في شتاء عام 2024، انتشرت في الأردن موجة من القصص عن أشخاص فقدوا مدخراتهم في مشروعات تروج لنفسها تحت مظلة "العملات الرقمية". وبدا أن هذه الحكايات، التي ظهرت كأنها حالات فردية معزولة، تخفي نمطاً متكرراً لعمليات احتيال منظمة.
وتبين أن خيوط هذه الحالات ترتبط بشبكة وسطاء، ومنصات تداول وهمية تعمل في الخفاء، لبيع "وهم" تحقيق الثراء السريع.
م.ك، مستثمر عربي، وأحد ضحايا الشركات والمنصات الوهمية الناشطة تحت عباءة "الاستثمار الرقمي" في الأردن. دفعه طموح توسيع نشاطه الاستثماري، إلى قبول عرض من مجموعة من الأشخاص العاملين في الشركة التي يستثمر فيها، بالانضمام إلى شركة ناشئة جديدة، بصدد إطلاقها، تهدف لتشغيل كبار المستثمرين. لم تكن الوعود عادية، فقد أوهم أصحاب المبادرة م.ك بأن المشروع مدعوم من بعض أقاربهم النافذين؛ أحدهما نائب في مجلس النواب الأردني، والآخر شغل سابقاً منصب رئيس هيئة الأوراق المالية الأردنية.
أودع م.ك، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مبلغاً قدره 150 ألف دولار في الشركة الجديدة، تلاها إيداع آخر بالقيمة ذاتها، آملاً في تحقيق عوائد ضخمة. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر في واجهة حسابه ما اعتقد أنها أرباح متراكمة، بلغت 300 ألف و439 دولاراً أميركياً، وأصبح رصيد حسابه 700 ألف دولار.
لكن عندما تقدّم بطلب سحب 300 ألف دولار، بدأ القائمون على المنصة بالتذرع بحجج مصرفية بعدم القدرة على سحب المبلغ كاملاً، وفقاً لما ورد في الشكوى المقدمة للمدعي العام في عمّان، التي رفعها لاحقاً. وفي 23 كانون الأول/ديسمبر 2024، فوجئ م.ك بسحب كامل المبلغ، وتحوّل واجهة حسابه إلى "للمشاهدة فقط". بالإضافة إلى اختفاء ما تبقى من رصيده، وهو قرابة 405 آلاف دولار دون سابق إنذار، بحسب أوراق الشكوى المقدمة.
تواصل م.ك مع هيئة الأوراق المالية الأردنية للاستفسار عن الوضع القانوني للشركة، وتبيّن له أنها غير مرخصة ولا تحمل أي صفة رسمية. تقدم بشكوى رسمية إلى المدعي العام في عمّان، يتهم فيها القائمين على المنصة بالاحتيال، استناداً إلى المادة (417)، والسرقة وفق المادة (399) من قانون العقوبات الأردني.
تنويه قانوني: التزاماً بالقوانين الأردنية، التي تمنع نشر تفاصيل القضايا قيد التحقيق، وتفادياً للمساءلة القانونية التي قد تترتب في حال حفظ القضية، أو منع محاكمة المشتكى عليهم، حُذفت جميع الأسماء من هذا التحقيق.
قضية م.ك، التي لا تزال قيد النظر لدى المدعي العام، تسلط الضوء على أحد أشكال الاحتيال المرتبط بالشركات الوهمية، لكنها ليست الوحيدة؛ إذ تتنوع الأساليب، لتشمل أيضاً منصات لتشغيل الأموال تعمل من خلال وسطاء.
التقينا "سحر" -اسم مستعار– في السابعة والعشرين من عمرها. لم تكن تسعى وراء مغامرة مالية، بل دافعها كان مساعدة أصدقائها ومعارفها على تحسين أوضاعهم المالية. لهذا، لم تتردد عندما عُرض عليها أن تكون وسيطة في مشروع استثماري يُروّج لـ "عملة رقمية"، ويَعِد بعوائد مغرية.
في البداية، بدت الآلية سهلة وبعيدة عن الشبهات: كلما جمّعت مجموعة من خمسة أشخاص، يدفع كل منهم 300 دولار أميركي على الأقل، تحصل هي على مكافأة قدرها 50 ديناراً أردنياً. لكن المكافأة تحولت لاحقاً إلى "عبء ثقيل"، على حد وصفها.
