لا ضمانات
بالمجمل، أعادت إسرائيل اعتقال 229 من الأسرى المحررين في الصفقة (38
أسيراً في الحرب الأخيرة على قطاع غزة)، على فترات متفاوتة ما يعني أن
واحداً من كل خمسة أسرى تعرض للاعتقال مرة واحدة على الأقل.
تعرض منتصر زعاقيق من بلدة بيت أُمر شمال الخليل للاعتقال نحو ثلاثين
مرة وفقا لأخيه، آخرها كانت في الفترة بين عامي 2019 و2022. في التاسع
من تشرين الأول/أكتوبر 2023،خلال مشاركته في تشييع جنازة شاب قتل برصاص
الجيش الإسرائيلي، قنص جندي إسرائيلي زعاقيق وتوفي على الفور جراء
رصاصة اخترقت رأسه مباشرة.
يكشف قدورة فارس، الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى والمحررين
الفلسطينيين، أن اسرائيل وخلال صياغتها لشروط الصفقات وجلوسها على
طاولة المفاوضات مع المقاومة الفلسطينية، تعمل على إيجاد ثغرات قانونية
تسمح لها بإعادة اعتقال أسرى الصفقات كما حدث في صفقة شاليط: "في صفقة
شاليط، وفي ظل المفاوضات كانت إسرائيل تعد قانوناً وكتابة مسوغ قانوني
يسمح لها بإعادة اعتقال الأسرى المحررين بالصفقة على خلفية ملفاتهم
السابقة، وهو ما حدث مع نحو 60 من الأسرى المحررين والذين اعتقلوا
وأعيدت لهم أحكامهم السابقة والحكم المؤبد".
وفق رد الجيش الإسرائيلي، على أسئلة وجهتها مؤسسة Paper Trail Media
فإن إسرائيل اعتقلت عدداً من الأسرى عام 2014 عقب ما سمّته عملية "حارس
الأخ"، وذلك في إطار "إجراءات جنائية جديدة" بزعم ارتكابهم "مخالفات".
وفي الحالات التي تعذّر فيها استخدام الأدلة ضدهم، تولّت لجنة خاصة،
أُنشئت بموجب قانون إسرائيلي، مراجعة "ملفات سرية" لتحديد ما إذا كان
ينبغي إلغاء تخفيض العقوبة. وقال الجيش إن قرارات هذه اللجنة كانت
خاضعة للمراجعة القضائية.
قدمت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين التماسات للمحكمة
الاسرائيلية العليا لإعادة النظر بقضايا الأسرى المعاد اعتقالهم مع
أحكامهم السابقة، على أساس أن هذا الاعتقال انتهاك لاتفاق سياسي، لكنها
رفضتها جميعاً. وصرح فارس أنهم تقدموا بطلبات للوسطاء والضامنين لصفقة
شاليط لكن ذلك كله "لم يجد، لا المحكمة أجدت ولا المناشدات أجدت، فظلوا
معتقلين إلى وقت قريب حين أطلق سراحهم".
صلاح حموري، محام وناشط قانوني في مؤسسة الضمير، هو أيضاً أسير محرر
بصفقة شاليط تعرض للملاحقة والإبعاد القسري إلى فرنسا بعد سحب هويته
المقدسية، يؤكد أنه كان مهيئاً نفسياً للاعتقال مرة أخرى، وهو ما حدث
فعلاً، وانتهى الأمر بإبعاده خارج فلسطين. ويضيف أن الاحتلال يعمل على
كسر كل اتفاق في رسالة للفلسطينيين "أن لا شيء يضمن أمن الفلسطيني"،
ورسالة أخرى للإسرائيليين أن "إسرائيل لا تقدم تنازلات وأن لها اليد
العليا في تقرير مصير كل فلسطيني".
يقول حموري إن ميثاق روما واتفاقية جنيف الرابعة تنطبقان على الأسرى
الفلسطينيين كون فلسطين دولة تعيش تحت احتلال. وكانت المفوضية السامية
للأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد عبرت عن قلقها إزاء إبعاد الأسرى خارج
حدود فلسطين، لافتة إلى أن ذلك قد يشكل "تهجيراً قسرياً" في الحالات
التي تغيب فيها الموافقة الحرة والمستنيرة. ويرى حموري أنه مع عدم وجود
ضمانات دولية لمثل هذه الصفقات، فإن اسرائيل ستستمر في ضغطها على
الفلسطينيين للاستسلام اتجاه صفقات التبادل.
