمالي سكّان الخليج

%

من إجمالي المهاجرين في دول الخليج

الفترة الزمنية: ثلاثة عقود من 1990-2019 – المصدر: الأمم المتحدة والبنك الدولي.

إحصاءات السكان والعمالة في دول الخليج (ألف)

إجمالي القوى العاملة

عدد السكان
map-saudi-arabia

عمان

المركز الوطني للإحصاء-الفصل الرابع 2019

المهاجرات الإناث في دول الخليج (ألف)

كوفيد-19… “القوة القاهرة” من نصيب المهاجرين

تعتبر مشكلة سرقة الأجور من المشكلات المزمنة التي تعاني منها العمالة المهاجرة في الخليج، ولم تكن جائحة كوفيد-19 التي عصفت بالاقتصادات الخليجية والعالم، سوى رأس الدبوس الذي فقأ الدّمل، إذ أظهرت الجائحة انتهاكات الحقوق العمالية في درجتها الأسوأ.

وتقدمت سرقة الأجور هذه الانتهاكات في أثرها السيء على العمالة المهاجرة كون الهدف الأساسي من وجود هذه العمالة في الخليج هو كسب المعيشة لهم ولأسرهم في أوطانهم، كما أنّها سلطت الضوء على ثغرات القوانين العمالية وعلى العقبات التي يواجهها العمال المهاجرون إذا ما اضطروا لاستخدام آليات الشكوى والتقاضي المتاحة.

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

في نهاية عام 2019، كان قد مرّ عام على آخر أجر تسلّمه صدّيق من الشركة، وستة أشهر على آخر يوم عمل له. وبدأ يقلق من مماطلة الشركة في دفع مستحقاته، ولم يكن قد زار عائلته منذ خمسة أعوام.

دفعه اعتلال صحته إلى أن يقرر أخيراً تقديم شكوى لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية بحقّ الشركة.

يقول صدّيق: “مع دخول العام 2020، سمعنا أنّ فيروساً جديداً يضرب العالم، وقد نُمنع من السفر إن بقينا أكثر هنا، وأنا أريد أن أكون بين عائلتي، لم أكن أشعر بسنوات عمري تمضي عندما كنت أعمل، وفي كل عام أنوي العودة، تنتظرني التزامات مالية هناك تبقيني عاماً آخر”.

لم يعد صدّيق قادراً على الذهاب للمركز الصحي الحكومي بعد انتهاء صلاحية إقامته، ولم يعد بمقدوره شراء أدوية أمراضه المزمنة التي تكلّفه 106 دولارات شهرياً، أي ضعف المبلغ الزهيد الذي كانت تدفعه الشركة له ليعتاش منه، والأمر كذلك لبقية زملائه.

أخبرت الشركة صدّيق وزملاءه أنَّ السفر بات محظوراً وأنّ عليهم الانتظار. وطمأنتهم أنّ الوضع استثنائي ولا خوف من انتهاء صلاحية إقامتهم، لكنّهم ما زالوا غير قادرين على الوصول للرعاية الطبية، إلّا في حالة إصابتهم بفيروس كوفيد-19، حيث أعلنت الحكومة أنّها ستقدم العلاج للعمال المهاجرين دون النظر إلى الوضع القانوني لإقاماتهم.

في هذا الوقت توقف العمل الاعتيادي (الحضور) في الوزارات، فلم يعد صدّيق وزملاؤه قادرين على الذهاب لمتابعة شكواهم في وزارة العمل. كما لم تعد الشركة تتواصل معهم، وبقوا في سكنهم العمالي مهددين بالطرد بعد أن توقفت الشركة عن دفع الإيجار، وتركتهم يعيشون في وضع بائس على المساعدات المجتمعية لإنقاذهم من الجوع ومن انقطاعات الكهرباء في شهور الصيف الحارّة عندما ينتهي وقود المولّد بعد أن قطع مالك العقار عنهم الكهرباء.

رغم أنّ العمال المهاجرين يشكلون دعامة سوق العمل في الخليج، إذ يشكلون 83.8% من القوى العاملة فيه، إلّا أنّ استجابة الدول للوضع غير المسبوق الذي سببته الجائحة للاقتصاد، لم تضع في أولوياتها هؤلاء المهاجرين. فسارعت لمساعدة شركات القطاع الخاص، بتفعيل مواد “القوة القاهرة” في قوانينها لتسمح للشركات المتضررة بتخفيض رواتب العمال أو إجبارهم على أخذ إجازات مدفوعة أو غير مدفوعة فيما بدا -حقوقياً- وكأنّه مخرج قانوني لإجازة ممارسة سرقة الأجور في فترة الجائحة.

وفي الوقت نفسه، ساعدت الحكومات هذه الشركات بدفع رواتب المواطنين، ودفع الإيجارات والإعفاء من دفع رسوم تجديد تراخيص الإقامة والعمل للعمالة الأجنبية، الأمر الذي ترك العمال المهاجرين في القطاع الخاص وحدهم عرضة للتضرر من هذه الإجراءات “القهرية”.

إجراءات الحكومات الخليجية في مواجهة تأثيرات الجائحة على القطاع الخاص

الكويت

خالفت بعض الشركات المادة (28) من قانون العمل الكويتي رقم (6) لسنة 2010 التي تنصّ على أنّه “سواء كان عقد العمل محدد المدة أو غير محدد المدة، لا يجوز تخفيض أجر العامل خلال فترة سريان العقد، ويعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً”. ووفقاً لتقريرٍ لقناة الجزيرة فقد قامت الشركات بخفض أجور الموظفين بما يتراوح ما بين 30% و65% فيما أنهيت عقود البعض. ووافقت الحكومة مبدئياً على مشروع قانون بإضافة مادة جديدة إلى قانون العمل تسمح للشركات بالتفاوض مع موظفيها لخفض رواتبهم خلال الأزمات والكوارث، وكذلك منحهم إجازة براتب لكن البرلمان لم يُجِز مقترح خفض الرواتب في القطاع الخاص بنسبة 50%.

عُمان

أقرّت اللجنة العليا المكلّفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كوفيد-19، السماح للشركات المتأثرة، بتقديم الإجازات مدفوعة الأجر في القطاعات التي تمّ إغلاقها، والتفاوض لتخفيض الأجور لثلاثة أشهر مقابل تخفيض ساعات العمل، وفي الوقت الذي شددت فيه على إلزام مؤسسات القطاع الخاص بالمحافظة على استمرار عمل العمانيين وعدم إنهاء خدماتهم، حثتهم على ترحيل القوى العاملة غير العمانية نهائياً.

السعودية

فُعّلت لائحة “القوة القاهرة” لتخفيف تضرّر منشآت القطاع الخاص، والتي اشتملت عليها المذكرة التفسيرية للمادة رقم (41) من اللائحة التنظيمية لنظام العمل، والتي تسمح بتخفيض رواتب الموظفين بنسبة 40% لمدة 6 أشهر وإتاحة إنهاء العقود.

الإمارات

تمكين أصحاب العمل من خفض أجور العمال المهاجرين بتفعيل القرار (279) لعام 2020 في شأن استقرار العمالة في القطاع الخاص.

البحرين

تمّ تفعيل المادة (43) من قانون العمل التي تُجيز استحقاق العامل نصف أجره إذا حالت بينه وبين عمله أسباب قهرية خارجة عن إرادة صاحب العمل.

قطر

في قطر طلبت وزارة المالية من الوزارات والمؤسسات الحكومية تخفيض الكلفة الشهرية للموظفين غير القطريين بنسبة 30% إمّا بخفض الأجور أو إنهاء الخدمات. كما سمحت لشركتيْ قطر للبترول والخطوط الجوية القطرية بخفض الإنفاق وتسريح 20% من الموظفين غير القطريين.

وبحسب مرصد الأعمال وحقوق الإنسان الذي يتتبع الادّعاءات العامة بشأن انتهاكات متعلقة بالعمل، ضدّ العمال المهاجرين في الخليج، فإنّ هناك زيادة بنسبة 275% في مزاعم الانتهاكات في دول الخليج في الفترة الممتدة بين نيسان/أبريل إلى آب/أغسطس من عام 2020، مقارنة بنفس الفترة من العام 2019. ومن بين 80 حالة انتهاك سجّلها المرصد خلال هذه الفترة، شكلت حالات عدم دفع الأجور النسبة الكبرى عند مستوى 81,2%.

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-cases-gcc-mobile
Arij_Wage-theft-in-the-gulf-cases-gcc-mobile

في السعودية أنجزت المحاكم العمالية 31,766 دعوى خلال عام تفشي فيروس كوفيد-19 من آذار/مارس 2020 إلى آذار/مارس 2021، وشكلت دعاوى الأجور ما نسبته 59% منها. وتنوعت القضايا الأخرى ما بين طلب تعويض، وبدلات، ومكافآت وجميعها تقع تحت ممارسة سرقة الأجور.

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-cases-saudi-mobile
Arij_Wage-theft-in-the-gulf-cases-saudi-mobile

وذكر تقرير منشور على موقع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية البحرينية أنّها تسلمت 16,532 طلباً للتسوية العمالية خلال عام حتى تشرين أول/أكتوبر 2020، تمّ حلّ 50,3% منها ودّياً، كما تسلمت 14 شكوى جماعية تمّت تسويتها. ويوضح هذا الرقم زيادة نسبتها 52% عن شكاوى العام السابق.

ولم تتمكن معدّة التحقيق رغم التواصل مع الجهات المعنية في كلّ دول الخليج، من استيضاح طبيعة هذه الشكاوى، وما إذا كانت شكاوى بشأن عدم دفع الأجور. كما لم تتمكن من الحصول على أرقام القضايا العمالية، ولم تحصل على أيّة أرقام حول شكاوى أو قضايا عدم دفع الأجور في جميع دول الخليج التي شملها التحقيق.

وتضرّر العمال المهاجرون أيضاً في فترة الجائحة من توقّف الأجهزة الحكومية، بما فيها إدارات الشكاوى والمحاكم، وتعرّضها للضغط في أوقات عملها المحدودة. ففي الإمارات، أدّى توقّف المحاكم العمّالية إلى تأخير النظر في قضايا عدم دفع الأجور. كما ذكر ملخص اجتماع المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية الذي عُقد في شباط/فبراير 2021 “أنّ لجان النزاعات العمالية في قطر قلّلت طاقتها للعمل بسبب كوفيد-19 إلى 30%”، وأشار الملخص أيضاً إلى أنّ “أنظمة حماية الأجور في الخليج التي أُنشئت من أجل معاقبة أصحاب العمل المنتهكين لحقوق العمّال فيما يتعلق بالأجور، غرقت بالمخالفات. كما لم تتمكن صناديق التأمين في قطر والإمارات من استيعاب التحديات. فعلى سبيل المثال لم يتمكن صندوق قطر إلّا من صرف 3,85 مليون دولار لصالح 5,500 عامل حتى آب/أغسطس من عام 2020، فيما تبقت أعداد كبيرة ممن لم يتسلموا أجورهم”.

نزوح جماعي وتعاطف عالمي

ولا تتوفّر إحصاءات عن حجم العمالة المهاجرة التي تعرّضت للضرر في مصدر رزقها خلال الجائحة، إلّا أنّ أرقام نزوح المهاجرين من دول الخليج، نهائياً، خلال فترة الجائحة تُعتبر مؤشراً على ظرف غير اعتيادي دفع هؤلاء للخروج إما اضطراراً بسبب إنهاء خدماتهم، أو خوفاً من الاضطرار لذلك لاحقاً في ظلّ الإجراءات الحمائية التي تمّ استثناؤهم منها خلال الجائحة، وما رافقها من تصريحات حكومية لحثّ مؤسساتها على تسريع الإحلال، وتقليص وجود العمالة المهاجرة. وقدّرت مؤسسة التصنيف الائتماني ستاندرد أند بورز انخفاضاً مقداره 4% في عدد سكان دول الخليج الست خلال عام الجائحة عازية ذلك إلى تزايد معدلات فقدان الوظائف في الخليج.

وسهّلت حكومات الخليج طريق الخروج أمام العمالة المهاجرة غير النظامية بإطلاق برامج فترة العفو أو السماح والاستفادة من الإعفاء من غرامات المخالفات. وقد دعا هذا النزوح المقلق بشأن استلام هذا العدد من العمّال لمستحقاتهم، المنظمات الحقوقية العمالية الدولية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية للاستنفار وإطلاق حملة عالمية تدعو إلى إنشاء آليات قضائية عاجلة لاسترداد أجور العمال المهاجرين من أصحاب العمل، وللفت انتباه العالم لهذه الممارسات غير الإنسانية التي تُرتكب بحقّ العمال المهاجرين.

ما يجدر ذكره، أنّ ملتقى المهاجرين في آسيا MFA الذي قاد هذه الحملة – إلى جانب منظمات أخرى – وثّق حالات سرقة لأجور عمال مهاجرين في الخليج بلغت 1,465 حالة في جميع دول الخليج، خلال الفترة ما بين حزيران/يونيو 2020 وحتى أيار/مايو 2021 (الحالات عشوائية ومعتمدة على مبادرة الضحايا أو المنظمات التي تابعت الحالات، وبالتالي فهي تقدم نماذج لكنّها لا تعكس حجم المشكلة في كل بلد). وشكلت العمالة النظامية النسبة الأكبر من الحالات التي تمّ تسجيلها في جميع دول الخليج، ماعدا الكويت. ويؤشر ذلك إلى أنّ هؤلاء الضحايا تعرضوا لسرقة الأجور وهم على رأس العمل، وفي شركات كبرى، كما يدل على صعوبة مطالبة العمّال غير النظاميين بمستحقاتهم كون أغلبهم يعملون بدون عقود أو بالمياومة.

وكشفت قاعدة المعلومات التي حصلت عليها “أريج” بالتعاون مع MFA أنّ من بين هؤلاء بلغت نسبة الذكور 89% والإناث 11%، وأنّ غالبية هذه الحالات هي من الهند (51%)، والنيبال (31%)، وبنغلادش (10%)، والفلبين (7%)، وإندونيسيا (1%).

 

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-theft-cases_ar-mobile
Arij_Wage-theft-in-the-gulf-theft-cases_ar-mobile

مؤشرات الاتجار بالبشر

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-human-trafficking-indicators-ar

يكشف هذا التحقيق عن وجود ثمانية مؤشرات على الأقلّ من أصل 11 من مؤشرات العمل الجبري المشتقة من التجربة النظرية والعملية لبرنامج العمل الخاص التابع لمنظمة العمل الدولية لمكافحة العمل الجبري، الذي يُعتبر شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر. وتزداد خطورة هذه المؤشرات عند العلم بوجود قوانين تحرّم هذه الممارسات، إلّا أنّها أصبحت اعتيادية بسبب التراخي في تطبيق هذه القوانين والثغرات التي تعتريها، بالإضافة إلى هشاشة أوضاع المتضررين التي تحرمهم من اللجوء لطلب المساعدة والإنصاف.

أنواع سرقة الأجور

رصد محامون وناشطون في الخليج 17 نوعاً لسرقة الأجور في المنطقة تتفاوت في شيوعها بحسب فروقات صرامة القوانين المنظّمة للأجور والعلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل. وبالإضافة إلى الأجر الشهري، تطال سرقة الأجور بدلات العمل الإضافي ومستحقات الإجازات ونهاية الخدمة:

1- تتقاضى بعض وكالات التوظيف في دول المنشأ والمقصد رسوماً للتوظيف وتضع عبئاً على العامل الذي يقع تحت وطأة الدَّين رغم أنّ قوانين جميع دول الخليج -ما عدا الكويت- تحظر تسلم رسوم توظيف من العامل.

إبراهيم س. واحد من 120 عاملاً تعرضوا لسرقة الأجور أثناء الجائحة وتمّ ترحيلهم دون تسليمهم مستحقاتهم عن نهاية الخدمة بعد تأخير الأجور منذ عام 2017. وثّقت MFA لدفعهم ما بين 673–1,076 دولاراً لوكالة التوظيف في الهند لتوظيفهم في شركة إنشاءات كبرى في السعودية مملوكة مشاركة، لمستثمرين من السعودية والهند، توظّف نحو 10,000 عامل.

رسوم التوظيف

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-employment-fees_ar

2- تبديل الاتفاقية بأخرى، براتب أقلّ فور وصول العامل.

”يُخدع المهاجرون بتوريطهم في اتفاقيات مزدوجة، واحدة في البلد الأم، والأخرى عندما يصلون إلى بلد المقصد بشروط مختلفة، حينها يكون الوقت متأخراً، إذ يكونون قد أصبحوا تحت وطأة الدَّين ولا سبيل للتراجع”.

نصرة شاه، بروفيسور في كلية الاقتصاد بجامعة لاهور، عملت لمدة 30 سنة في جامعة الكويت أستاذة في علم السكان.

3- إنهاء الخدمات والترحيل دون تسوية المستحقات.

4- الابتزاز باحتجاز الجواز لتوقيع أوراق التسوية وإن كانت المستحقات غير كاملة.

احتجاز الجواز ممارسة سائدة في دول الخليج رغم أنّ جميع الدول يحظر قانونها ذلك.

Arij_stolen-wages-holding-passport

5- العمل بدون تأشيرة صالحة.

لا بدّ من موافقة صاحب العمل على تجديد التأشيرة.

في البحرين تعتبر المحاكمُ العاملَ غير مؤهل للمطالبة بمستحقاته عن فترة العمل أثناء انتهاء صلاحية تأشيرته، علماً بأنّ العامل لا يمكنه تجديد تأشيرته من تلقاء نفسه دون علم وموافقة صاحب العمل.

6- فترة العمل الإجبارية.

جميع دول الخليج لا تسمح بتغيير العامل لوظيفته إلّا بموافقة صاحب العمل، أو بعد مرور فترة معينة، ويستغل بعض أصحاب العمل هذه الفترة لإجبار العامل على العمل براتب قليل حتى انتهاء تلك الفترة.

7- عدم دفع مستحقات ساعات العمل الإضافية.

بعض القوانين تسمح لصاحب العمل بتشغيل العامل ساعات إضافية لبعض الوظائف كحراس الأمن مثلاً، فيتخذ عدد من أصحاب العمل ذلك ذريعة لذكره في العقد دون احتساب أجر إضافي.

8- التلاعب بمستحقات نهاية الخدمة.

تحتسب مستحقات نهاية الخدمة على أساس آخر أجر. بعض أصحاب العمل يدفعون هذه المستحقات للعامل مرّة كل سنتين فيحصل العامل على مبلغ أقل لأنّه سيخسر النسبة في زيادة الرَّاتب على مدى السنوات خصوصاً لهؤلاء الذين يعملون لسنوات طويلة وتزيد أجورهم خلالها تدريجياً.

9- تغيير التأشيرة لشركة أخرى لنفس صاحب العمل بعلم أو دون علم العامل.

تغيير السجل التجاري يحرم العامل من المطالبة بأيّة مستحقات مثل نهاية المدة بعد مرور عام من التحوّل إلى سجل آخر وإن كان باسم صاحب الشركة نفسه.

10- المماطلة.

تقديم الوعود من صاحب العمل للعامل بالدفع لإثنائه عن رفع دعوى، حتى يخسر العامل فرصته القانونية للمطالبة بالأجور المتأخرة والمستحقات. كذلك يخسر العامل التعويض عن الإنهاء غير المبرر للخدمة المتمثل في مستحقات الفترة المتبقية من العقد أو التعويض حسبما ينصّ عليه القانون، إذا تجاوزت مدة المطالبة القانونية (في البحرين على سبيل المثال لا يمكن المطالبة بالمستحقات العمالية بعد مرور عام على تاريخ انتهاء العقد).

11- احتفاظ صاحب العمل ببطاقات الصراف الآلي للعمال، وسحب المبالغ بعد إيداعها وتسليمها نقداً للعمال، بعض أصحاب العمل يسلمون العامل جزءاً من الأجر فقط أو يسلمونه متأخراً.

“تستغل بعض الشركات في الدولة ما فرضه القانون من التزام بدفع رواتب العمال عن طريق الإيداع البنكي وتقوم بالتحايل على القانون مستغلة فى ذلك عدم دراية العمال بحقوقهم وحاجتهم للعمل للوفاء بالتزاماتهم وتقوم بالاستحواذ على البطاقة البنكية للعامل لكي يتنسى لها الإيداع والسحب، وهذا الفعل يشكل عدة جرائم منها على سبيل المثال جريمة التزوير المعاقب عليها في قانون الجزاء الكويتي. وغايتها من ذلك هو تضليل العدالة فى حال مطالبة العامل بمستحقاته وإخفاء حقيقة راتبه الفعلي بشكل مخالف لقانون العمل الكويتي رقم (6) لسنة 2010”.

مشاري الحميضان-محامٍ كويتي

12- اقتطاع وسطاء التوظيف جزءاً من الأجر المتفق عليه للعمال، مخالفين بذلك الاتفاق المبرم بين الشركة وأصحاب العمل.

في جميع دول الخليج تكثر هذه الممارسة في قطاعات التنظيف والحراسة التي تعتمد مؤسسات حكومية وخاصة للحصول على خدماتها من خلال اتفاقيات فرعية.

13- استغلال معدلات الأجور المحددة في بعض القطاعات.

في الكويت هناك معدلات محددة للأجور بحسب القطاعات، ويقوم أصحاب العمل باستصدار تصاريح العمل لوظائف معينة بمرتبات محددة بحسب القطاع ليستفيدوا من المزايا المقدمة لأصحاب هذه المعدلات من الأجور، إلّا أنّهم بعد ذلك يغيرون الوظيفة إلى وظائف أخرى بمرتب آخر غير ما ينص عليه العقد. 

14- العمل على مدار الساعة لعاملات المنازل.

غالبية قوانين العمالة المنزلية في الخليج لا تحدد ساعات العمل، وبعضها يحدد أوقات الراحة بعدة ساعات في اليوم، ما يرفع ساعات العمل إلى 15 ساعة في اليوم مخالفاً المعدلات الدولية. ولا يوجد أيّ تعويض أو بدل لهذه الساعات الإضافية.

15- بعض السرقات تبدأ من دول الأصل بالاتفاق بين مكاتب التوظيف وأصحاب العمل أو الأُسَر المستقدمة للعمالة على عدم دفع أجر شهر أو أكثر لعاملة المنزل بعد الوصول لتقليل كلفة الاستقدام بالنسبة لصاحب العمل.

16- تشغيل عاملة المنزل ساعات طويلة وأحياناً إعارتها مجاناً لأقارب العائلة.

“لم أحصل على راتبي كاملاً وفي وقته أبداً منذ أن قدمت للعمل قبل 10 شهور. راتبي في العقد 235 دولاراً لكنني لم أستلم سوى ما بين 77 و105 دولارات أمريكية طيلة فترة عملي ثمّ طلب منى أن أعمل، وبدون مقابل، في منزل منفصل لابنة الأسرة التي طردت عاملتها. هربتُ من هذه المعاملة وما يزال جواز سفري معهم. أظنّ أنّهم قدموا دعوى ضدي بتهمة “الهروب”، لا أعرف، ولكن لا بدّ أنّهم فعلوا ذلك”.

سارة (26 عاماً) عاملة منزل كينية تعمل لدى أسرة في الرياض

17- عدم الدفع للعالقين في بلدانهم الأصل بعد انتهاء تأشيرتهم أثناء الجائحة وتجاهل أصحاب العمل تسديد مستحقاتهم.

“عاد إلى الهند قبل الجائحة وخلالها عدد كبير من العمال وعلقوا هناك، وانتهت تأشيراتهم، ولن يتمكنوا من العودة ما لم تجدد شركاتهم تأشيراتهم، البعض منهم عمل لسنوات طويلة تصل إلى 30 عاماً وبذلك خسروا مستحقاتهم من الأجور ومكافآت نهاية الخدمة، لم يجدد لهم أصحاب العمل لأنّهم يعرفون أنّ قيمة مستحقاتهم كبيرة”.

سوذير ثيرونيلاث- مدير الغوث الإنساني في الخليج التابع لـ world NRA council ورئيس صندوق الإغاثة التابع للسفارة الهندية في البحرين

أسباب سرقة الأجور

الكفالة… الغول الأكبر

تجتمع عدة أسباب لتجعل من سرقة الأجور – بشتى أشكالها – ممارسة أشبه بالاعتيادية أو المقبولة في أسواق العمل للعامل نفسه ولصاحب العمل وللمجتمع ككل. ويُعزى جانب كبير من اختلال ميزان القوة بين العمالة المهاجرة وأصحاب العمل إلى نظام الكفالة المطبّق في دول الخليج؛ إلى عهد الاستعمار البريطاني منذ عام 1928.

i

طوّر البريطانيون في البحرين، مبدأ الكفالة لأول مرة وذلك لتنظيم علاقة أصحاب العمل بالغواصين القادمين إلى البحرين. وذكر الباحث د. عمر الشهابي: “كان المسؤولون البريطانيون قد تولوا مسؤولية إصدار تأشيرات الدخول إلى البحرين، إذ كان دخول المسافرين إلى الجزيرة يتطلب اعتماد جوازات سفرهم من قبل الوكيل السياسي في البحرين، بالإضافة إلى الحصول على فيزا الدخول، وتمّ تأسيس نظام تفتيش الدخول في عام 1929 للمرة الأولى”.

واعتمدت السلطات البريطانية نظام الكفالة للسيطرة على العمال الوافدين في البحرين وبدأت بتطبيقه في الأجزاء الأخرى من الخليج الواقعة تحت الاستعمار البريطاني. إلا أنه – ومع استقلال جميع دول الخليج مع حلول عام 1971 – طُورت قوانين، فوَّضت بموجبها هذه الدول الكفيل المواطن للتعامل مع الوافدين، بعدما كانت تعتمد في السابق على السلطات البريطانية للتعامل مع الأجانب.

ما تتم الإشارة إليه حالياً بـ “نظام الكفالة“هو عبارة عن تشريعات تنظم الوضع القانوني للهجرة والإقامة في دول الخليج. ماعدا قطر التي كانت لديها قوانين منفصلة للكفالة وتمّ إلغاؤها.

نظام الكفالة في الخليج هو ما يشكل العلاقة القانونية بين صاحب العمل (الكفيل)، والعامل (المكفول)، والدولة، ولا يمكن لأيّ عامل دخول أيّ دولة خليجية دون أن يكون تحت كفالة أو مؤسسة. ورغم أنّ مصطلح “الكفالة” بمعناه الحرفي يبدو حمائياً للعامل، إلّا أنّ السلطة الكلية التي يمتلكها الكفيل لإصدار وتجديد وإلغاء تصريح عمل وإقامة المهاجر، يجعل هذه العلاقة أقرب إلى الاستعباد. ويتحكم النظام في شيئيْن أساسييْن يقيدان حرية العامل وهما: تغيير الوظيفة، والسفر. ويتحكم صاحب العمل في مصير العامل منذ دخوله البلد، وطيلة فترة إقامته وعمله وحركته فيها، وحتى خروجه منها.

وأجرت دول الخليج تعديلات على تشريعات الكفالة واحتفت – مع كل تعديل – بـ “إلغائها” لنظام الكفالة، لكنّ الغوص في التعديلات يوضح أنّ التعديلات طفيفة وذات إجراءات معقدة ولا تكفّ يد صاحب العمل – بشكل صارم – عن تقييد العامل. وأنّها لم تُلغِ بشكل كامل سوى موافقة صاحب العمل على خروج العامل من البلد في أربع دول من أصل الست. وظلّت موافقة صاحب العمل أساسية لدخول العامل للبلد. وكذلك قدرته على تغيير الوظيفة ما عدا في البحرين والسعودية حيث يُسمح بذلك بشرط مرور عام على العمل لدى الكفيل الأصلي ولا يُسمح في الدول الأخرى إلّا بعد مرور عاميْن وأكثر أو بانتهاء مدة العقد. أما عمالة المنازل فلا يُسمح لها بتغيير الوظيفة إلّا بعد انتهاء العقد أو بوجود انتهاكات.

وانفردت البحرين في عام 2017 بتقديم “نظام التصريح المرن” الذي يسمح للعامل الأجنبي الموجود أصلاً في البحرين بتحويل كفالته لتكون ذاتية، إلّا أنّها أخرجته بذلك من مظلّة قانون العمل لأنَه بتحوّله لم يعد عاملاً وإنّما رب عمل، ما قد يزيد من هشاشة وضعه لعدم قدرته على اللجوء إلى المحاكم العمالية في حال تعرّضه للانتهاك. كما أنّ النظام يقتضي دفع رسوم باهظة تصل إلى 2,100 دولار أميركي في العام و3,906 دولارات أمريكية للعاميْن، وهي تقارب تلك التي يدفعها العمال غير النظاميين للسماسرة والوسطاء على طول الطريق بين بلديْ المنشأ والمقصد.

استغلال وابتزاز

يُفرز نظام الكفالة عدداً من الممارسات كنشوء سوق لتجارة التأشيرات، وخلق طبقة من السماسرة الاستغلاليين، وفي مقابلهم فئة من العمالة غير النظامية، كما أنّه يورّط العامل في وضع غير قانوني بعدم تجديد الكفيل لإقامته وبالتالي يسقط عنه حقّ المطالبة بأجره خلال تلك الفترة. الأمر الذي يضع مسؤولية على دول الأصل في توعية مواطنيها بحقوقهم المالية وبالقوانين المنظمة لعلاقاتهم مع أصحاب العمل وبتبعات المخالفات المتعمدة أو غير المتعمدة على أوضاعهم في دول المقصد.

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

وهذا ما تعرّض له صدّيق عندما أراد أن يقاضي الشركة، إذ نبَّهه المحامي بمرور أكثر من عام على عدم تسلّمه أجره ومستحقاته كان خلالها يركن لتأكيدات الشركة بدفع المستحقات ودياً من خلال وزارة العمل التي تقدّم (هو وزملاؤه) أمامها بالشكوى.

ولم يكن صدّيق يعلم بغرض الشركة من المماطلة إلّا بعد مرور الفترة القانونية لرفع القضية، حين انتبه أنّ ممثل الشركة لم يعد يردّ على اتصالاتهم المتكررة.

كان آخر راتب تسلّمه صدّيق وقدره 1,396 دولاراً في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، وظلّ بعدها يعمل لمدّة 7 شهور من دون أجر، على وعد من الشركة بالتسوية، فلم يتقدم بشكوى رسمية حتى كانون الأول/ديسمبر من عام 2019، ما أسقط حقّه في مقاضاة الشركة أمام المحكمة العمالية.

ورغم أنّ جميع قوانين دول الخليج تحظر مصادرة جواز سفر العامل، إلّا أنّ هذه الممارسة تعتبر اعتيادية ولا يُتخذ ضدّ مرتكبها أيّ إجراء قانوني أكثر من تنبيهه لإرجاع الجواز، عدا قطر (التي يفرض القانون فيها غرامة تصل إلى 6,600 دولار أمريكي مع إرجاع الجواز)، في الوقت الذي تعتبر فيه هذه الممارسة أداةً رئيسية في ميل ميزان القوة بين الطرفيْن، ويسهل معها ابتزاز العامل للتنازل عن حقوقه إذا ما أراد السفر أو تغيير وظيفته.

تعتبر منظمة الهجرة الدولية مصادرة جواز السفر مؤشراً رئيسياً لحالات العمل القسري

مصادرة جواز السفر

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-holding-passport

 – المصدر: ILO Fact sheet

وتعاني عاملات المنازل خصوصاً من هذه الممارسة التي تزيد من هشاشة وضعهنّ، ويضاعف ذلك من سهولة تقديم شكوى “الهروب” في أيّ وقت تحاول العاملة فيه الخروج لتستفيد من الآليات الموجودة للمطالبة بحقوقها. 

محامٍ كويتي (فضَّل عدم ذكر اسمه) اعتبر نظام الكفالة سيئاً ليس في حقّ العمّال فحسب، وإنّما بحقّ أصحاب العمل أيضاً، كونه “يُجبرهم” ليكونوا سيئين في سبيل المحافظة على ديمومة أعمالهم. وهناك دائماً تخوّف من كلا الطرفين، وهذا الخلل يمكن إصلاحه إذا ما أصبح العامل كفيل نفسه. “أتمنّى أن يحدث هذا في الكويت، وأن تكون هناك اتفاقيات رسمية تنظم العلاقة بين الطرفيْن، لا بدّ من تغيير نظام الكفالة حتى يصبح بالإمكان تعديل القوانين واللوائح التي تندرج تحته”.

الفزّاعة

وتُعتَبَرُ تهمة الهروب هي الفزّاعة التي يخشاها العمّال الوافدون، وبالأخصّ عاملات المنازل. تقول المحامية الكويتية مي الطراروة من الدائرة القانونية في جمعية العمل الاجتماعي الكويتية إنّه يجب ألّا يكون أمر تقديم شكوى الهروب بهذه السهولة، وأن يتطلّب الأمر تقديم دليل على عدم حضور العامل للعمل أساساً. "أكثر ما يخيفني كمحامية هو تأخير القضية الأصلية، ولذلك نتواصل مع العاملين في الإدارات المعنية للمسارعة بتسجيل العامل بأنّه المشتكي قبل أن يقدم صاحب عمله شكوى بالهروب. فالترحيل الذي هو عقوبة الهروب، يعني وضع العامل على القائمة السوداء، ومنعه من دخول الكويت ودول الخليج لخمس سنوات".

في مجموعة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي ضمت 4,200 من المهاجرين العاملين في السعودية (من بينهم المتعاونة في هذا التحقيق) كان الحديث السائد هو تأخير الأجور وعدم دفعها، وعن تبعات الهروب إذا ما قرر المتضررون ترك مكان العمل بعد شهور من عدم استلام أجورهم. ومن المجموعة نفسها تمّ اختيار 30 عاملة عشوائياً، غالبيتهن عاملات منازل، وسُئلن إذا ما كنّ قد تعرضن لتأخير في دفع الراتب، فأجابت 66% من المجموعة بـ (نعم)، لكنّهن أجمعن على أنّ عاملات المنازل هنّ الأكثر عرضة للاستغلال بحكم ظروف عملهن.

الفزّاعة

وتعتبر تهمة الهروب هي الفزاعة التي يخشاها العمال الوافدون، بالأخص عاملات المنازل. تقول المحامية الكويتية مي الطراروة من الدائرة القانونية بجمعية العمل الاجتماعي الكويتية إنه يجب ألا يكون أمر تقديم شكوى الهروب بهذه السهولة، وأن يتطلب الأمر تقديم دليل على عدم حضور العامل للعمل أساسا. أكثر ما يخيفني كمحامية هو تأخير القضية الأصلية، ولذلك نتواصل مع العاملين في الإدارات المعنية للمسارعة بتسجيل العامل بأنه المشتكي قبل أن يقدم صاحب عمله شكوى بالهروب. فالترحيل الذي هو عقوبة الهروب، يعني وضع العامل على القائمة السوداء، ويُمنع من دخول الكويت ودول الخليج لخمس سنوات.

في مجموعة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي ضمت 4,200 من المهاجرين العاملين في السعودية (من بينها المتعاونة في هذا التحقيق) كان الحديث السائد هو تأخير الأجور وعدم دفعها، وعن تبعات الهروب إذا ما قرر المتضررون ترك مكان العمل بعد شهور من عدم اسالمحامية مي الطراروة تلام أجورهم “. ومن المجموعة نفسها تم اختيار 30 عاملة، عشوائيا غالبيتهن عاملات منازل وسئلن عما إذا تعرضن لتأخير في الراتب، فأجابت 66% من المجموعة بـ (نعم)، لكنهن أجمعن على أن عاملات المنازل هن الأكثر عرضة للاستغلال بحكم ظروف عملهن”.

آليات إنصاف متطورة… ولكن

تتشابه دول الخليج في آليات الشكوى والتقاضي التي تبدأ من وزارات وهيئات العمل. جميع دول الخليج لديها محاكم عمّالية لكنّ المهاجرين يواجهون صعوبات عند الحاجة للّجوء إليها، أولها اعتماد اللغة العربية في العقود، وحتى إن وُجدت نسخة مترجمة فإنّ النسخة العربية هي ما يعتدّ به. كما أنّ المتابعات والإخطارات تُرسَل بالعربية من خلال الرَّسائل النَّصية.

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

يحمل صدّيق في جيبه دائماً ورقةً كُتب عليها كامل مستحقاته، وبطاقة مراجعة كُتب عليها اسم الوزارة والدائرة بالعربية، وحتى رقم الهاتف المخصص للمراجعة مكتوب بالأرقام العربية.

أمّا التحدي الأكبر الذي يواجه العمّال فهو فقدان الوظيفة عندما يتقدّم العامل بشكوى أو عند رفعه قضية ضدّ صاحب العمل. وهو السبب الرئيسي في تحمّل العمال لقدر كبير من الإساءة قبل أن يتوجهوا للقضاء. لأنّ عدم نجاح التسوية التي تبدأ بها وزارات وهيئات العمل أو الملاحق العمالية لدى السفارات، يعني تحوّل القضية مباشرة إلى المحاكم العمّالية، كما في الإمارات والسعودية، أو أن يتحتم على العامل أن يتوجه بنفسه أو يوكّل من ينوب عنه لرفع الدعوى في المحكمة كما في البحرين.

 

 

لغة العقود

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-contract-language_ar

وفي جميع الأحوال، على العامل أن يتدبّر أمر معيشته ومسكنه خلال فترة التقاضي. بالإضافة إلى عبء التنقل لمتابعة الجلسات، وقد تتحمل عاملات المنازل هذا العبء بدرجة أكبر، لأنّ خروج العاملة من منزل صاحب العمل للشكوى يعني أنّها قد تتعرض لتهمة الهروب، التي تُعتبر الطريق الأقصر لأصحاب العمل المسيئين للتخلّي عن مسؤولياتهم، علاوة على صعوبة الحصول على مأوى حتى تسوية الشكوى أو الحكم في قضيتها لو اختارت الذهاب للمحاكم، خصوصاً أنّ الملاجئ مخصصة في الغالب لضحايا الانتهاكات الجسدية والجنسية.

المحامية مي الطراروة تتتبّع الصعوبات التي تواجهها عاملة المنزل منذ خروجها من بيت صاحب العمل: “إذا أخذت العاملة خطوة الخروج للشكوى فهي لا تعلم أين موقع إدارة الشكاوى، وهي عبارة عن إدارة صغيرة في منطقة الرميثية، وعليها تحمّل تكاليف المواصلات. كثيرات من العاملات لا يتحدثن العربية فيما أغلبية الموظفين لا يتحدثون الإنجليزية كلغة مشتركة، وإن كانت الإدارة تفعل ما بوسعها للمساعدة”. وتؤكد أنّ عامل اللغة يعتبر عائقاً كبيراً أمام عمّال القطاع الخاص وعاملات المنازل.

تتكرر المشكلة نفسها في دول الخليج، ما عدا الإمارات التي توفّر خدمات الشكوى إلكترونياً عبر تطبيق “تدبير” بالعربية والإنجليزية والهندية، وقطر التي توفر تطبيق “آمرني” بالعربية والإنجليزية.

واعتبر خبير عمّالي دولي، فضَّل عدم ذكر اسمه “أنّ مقاضاة صاحب العمل تُعتبر أمراً مكلفاً ويستغرق وقتاً طويلاً لمعظم ضحايا سرقة الأجور. خصوصاً أنّ صدور الحكم لصالح العامل لا يعني أنّ الشركة ستتوقف عن عدم دفع الأجور، لعدم وجود مساءلة صارمة بعد إغلاق القضية”.

نظام يعاقب لكنّه لا يعوّض

رغم أهمية أنظمة حماية الأجور كأداة رقابية، إلّا أنّها ما زالت قاصرة في الخليج –حيث يعود تطبيق أقدمها في الإمارات إلى عام 2009، تليها السعودية (2013)، وعُمان (2014)، والكويت وقطر (2015) والبحرين (2021)– عن تحقيق الحماية الكاملة لجميع العمالة المهاجرة التي ما يزال رُبعها –وهي العمالة المنزلية في الخليج– خارج التغطية الإلزامية. كما أنّ عقوبات أصحاب العمل المخالفين إدارية وليست جنائية، رغم حجم الضرر الذي ينال ضحايا سرقة الأجور والذي يمتد إلى عائلاتهم. فصاحب العمل المخالف يُدان بدفع غرامات تذهب إلى خزينة الحكومة ولا تعوّض العامل.

 وطبّقت دول الخليج نظام حماية الأجور تباعاً بإيداع أجور العمال، ما عدا عمالة المنازل، في البنوك والمؤسسات المالية وربطها بوزارات العمل لمراقبة دفع الأجور كاملة وبانتظام، إلّا أنّ هذه الأنظمة لا يمكنها مراقبة سرقة الأجور بعدم دفع الأجر الإضافي، ولا تمنع سرقة الأجر باحتفاظ صاحب العمل ببطاقة الصراف الآلي وسحب الراتب وتسليمه للعامل منقوصاً.

طريقة دفع الأجور

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-payment-method_ar

ينتقد الباحث راي جريديني أنظمة حماية الأجور في الخليج بـ ”أنّها ليست مصممة، حتى الآن، لحماية الأجور وأنّها تعمل للتأكد من وجود سجلّ لأجور العمال المدفوعة في وقتها. وربما تُدفع الأجور لأغلب العمال وبانتظام، إلّا أنّ هذه الأنظمة تترك عدداً من الأبواب مفتوحة لأصحاب العمل عديمي الضمير لتطويع النظام لصالحهم وإيقاع الضرر بعمّالهم”.

ويرى المسؤول الفني في مكتب منظمة العمل الدولية في الكويت أنس شاكر، أنّ من الممارسات الفضلى التي من الممكن الأخذ بها، العمل على تعزيز دور لجان مكافحة الاتجار بالبشر في مراقبة سوق العمل لمؤشرات العمل الجبري المؤدي إلى الاتجار بالبشر وفي حالة الشبهة، إحالة القضايا العمالية المختلفة إلى التحقيق الجنائي للنظر في قضايا العمل الجبري والاتجار بالبشر.

وتخشى د. نصرة شاه، أن تسوء الأمور أكثر، فالوضع يبدو غائماً، وكلّما طالت المدة وواصل العمال العمل في أوضاعهم غير النظامية فلن يحصلوا على وظيفة أخرى وتسوء أوضاعهم أكثر. وترى أنّ المهاجرين والدول المرسلة نفسها لا قوّة لها، فهي بحاجة لتحويلات المهاجرين خصوصاً في ظل أوضاع البطالة فيها، وهذا يعني تراجع الحماية. من جهة أخرى ترى شاه أنّ “التحول لاقتصاد المعرفة سيقلّل فرص منخفضي المهارات الموجودين بكثافة الآن في الخليج لصالح متوسطي ومرتفعي المهارات، فعلى سبيل لن تتوفر أعمال لعمال الإنشاءات منخفضي المهارة.

وتتطرق شاه إلى الآثار النفسية التي تترتب على سرقة الأجور مشيرة إلى أنّ 99.99% من المهاجرين يأتون للخليج للعمل وللكسب من هذا العمل، فعندما لا يتحقق هذا الهدف، ويتعرض العمّال للانتهاك في هذا الجانب فمن الطبيعي أن يكون وقع ذلك كبيراً على أوضاعهم النفسية.

“والدي لم يعد كما كان في كلّ مرة يزورنا فيه، فهو شارد البال دائماً ويشعر بالظلم من حرمانه من مستحقاته، وبالخيبة من عدم صرامة وزارة العمل مع شركته لدفع مستحقاته”.

– سامريها، ابنة صدّيق

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

قام صدّيق قبل مغادرته، بمساندة إحدى جمعيات المجتمع المدني، بتوكيل محامٍ ليرفع دعوى للمطالبة بمستحقاته.

وما يزال المحامي –بعد مرور 7 شهور على مغادرة صدّيق حتى وقت كتابة التحقيق– يحاول الحصول على مستحقات صدّيق وزملائه أمام القضاء، دون فائدة.

ويؤكد غويس “أهمية إيجاد آلية دولية للمطالبة باسترداد مستحقات العمال المهاجرين. فدول الخليج ستستمر حاجتها للعمالة، ولن تتمكن دول المنشأ من امتصاص أعداد الباحثين عن عمل، وبالتالي سوف تستمر هذه المشكلة. ولكن الحل يكمن في وضع أطر تشريعية قوية من شأنها أن تحمي حقوق العمال المهاجرين، ولا بدّ من وضع إجراءات استثنائية للتعامل مع هذا الكم الهائل من حالات سرقة الأجور الذي تفاقم بشكل كبير جرّاء جائحة كورونا”.

ويؤكد: “أنّ العمال المهاجرين، وهم الفئة الأكثر هشاشة، سُحقوا أثناء هذه الأزمة. وأنّ ما حدث، بالتأكيد، هو جريمة كبرى لم يتأثر بها العمال المهاجرون فحسب، وإنّما عائلاتهم في الوطن وأبناؤهم، وإذا لم نعالج هذه المسألة بالشكل المناسب، سيُنظر إلينا على أننا أسوأ جيل، والأكثر أنانية في التاريخ. وستشهد الأجيال القادمة على معالجتنا السيئة لهذه الأزمة”.

ملاحظة: جميع الجداول تمّ إعدادها اعتمادا على ILO fact sheets لجميع دول الخليج

ساهم في إجراء المقابلات والمعلومات القـُطرية

من الكويت: زينب السماك

من عُمان: ميثاء العلياني

MFA-logo

“شكر وتقدير لملتقى المهاجرين في آسيا MFA على الدعم والمعلومات لإعداد هذا التحقيق”

Arij_Wage-theft-in-the-gulf-seddiq

تمّ تغيير الاسم الحقيقي لصاحب القصة في التحقيق إلى صدّيق شهاب.