بعد أسابيع قليلة، بدأت تتكشف خيوط الحكاية. اتضح أن المشروع لا يتعدى كونه مجموعة على تطبيق "تيليغرام"، تُدار من حساب مجهول الهوية بحسب سحر، وأن الأموال المحوّلة لا تصل إلى أي كيان قانوني أو مشروع استثماري حقيقي.
مع مرور الوقت، بدأ أصدقاؤها ومعارفها يسلّمونها أموالهم بثقة تامة، مدفوعين بإيمانهم بها كحلقة وصل بينهم وبين ما كانت تصفه بـ "فرصة العمر". في مجموعات الدردشة على تطبيقات التواصل، أبدت فتيات عديدة إعجابهن بحماسها وإصرارها على نجاح المشروع، الذي بدا في نظرهن أكثر جدوى من دخل وظائفهن المتواضعة، أو مدخراتهن المحدودة.
كثيرات اعتقدن أن هذه العملات الرقمية ستمنحهن دخلاً ثابتاً، وربما أرباحاً تصل إلى ألف دولار شهرياً. لكنّ المفاجأة كانت حين اختفى صاحب الحساب فجأة، وأُغلق الرابط الوحيد الذي كان يربطهن به، وهو مجموعة "تيليغرام".
في لحظات، تبخّرت الأرصدة وضاعت الأموال. عجزت سحر عن مواجهة أسئلة الضحايا، بعدما أصبحت دموعهم تلاحقها في كل مكان.
حلم "الثراء السريع" أوقع بحالات كثيرة في شباك الخداع والاحتيال؛ من بينها س. ب، التي وجدت نفسها داخل مجموعة رقمية عبر تطبيق "تيليغرام"، يديرها شخص يُقدّم نفسه كرجل أعمال مختص في العملات الرقمية، ويدّعي أنه يحمل جنسية عربية ويُقيم في الأردن.
في غضون أشهر ، كانت س. ب قد حوّلت نحو 37 ألف دولار ، ظناً منها أنها تشارك في مشروع استثماري حقيقي، سيُدرّ عليها أرباحاً خلال شهرين أو ثلاثة. لكنّ الواقع كان مختلفاً تماماً. فجأة، وصلها الخبر الصادم: المشروع خسر كامل رأس المال بسبب "تقلبات السوق"، على حدّ تعبير القائمين على المجموعة.قبل أن يغادر الرجل البلاد، بعيداً عن أي مساءلة قانونية.
في لحظات الصدمة الأولى، تكررت بين الضحايا الأسئلة ذاتها: لمن نشتكي؟ وكيف نثبت ما حدث؟ بالنسبة لـ "س. ب"، لم تكن تملك سوى بضع إيصالات مكتوبة بخط يد "المحتال"، تُشير إلى استلامه مبالغ منها، لكنها كانت تدرك أن تقديم شكوى رسمية لن يُفضي إلى نهاية سعيدة، لأن العملية من أساسها لم تكن قائمة على أي إطار قانوني.
كانت تعلم أن فتح التحقيق قد يقود إلى طريق مسدود، وأن تتبّع الخيوط سيوصلها إلى نقطة مظلمة؛ فغالباً ما ترتبط الحسابات الرقمية المستخدمة في مثل هذه العمليات بأرقام هواتف وهمية، وأسماء أشخاص غير معروفين، وحسابات مصرفية مبعثرة، دون سند قانوني واضح.
أمام هذا الواقع المربك، يُسارع العديد من الضحايا إلى التخلي عن فكرة اللجوء إلى القضاء، إما خشية من نظرة المجتمع، أو تفادياً لسنوات طويلة من التقاضي، تكون الأموال المنهوبة قد استقرت في حسابات مجهولة، تحميها حدود إلكترونية عابرة للدول.
لا تتوفر إحصائيات رسمية دقيقة عن حجم الخسائر، لكنّ تقديرات خبير الأمن السيبراني، مجدي القبالين، تشير إلى أن إجمالي الأموال التي ضخها الأردنيون في تلك المنصات الوهمية يبلغ نحو عشرات الملايين من الدنانير.