من جهة أخرى، أدانت منظمة الحق لحقوق الإنسان الفلسطينية ما تسميه
إسرائيل بالقتل المستهدف ووصفتها بعمليات قتل خارج نطاق القضاء، وكانت
قد اعتبرتها في تقرير نشر عام 2006 بأنها "أصبحت رمزاً لاستخفاف
إسرائيل بالقانون الدولي، ولثقافة الإفلات من العقاب التي تُحيط بهذه
الانتهاكات".
تقول فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة للأراضي
الفلسطينية المحتلة في منشور على صفحتها، إن "تاريخ إسرائيل الطويل في
تنفيذ الاغتيالات داخل فلسطين وخارجها لم يعد من المقبول أن يظل بلا
محاسبة. يجب أن تكون التحقيقات المستقلة والشفافة والمساءلة جزءاً من
طريق تحقيق السلام".
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) في المادة
السادسة منه على أنه "لا يجوز حرمان أي شخص من حياته تعسفاً"، وأن "
الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان"
صفقات تبادل جديدة… ومشهد يتكرر
بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 2025، وقعت حماس وإسرائيل على اتفاق لوقف
إطلاق النار في غزة وعقد صفقة تبادل للأسرى بينهما. دخل الاتفاق حيز
التنفيذ يوم الـ 19 من الشهر نفسه، وبدأت ثماني جولات من تبادل الأسرى،
أطلقت حماس بموجبها 25 اسرائيلياً و8 جثث و5 عمال تايلنديين. بالمقابل،
أفرجت اسرائيل عن 1777 أسيراً فلسطينياً، من بينهم 72 امرأة، و95
طفلاً، و275 محكوماً بالمؤبد، و295 من أصحاب الأحكام العالية، وألف من
معتقلي قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بالإضافة إلى 41 من
محرري صفقة شاليط الذين تم اعتقالهم وإعادة أحكامهم السابقة عقب
تحريرهم المرة الأولى، من بينهم خضر راضي.
"كنا قبل يوم (من الإفراج) نقبع داخل جهنم… قبور حقيقية تحت التراب"،
بهذه العبارة وصف يوسف السكافي أسير محرر للمرة الأولى، سجون الاحتلال
الاسرائيلي قبل أن يخرج للحرية يوم 8 شباط/فبراير 2025 ضمن صفقة "طوفان
الاحرار" ويتم إبعاده إلى مصر.
يحكي يوسف -المحكوم بأربعة مؤبدات أمضى منها 21 عاماً- تفاصيل الأيام
الاثني عشر التي سبقت خروجه، بعد أن ورد اسمه ضمن الصفقة: "12 يوماً
كانت عذاباً حقيقياً"، إلا أن أصعب ليلة كانت تلك التي سبقت الإفراج
"مارسوا ضدنا كل إجراءات القمع، والله، والله، لا قرأت ولا سمعت عن
احتلال قام بهذه الأعمال الوحشية التي قاموا بها!"، بحسب يوسف.
"بلشت الإجراءات تم تقييدنا من الخلف والشد على الكلبشات ولما يفكوها
كنا نعاني يوم أو يومين من آثارهم ولحد الآن أعاني من آثارها وكنا
ننجرح منهم ونوقع من الجر لغاية الآن بعض الضربات بيدي ورجلي موجودة
بسبب الكلبشات… واحنا كلنا طلعنا مرضى أوزاننا نزلت اللي نزل 40 كيلو
و35 كيلو… بعدها ودونا على زنزانة اوبعد الظهر تقريبا اجت باصات
"النحشون"... حملونا بالباصات بالضرب والشتم وطبعا أول ما عرفت
رايحين ع النقب عرفت إنه أنا مبعد".
يسترجع يوسف ذكريات ليلته الأخيرة بالسجن: "أجوا تقريبا الساعة 11
بالليل، كبلونا للساعة 3:30 ومن مكتب لمكتب على الركب نمشي، ومارسوا
ضدنا إجراءات قمع وحشية لأنهم مش قادرين يصدقوا إنه احنا طالعين". قُيد
بإسوارة كتب عليها "لن نغفر ولن نسامح الشعب الأبدي لن ينسى ما جرى
أطارد أعدائي وأمسك بهم".
يؤكد يوسف أن ما يحصل للأسير المحرر ضمن الصفقات أصعب بكثير من أيام
بقائه بالأسر، وكأن السجانين يقيمون حفل وداع على طريقتهم الوحشية
لهؤلاء الأسرى.
"لن نسامحكم ولن نغفر لكم ورح تظل عيوننا عليكم"، هذا ما قالته إدارة
السجون للأسرى الذين خرجوا بالصفقة في إشارة إلى الملاحقة الدائمة لهم
حتى لو كانوا خارج السجون. يضيف يوسف "توجهوا لشباب غزة تحديداً
وحكولهم: الصاروخ بستناكم، صاروخك موجود!"
يمتنع العديد من المحررين الجدد والذين لا يزالون في الضفة الغربية عن
الحركة خارج حدود مناطقهم، خشية مواجهة الاعتقال من جديد.
وأغلب من حاولنا التواصل معهم من محرري صفقة شاليط أو أهاليهم، يمتنعون
عن الحديث خوفاً على حياتهم، لا سيما بعد عمليات الاستهداف المتعمدة
للأسرى وقتل البعض، واعتقال الكثير واستهداف منازلهم، حتى تلك التي
نزحوا منها ليذهب ضحية الاستهداف آخرون، واستهداف أماكن نزوحهم أكثر من
مرة، أو حتى قتل أفراد أسرهم، بحسب الدوائر المقربة التي تواصلنا معها.
لم يقدم الجيش الإسرائيلي أي رد بشأن اغتيال عبد العزيز صالحة أو أي من
الحالات الأخرى الواردة في التحقيق، باستثناء حالتي فادي دويك وزكريا
نجيب، حيث أشار إلى أنهما كانا "مسؤولين رفيعين في حركة حماس".
وذكر الجيش في رده أنه يستهدف فقط الأفراد المنتمين إلى جماعات مسلحة
منظمة أو المشاركين بشكل مباشر في الأعمال العدائية، ولا يقوم باستهداف
الأفراد بدافع الانتقام أو الرد بالمثل.
أما فيما يتعلق بهجوميّ تل السلطان (مجزرة البركسات) ومستشفى الشفاء،
فقال الجيش إنه تم فتح تحقيق فيهما، وأُحيلت نتائجهما إلى المدعي
العسكري العام لاتخاذ القرار بشأن الخطوات اللاحقة.
ولم يقدّم الجيش أي معلومات حول مجزرة الخيام في تل السلطان، في حين
ادعى أنه في حادثتي مخيم الشاطئ ومستشفى الشفاء جرى استهداف
"إرهابيين". وقال إن كل عملية عسكرية "تم وفق توجيهات الجيش، التي تلزم
القادة بتطبيق المبادئ الأساسية لقانون النزاعات المسلحة، ولا سيما
مبادئ التمييز، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة، على حد تعبيره.
سيناريو ملاحقة إسرائيل للأسرى المحررين في الصفقات يتكرر اليوم. ففي
الحرب الأخيرة على قطاع غزة اعتقلت إسرائيل أكثر من 17 ألف فلسطيني. في
المقابل أفرجت في صفقات التبادل عن 2017 أسير وأسيرة. حتى تاريخ نشر
التحقيق كانت إسرائيل قد استهدفت الأسرى المحررين الجدد، فقتلت أربعة
وأعادت اعتقال نحو 35 منهم. في مشهد يؤكد أن الحبل على الجرار، وأن هذه
الحالات لن تكون الأخيرة.
يوسف السكافي وخضر راضي كلاهما يعانق الحرية اليوم (حتى تاريخ نشر
التحقيق).
بين الحرية والخوف منها يصف السكافي التحرر من الأسر بـ"الخروج من قاع
جهنم ومن داخل قبور حقيقية مليئة بالتراب". لكن شيئا لا يضمن الحرية أو
حتى الحياة.
اعتمد التحقيق على جمع وتتبع بيانات محرري صفقة شاليط عبر مراحل
متعددة، شملت حصر أسمائهم من الدفعتين الأولى والثانية، ومقارنتها
بالمصادر الإخبارية ووكالة "وفا"، التي وفرت تفاصيل عن الأحكام وشروط
الإفراج. لاحقاً، جرى رصد من أعيد اعتقالهم وجمع معلومات محدثة عن
أوضاعهم من المصادر المفتوحة والتواصل مع ذويهم، إضافة إلى متابعة
التقارير الميدانية. كما تم توثيق حالات قتل بعض المحررين عبر
البيانات العسكرية الإسرائيلية والتقارير الصحفية، رغم صعوبة المهمة،
خصوصا مع استمرار عمليات استهدافهم، وكان آخرها مقتل خمسة منهم
المبعدين إلى غزة قبل (أيام) من نشر التحقيق: أمجد أبو عرقوب، وبلال
زرّاع، ورياض عسلية، ومحمود أبو سرية، ومحمود إبراهيم الدحبور.
أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج
نشر هذا التحقيق بالعربية في المواقع التالية: