ينشر هذا التحقيق بشراكة مع Follow The Money
في مستودع بإقليم كاتلونيا الإسباني، يسابق عمال مؤسسة ديكسالس الزمن في مواجهة تدفق مستمر من القمصان القطنية والسترات الأكريليكية، وسراويل الجينز المصنوعة من البوليستر، في حين يقوم عمال الفرز بتصنيفها بشكل محموم حسب الجودة والحجم والحالة. يبدو الهدف بسيطاً: إعداد هذه الملابس لإعادة بيعها للأوروبيين الراغبين في تبني ما يسمى بـ"الموضة المستدامة".
وبالنسبة للعديد من الأوروبيين، يُعدّ شراء الملابس المستعملة والتبرع بها عملاً من شأنه أن يُقلّل الآثار السلبية في البيئة والمجتمع. لكن هذه التجارة على وشك الانهيار، مع عواقب وخيمة على البيئة.
لكن ماريا سواو، التي تشرف على العمليات في مؤسسة ديكسالس الاجتماعية الصغيرة غير الربحية، تعرف ما هو أبعد من طاولات الفرز؛ "إنهم يغرقون في ثنايا أكوام الملابس".
تقول وهي تتأمل أكوام الأقمشة المحيطة بها: "قبل ثلاث سنوات، كنا نجمع بشكل انتقائي ما بين 14 و15 في المئة من نفايات المنسوجات، وكنا نعاني ضغطاً هائلاً"، مضيفة: "تخيلوا ماذا سيحدث عندما نضطر إلى البدء في جمع الـ80 في المئة المتبقية التي ينتهي المطاف بها حالياً في مكبات النفايات أو المحارق. إن هذا الجمع الإلزامي للمنسوجات يثير قلقنا".
تشير ماريا إلى الأمر التوجيهي الصادر من الاتحاد الأوروبي بشأن النفايات، الذي يطالب الدول الأعضاء، منذ أوائل عام 2025، بجمع كل المنسوجات بشكل منفصل، وهو ما يشكل حجر الزاوية في رؤية بروكسل لـ"الاقتصاد الدائري" (نظام اقتصادي يهدف إلى تقليل الهدر). على الورق، تَعد هذه السياسة بالاستدامة؛ لكن في الواقع، قد تؤدي إلى مشكلة من نوع آخر تتمثل في خلق مسار جديد يتسبب في إطلاق الكربون بكثافة، ما يقوض أهداف الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمناخ.
ونظراً لعدم قدرتهم على التعامل مع الكم الهائل من الملابس، بدأت بعض جهات الفرز في إرسال تلك الملابس إلى المناطق الحرة في دبي أو مناطق تجهيز الصادرات في باكستان؛ إذ تقطع آلاف الكيلومترات، عبر رحلات طويلة وغير شفافة، حيث تُفرز وتُتداول بعيداً عن الرقابة الأوروبية.
وبحسب تقرير صادر عن أكسفورد أكونميكس عام 2023، كانت الإمارات أكبر وجهة، خارج الاتحاد الأوروبي، لصادرات الملابس المستعملة من الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة، تليها باكستان. لا يعاد استخدام غالبية هذه الملابس محلياً، بل تفرز ويعاد تصديرها إلى الأسواق الإفريقية؛ مثل كينيا وموزمبيق وتنزانيا.
كُشفت هذه المسارات الملتوية عن طريق تتبع 28 جهاز AirTag (جهاز تتبع إلكتروني)، مخبأ في الملابس المتبرع بها في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. ظهر 12 جهازاً في الإمارات وباكستان والمغرب وتونس وسريلانكا وأوروبا الشرقية؛ ما رسم خريطة لسلسلة التوريد الخفية التي تعمل بعيداً عن "الاقتصاد الدائري".
بعض هذه الملابس المُصدَّرة تعود إلى أوروبا، مكملة بذلك نوعاً من "التدوير" المشوه الذي يُضاعف الانبعاثات بدلاً من تقليلها. ووفقاً لتحليل بصمة الكربون الذي أجرته شركة "أف تي أم"، فإن الفرز في الإمارات يُضاعف الانبعاثات بمعدل ثلاث مرات مقارنة بالمعالجة المحلية، و12 ضعفاً عند النقل الجوي.
تؤكد هيلين فريتزون، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، أن "الهدف من القواعد الجديدة هو تحسين الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية لصناعة النسيج"، مضيفة: "من الواضح أن شحن البضائع إلى أوروبا ومنها يهدد بتقويض هذا الهدف".
بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لإغراق نظام مُتكدِّس بالفعل بملايين الأطنان الإضافية من المنسوجات المجمعة، يبرز سؤال واحد لا مفر منه: هل رؤية "الاقتصاد الدائري" في أوروبا تؤدي إلى الاستدامة، أم تخلق سلسلة إمداد أطول وأكثر تلوثاً مغلفة بخطاب أخضر صديق للبيئة؟