من جهته، يوضح المحامي محمد الساكت، أن هذه المنصات لا تمتلك أي وجود قانوني فعلي؛ فهي غير مسجلة في السجلات التجارية، ولا تخضع لأي جهة رقابية مالية أو تنظيمية. ويضيف أن الغاية الوحيدة من إنشائها هي جمع أكبر قدر ممكن من الأموال خلال فترة وجيزة، ثم الانسحاب المفاجئ، وترك الضحايا أمام طريق مسدود.
وعند إغلاق المنصة، كما يؤكد الساكت، تتلاشى كل آمال الاسترداد، ويجد الضحايا أنفسهم عالقين بين خجل اجتماعي من الإبلاغ، أو جهل بمعرفة الجهات المخوّلة بالتعامل مع هذه القضايا. وفي النهاية، يقفون أمام خيارين: إما الاعتراف بأنهم وقعوا ضحية خداع ممنهج، أو الانسحاب بصمت، في انتظار حق قد لا يسترده أحد.
من الناحية القانونية، يجرم قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 عمليات الاحتيال المالي عبر الوسائط الرقمية، حيث تنص المادة العاشرة منه، على معاقبة كلّ من يستولي دون حق على مال منقول أو غير منقول باستخدام وسائل إلكترونية، بالحبس لمدة لا تقل عن عام، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني.
وفي المادة الثانية عشرة، يفرض القانون عقوبة على كل من يحاول إخفاء هويته باستخدام عنوان بروتوكولي وهمي، بهدف ارتكاب جريمة، وذلك بالحبس لمدة ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 2500 دينار.
إلا أن ضعف الأدلة الرقمية، وتوزع المتورطين في دول متعددة، واستخدام أدوات تقنية لإخفاء الهوية مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، كلها عوامل تحد من قدرة السلطات على تتبع الجناة وتقديمهم للمساءلة؛ ما يجعل الكثير من القضايا تنتهي من دون محاسبة حقيقية.
يوضح خبير الأمن السيبراني، يوسف نهاد حسن، أنّ الوسطاء المحليين يقومون بدور محوري في إنجاح عمليات الاحتيال؛ إذ ينتشرون في مناطق عمّان وإربد والرمثا والمناطق الريفية التابعة لها، حيث تسود الثقة الشخصية داخل تلك التجمعات من أصدقاء وجيران.
ويستغل هؤلاء الوسطاء علاقاتهم الاجتماعية لنقل صورة خادعة للمجتمع، توحي بوجود فرصة استثمارية موثوقة"، في حين لا تعدو تلك المنصات كونها واجهات مزيفة.
وعندما سألنا سحر عن مصدر قصص النجاح التي كان يرويها الوسطاء لتشجيع الآخرين على الاستثمار، لم تجد إجابة مقنعة، فسرعان ما اتضح أن تلك "القصص" لم تكن سوى روايات مختلقة نسجها المحتالون لتبدو وكأنها تجارب حقيقية.
ولم تقتصر الدّعاية على الرسائل النصية ومجموعات الدردشة فقط؛ بل امتدّت إلى إعلانات مدفوعة على منصة "فيسبوك". كانت هذه الإعلانات، تطمئن المستهدفين بعائد شهري يصل إلى 30 في المئة، وتزعم أن المنصة مرخصة من جهات عربية أو دولية، وتملك مقرات في دبي أو قبرص أو لندن.
يوضح المحامي صخر الخصاونة، أن القانون الأردني يحظر التداول بأي عملة غير الدينار الأردني، بما في ذلك العملات الرقمية. إلا أن هذا الحظر لم يحد من انتشار المنصات الوهمية؛ إذ لا يحتاج الأمر سوى تحميل تطبيق تداول بواجهة جذابة، ليتمكّن أي شخص من شراء عملات رقمية من الأسواق العالمية.
في كل مرة تبحث فيها الضحية عن مرجعية قانونية، تصطدم بإجابة واحدة: لا يستطيع القانون ردع طموحات الربح السريع، خاصة عندما يتوارى القائمون على هذه المشروعات خلف منصات افتراضية، مستخدمين أدوات تقنية لإخفاء مواقعهم الحقيقية.
وإذا حاولت الضحية تتبع مسار الأموال، تجد أن الحسابات المصرفية مسجلة بأسماء وهمية ورموز مشفرة، لا تقود إلى أي هوية حقيقية.
تؤكد وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في الأمن العام الأردني أنها تتلقى الشكاوى بشأن الاحتيال الرقمي، وتباشر بفتح ملفات تحقيق في الأساليب المستخدمة في هذا النوع من عمليات الاحتيال.
يبدأ التحقيق الأولي بجمع الأدلة الرقمية المتوفرة، بما في ذلك المحادثات، والروابط، وحسابات الدفع الإلكتروني، ثم تخاطب الإدارة شركات الاتصالات والبنوك لتتبع حركة الأموال وتحديد مصدرها.
يوضح عامر السرطاوي، الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام، أن المحققين يلجؤون في بعض القضايا إلى التعاون والتنسيق مع جهات دولية، لتعقب القائمين على المنصات إذا كانوا خارج حدود الأردن. أما في حال تحديد موقع المشتبه فيهم داخل المملكة، فيتم إصدار مذكرة توقيف، ويجرى ضبط أجهزة الحاسوب والهواتف. بعد ذلك، تُحال الأدلة إلى مختبر الأدلة الرقمية لإعداد تقرير فني يوثق آليات الاحتيال والاختراق المستخدمة، ليستكمل الملف ويحول إلى المدعي العام لاتخاذ الإجراءات القانونية.
في هذه اللحظة، يقف كثيرون على حافة اليأس، لا يجدون سوى الصمت، والخجل من مواجهة مجتمع لا يرحم. وهكذا، تنزلق القضية إلى دائرة قانونية غامضة.
في كثير من الحالات، تجد الضحية نفسها وحيدة مستندة إلى إثباتات بدائية؛ كرسالة مكتوبة بخط يد المحتال تؤكد استلام مبلغ مالي، دون أن تعرف من يجب أن تُقاضي: الوسيط المحلي، أم الشخص الذي قد يكون في دولة أخرى؟
في خضم هذا الواقع، تظهر دعوات من خبراء إلى ضرورة سن تشريعات واضحة تتجاوز الاكتفاء بتجريم التداول بالعملات الرقمية. ويرى بعضهم أن المعالجة القانونية يجب أن تتضمن اشتراطات صارمة، في مقدمتها إلزام الشركات العاملة في هذا المجال، بتقديم ضمانات مالية وكفالات مصرفية موثوقة. كما يشددون على منع أي منصة من العمل داخل الأردن ما لم تُثبت "ملاءتها المالية" وتقدم تراخيص شفافة.
ويرى آخرون أن إدراج دور الوسطاء ضمن دائرة المساءلة القانونية أمر بالغ الأهمية. فحين يكون الوسيط شريكاً في الترويج للمنصة، ويسهم في جمع الأموال، فإن من الواجب تحميله المسؤولية ذاتها التي تقع على عاتق القائمين على المنصة الأصلية، حتى وإن لم تطأ قدماه العاصمة عمان.
وبرغم الحظر القانوني، يلاحظ الخبراء أن انتشار التكنولوجيا الرقمية سهّل على الأفراد تجاوز الحظر. فبمجرد تحميل تطبيق تداول على الهاتف، يمكن لأي شخص فتح حساب دولي وشراء العملات الرقمية والبدء بالتداول، حتى وإن كانت الشركة المشغلة خارج الأردن.
وعلى صعيد القضايا المسجلة، تشير بيانات الأمن العام إلى ارتفاع ملحوظ في عدد قضايا الاحتيال الرقمي؛ إذ سُجّلت ألفان و246 قضية في عام 2023، وارتفع العدد إلى سبعة آلاف و895 قضية عام 2024. هذا التصاعد في عدد القضايا يُبرز مدى اتساع الظاهرة، في وقت لا تزال فيه نسبة القضايا التي تفضي بتوقيف الجناة أو استرجاع الأموال منخفضة جداً، مقارنة بعدد الضحايا الفعليين.
في النهاية، فإن قصة سحر وغيرها لا تروى لمجرد سرد المعاناة، بل لتحمل درساً في وقت تتكاثر فيه الواجهات الرقمية ويشتد فيه الازدحام بين الفرص الحقيقية والوهمية، وسط بيئة رقمية غير منظمة، وتشريعات لا تزال قاصرة عن ملاحقة التطور التقني السريع.
لذلك، فإن التفكير مرتين قبل الوثوق بأي منصة، ليس خياراً، بل ضرورة لحماية المدخرات من أن تتحول إلى رقم جديد في قوائم الوهم.
أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج