وَهْم إعادة التدوير

كيف تغذي الملابس المستعملة في أوروبا تجارة سرية تضاعف انبعاثات الكربون ثلاث مرات؟

أيقونة مستخدم
روليكا بيسليو، وهلينا رودريجيز جوميز، وفيتوريا تورسيلو
أيقونة ساعة
27 نوفمبر 2025

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

يكشف هذا التحقيق العابر للحدود أن نظام الملابس المستعملة في أوروبا، الذي يُروّج له بالمستدام، يغذي تجارة خفية تضاعف انبعاثات الكربون ثلاث مرات، وتحول الكلفة البيئية للصناعة إلى الخارج. بعد نحو تسعة أشهر من العمل على التحقيق، وبالاستناد إلى بيانات تجارية حصرية، وتحليل مخصص للبصمة الكربونية، وأنظمة التتبع بأجهزة AirTag، ووثائق جمركية حصرية، نكشف كيف حول الإفراط في إنتاج الأزياء السريعة، والثغرات القانونية، وضعف إنفاذ القوانين، واللوجستيات الغامضة، عملية تدوير الملابس إلى عبء مناخي.

ينشر هذا التحقيق بشراكة مع Follow The Money

في مستودع بإقليم كاتلونيا الإسباني، يسابق عمال مؤسسة ديكسالس الزمن في مواجهة تدفق مستمر من القمصان القطنية والسترات الأكريليكية، وسراويل الجينز المصنوعة من البوليستر، في حين يقوم عمال الفرز بتصنيفها بشكل محموم حسب الجودة والحجم والحالة. يبدو الهدف بسيطاً: إعداد هذه الملابس لإعادة بيعها للأوروبيين الراغبين في تبني ما يسمى بـ"الموضة المستدامة".

وبالنسبة للعديد من الأوروبيين، يُعدّ شراء الملابس المستعملة والتبرع بها عملاً من شأنه أن يُقلّل الآثار السلبية في البيئة والمجتمع. لكن هذه التجارة على وشك الانهيار، مع عواقب وخيمة على البيئة.

لكن ماريا سواو، التي تشرف على العمليات في مؤسسة ديكسالس الاجتماعية الصغيرة غير الربحية، تعرف ما هو أبعد من طاولات الفرز؛ "إنهم يغرقون في ثنايا أكوام الملابس".

تقول وهي تتأمل أكوام الأقمشة المحيطة بها: "قبل ثلاث سنوات، كنا نجمع بشكل انتقائي ما بين 14 و15 في المئة من نفايات المنسوجات، وكنا نعاني ضغطاً هائلاً"، مضيفة: "تخيلوا ماذا سيحدث عندما نضطر إلى البدء في جمع الـ80 في المئة المتبقية التي ينتهي المطاف بها حالياً في مكبات النفايات أو المحارق. إن هذا الجمع الإلزامي للمنسوجات يثير قلقنا".

تشير ماريا إلى الأمر التوجيهي الصادر من الاتحاد الأوروبي بشأن النفايات، الذي يطالب الدول الأعضاء، منذ أوائل عام 2025، بجمع كل المنسوجات بشكل منفصل، وهو ما يشكل حجر الزاوية في رؤية بروكسل لـ"الاقتصاد الدائري" (نظام اقتصادي يهدف إلى تقليل الهدر). على الورق، تَعد هذه السياسة بالاستدامة؛ لكن في الواقع، قد تؤدي إلى مشكلة من نوع آخر تتمثل في خلق مسار جديد يتسبب في إطلاق الكربون بكثافة، ما يقوض أهداف الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمناخ.

ونظراً لعدم قدرتهم على التعامل مع الكم الهائل من الملابس، بدأت بعض جهات الفرز في إرسال تلك الملابس إلى المناطق الحرة في دبي أو مناطق تجهيز الصادرات في باكستان؛ إذ تقطع آلاف الكيلومترات، عبر رحلات طويلة وغير شفافة، حيث تُفرز وتُتداول بعيداً عن الرقابة الأوروبية.

وبحسب تقرير صادر عن أكسفورد أكونميكس عام 2023، كانت الإمارات أكبر وجهة، خارج الاتحاد الأوروبي، لصادرات الملابس المستعملة من الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة، تليها باكستان. لا يعاد استخدام غالبية هذه الملابس محلياً، بل تفرز ويعاد تصديرها إلى الأسواق الإفريقية؛ مثل كينيا وموزمبيق وتنزانيا.

كُشفت هذه المسارات الملتوية عن طريق تتبع 28 جهاز AirTag (جهاز تتبع إلكتروني)، مخبأ في الملابس المتبرع بها في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. ظهر 12 جهازاً في الإمارات وباكستان والمغرب وتونس وسريلانكا وأوروبا الشرقية؛ ما رسم خريطة لسلسلة التوريد الخفية التي تعمل بعيداً عن "الاقتصاد الدائري".

بعض هذه الملابس المُصدَّرة تعود إلى أوروبا، مكملة بذلك نوعاً من "التدوير" المشوه الذي يُضاعف الانبعاثات بدلاً من تقليلها. ووفقاً لتحليل بصمة الكربون الذي أجرته شركة "أف تي أم"، فإن الفرز في الإمارات يُضاعف الانبعاثات بمعدل ثلاث مرات مقارنة بالمعالجة المحلية، و12 ضعفاً عند النقل الجوي.

تؤكد هيلين فريتزون، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، أن "الهدف من القواعد الجديدة هو تحسين الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية لصناعة النسيج"، مضيفة: "من الواضح أن شحن البضائع إلى أوروبا ومنها يهدد بتقويض هذا الهدف".

بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لإغراق نظام مُتكدِّس بالفعل بملايين الأطنان الإضافية من المنسوجات المجمعة، يبرز سؤال واحد لا مفر منه: هل رؤية "الاقتصاد الدائري" في أوروبا تؤدي إلى الاستدامة، أم تخلق سلسلة إمداد أطول وأكثر تلوثاً مغلفة بخطاب أخضر صديق للبيئة؟

تم إنشاء الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي

نظام تحت الضغط:

عنق الزجاجة في صناعة النسيج الأوروبية

تنبع الأزمة من عاصفة من التغييرات، حوّلت فارزي المنسوجات في الاتحاد الأوروبي إلى ضحايا لقوى السوق التي لا يستطيعون التحكم فيها.

لقد غمرت شركات الأزياء الأوروبية العملاقة -مثل إنديتكس وإتش آند إم، إلى جانب شركات الأزياء السريعة العملاقة مثل شين وتيمو في الصين- السوق بملابس رخيصة الثمن، مصممة لارتدائها لفترة وجيزة قبل التخلص منها.

يأتي السباق نحو الأسعار المنخفضة على حساب الجودة، ففي سبيل الحفاظ على تلك الأسعار؛ لجأت العلامات التجارية إلى استخدام مواد صناعية أقل في التكلفة والجودة؛ مثل البوليستر.

على عكس الأقمشة القطنية والصوفية المتينة، الشائعة في العقود الماضية، تتلف المواد الصناعية بسرعة؛ فيتغير شكلها، وتتمزق بسهولة، وتتفكك بعد بضع مرات من الغسيل.

تقول أورشكا ترانك من مؤسسة Changing Markets Foundation (مؤسسة السوق المتغيرة): "إن إنتاج ملابس ذات جودة منخفضة بإفراط، ليس جيداً بما يكفي لإعادة استخدامها أو تدويرها".

وفي الوقت نفسه، أدى انخفاض الأسعار إلى إضعاف أسواق التصدير التقليدية؛ فقد كانت دول إفريقية مثل غانا وكينيا وأوغندا، في يوم من الأيام، منافذ موثوقة للمنسوجات المستعملة في أوروبا.

يتضح هذا بالمقارنة بين عامي 2019 و2023، فقد صُدّر نحو 46 في المئة من الملابس المستعملة إلى إفريقيا عام 2019. وبحلول عام 2023، انخفض هذا الرقم إلى 43.2 في المئة.

يقول كريستوف بوغارت من دينو (Denuo)، الاتحاد البلجيكي لإعادة التدوير وإدارة النفايات: "تبيع العلامات التجارية للأزياء السريعة الملابس الجديدة بأسعار رخيصة للغاية، فتتنافس مباشرة مع الملابس الأوروبية المستعملة في الأسواق الإفريقية".

أدى التفاوت بين حجم التجميع وطلب السوق إلى خلق أزمة لوجستية خانقة؛ فالمستودعات تعج بالمخزون غير القابل للبيع. ويواجه الجميع، من أصغر مُنتِج إلى أكبره، المشكلات نفسها.

يقول زولتان غونديش، من أريتكس، وهي جمعية رومانية تُعنى بالابتكار والاستدامة في ممارسات إعادة الاستخدام والتدوير: "في الوقت الحالي، هدفنا هو البقاء"، مضيفاً: "قطاعا الجمع والفرز متضرران بشدة، إذ انخفضت الأسعار بأكثر من 50 في المئة. وفي بعض الحالات، انخفضت التكاليف إلى ما دون الصفر".

يوضح جونديش أن الحد الأدنى لتكلفة جمع نفايات المنسوجات في رومانيا يتراوح بين 20 و22 سنتاً للكيلوغرام، وفي ألمانيا، أعلى قليلاً ويصل إلى 27 و28 سنتاً، ما يعني أن جامع الملابس الروماني سيربح ما بين 400 و440 يورواً تقريباً، مقابل طنين من الملابس، في حين سيربح جامع الملابس الألماني ما بين 540 و560 يورواً تقريباً.

وقد أغلقت بالفعل شركات الفرز الكبرى الهادفة للربح؛ بما في ذلك سويكس وتيكسيد في ألمانيا وريكوبريلا في إسبانيا.

صورة بعنوان: معضلة تشريعات الاتحاد الأوروبي

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

معضلة تشريعات الاتحاد الأوروبي

بدلاً من تخفيف العبء على جامعي ومصنفي النفايات، جعلت تشريعات الاتحاد الأوروبي الأخيرة استمرار عملهم على المحك.

وبينما فرضت لائحة نقل النفايات الصادرة عام 2024 قواعد أكثر صرامة على تصدير النفايات -بما في ذلك المنسوجات- إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي، لمنع التصدير غير القانوني للنفايات، نص الأمر التوجيهي لإطار النفايات الصادر عام 2025، على ضرورة جمع كل المنسوجات بشكل منفصل، للتمييز بين الملابس القابلة لإعادة الاستخدام والنفايات؛ ما قد يضاعف حجم الملابس التي تتطلب المعالجة.

والنتيجة؟ أصبح جامعو النفايات ملزمين قانونياً بمعالجة المزيد من المنسوجات أكثر من أي وقت مضى، حتى مع تقلص قدرتهم على نقل الفائض من المخزون إلى الخارج.

وفي اعتراف جزئي بهذا الضغط المتزايد على القائمين بالفرز، نص الأمر التوجيهي على ما يسمى بـ"المسؤولية الممتدة للمُنتِج"، الذي من شأنه أن يدخل حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكنّ الدول الأعضاء لديها مهلة حتى عام 2028 لتنفيذ هذا النظام.

وبموجب "المسؤولية الممتدة للمُنتِج" فإن منتجي الملابس مطالبون بتحمل المسؤولية المالية، وأحياناً التنظيمية، عن إدارة نفايات منتجاتهم وإعادة تدويرها.

من الناحية النظرية، ينقل هذا عبء التكلفة من جامعي النفايات والبلديات إلى العلامات التجارية المُنتجة للنفايات في المقام الأول.

تقول هيلين فريتزون، عضوة البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي: "إنها نقطة تحول".

ومع ذلك، حذرت من وجود فجوة زمنية حرجة: "لدينا بالفعل حظر على إلقاء المنسوجات المستعملة في القمامة، لكننا لم نطبق بعد قانون المسؤولية الممتدة للمُنتِج؛ وهذا يخلق مشكلة كبيرة في إدارة النفايات يصعب التعامل معها على المستوى المحلي".

تؤدي هذه الفجوة إلى نقص التمويل لدى المشغلين الصغار، الذين يعانون صعوبات بسبب عدم توفر التمويل اللازم لتحسين البنية التحتية للفرز.

وتدعو منظمات مثل ريسيكلنج يورب (إعادة التدوير الأوروبية) إلى "تقديم دعم مالي قصير الأجل، ربما عبر إنشاء صندوق طوارئ على مستوى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يدعم القطاع خلال هذه السنوات الثلاث".

وحتى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي تدرك الوضع جيداً، ليست متأكدة من كيفية معالجة هذه المشكلة. فرانشيسكو ماسي، العضو في التحالف بين الخضر واليسار في البرلمان الإيطالي، يقول متحدثاً عن شركات الفرز المحلية في تشرين الأول/أكتوبر 2025: "نحن في أزمة تتعلق بالمنسوجات، ونحتاج إلى تدابير محددة، تتطلب إسهاماً من الحكومة، من شأنه أن يحدث فرقاً ملموساً في هذا القطاع".

على صعيد تطبيق نظام "المسؤولية الممتدة للمُنتِج"، تتحرك بعض البلدان بسرعة أكبر من غيرها. ففي حين أن إيطاليا بدأت للتو بالاعتراف بذلك، أطلقت هولندا برنامج المسؤولية الممتدة لمنتجي المنسوجات في تموز/يوليو 2023. بموجب القواعد الهولندية، يجب على المنتجين إنشاء وتمويل أنظمة لجمع المنسوجات وإعادة استخدامها وتدويرها.

على عكس نظام "المسؤولية الممتدة للمُنتِج" في الاتحاد الأوروبي، يحدد النظام الهولندي أهدافاً واضحة وطموحة: بحلول عام 2025، يجب أن يكون ما لا يقل عن 50 في المئة من جميع المنسوجات المطروحة في السوق مُجهّزة لإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير، لترتفع النسبة إلى 75 في المئة بحلول عام 2030.

تؤكد إميلي ماكينتوش، الموظفة بالمكتب الأوروبي للبيئة، "أن الهولنديين متقدمون بلا شك في هذا المجال؛ لأن قواعد المسؤولية الممتدة للمُنتِج في الاتحاد الأوروبي لا تتضمن أهدافاً محددة"، مضيفة: "هناك مرونة في النص بالنسبة للدول الأعضاء، لذا ستكون هناك اختلافات في التنفيذ". قد يؤدي هذا إلى اختلال في مستوى الأهداف، وأيضاً في المبلغ المطلوب من الشركات دفعه لمعالجة النفايات.

يخشى النقاد أيضاً من أن نظام "المسؤولية الممتدة للمُنتِج" لا يزال يركز بشكل مفرط على أوروبا. تقول كيكي بوريل، مؤسِّسة منظمة سوستينبل فاشون سيركل غير الربحية، إن مسؤولية المنتجين يجب أن تمتد إلى ما وراء الحدود الأوروبية؛ لأن الاتحاد الأوروبي لن يكون قادراً على معالجة جميع ملابسه المستعملة محلياً، كما أكد ذلك العديد من الفاعلين في هذا القطاع.

وتشير بوريل إلى أن أكثر هذه المنتجات ينتهي بها المطاف -على سبيل المثال- في شواطئ غانا. وتضيف: "يجب أن يكون نظام المسؤولية الممتدة للمُنتِج خاضعاً للمساءلة عالمياً. يجب أن يذهب جزء من الرسوم المدفوعة (من العلامات التجارية) إلى منظمات في أماكن مثل غانا، للمساعدة على تحسين تقنيات الفرز وإعادة التدوير لديها".

صورة بعنوان: الالتفاف: من أوروبا إلى دبي وباكستان... ثم العودة

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

الالتفاف: من أوروبا إلى دبي وباكستان... ثم العودة

مع اكتظاظ مستودعات الاتحاد الأوروبي وإغلاق أسواق التصدير التقليدية، تُنقل الشحنات إلى مراكز جديدة. انتهى المطاف بأجهزة التتبع AirTag من صناديق ميلانو وبرشلونة ونابولي وبوخارست، إلى منطقة معالجة الصادرات بكراتشي الباكستانية، ما يؤكد الدور المتنامي لباكستان في تجارة المنسوجات المستعملة في أوروبا.

وهذا ليس من قبيل الصدفة؛ إذ تعد منطقة معالجة الصادرات في كراتشي منطقة اقتصادية خاصة، حيث يمكن استيراد البضائع وفرزها وإعادة تصديرها، بموجب لوائح جمركية محددة، ومن دون دفع رسوم جمركية في العادة.

هناك منطقة حرة أخرى ظهرت فيها أجهزة التتبع الخاصة بنا وهي دبي. يوجد جهاز تتبع واحد وُضع في ليتشي في منشأة كانون اس ار ال Cannone srl. وجهاز آخر وُضع في مركز تجميع إتش آند أم H&M في إسبانيا، وهو موجود الآن في منشأة سوكس Soex. رفضت سوكس طلبات إجراء مقابلة للتعليق على هذا الأمر.

يؤكد دوليغر من مؤسسة "رسيكلنج يورب" أن "دبي تعتزم أن تصبح مركزاً تجارياً عالمياً"، مضيفاً: "تُشحن المنسوجات المستعملة إلى هناك، ثم تتم معالجتها وفرزها وإعادة تصديرها إلى أسواق أخرى في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا".

تُعدّ إسبانيا مثالاً واضحاً على ذلك؛ فقد تضاعف حجم الملابس المستعملة المُرسلة إلى الخارج أربع مرات بين عامي 2015 و2023، وفقاً لبيانات قاعدة بيانات التجارة التابعة للأمم المتحدة. وذهب أكثر من 27 في المئة من الملابس المستعملة، التي أعلنت إسبانيا تصديرها خلال تلك الفترة، إلى الإمارات، تليها باكستان بأكثر من 12 في المئة من تلك الصادرات.

لكنّ التدفق ليس في اتجاه واحد؛ فبينما تُرسل إسبانيا كميات هائلة من الملابس إلى الإمارات، تكشف بيانات التجارة عن أمر مثير للاهتمام بشأن ما يعود منها.

تُظهر البيانات أن ما يقرب من 99.9 في المئة من صادرات الإمارات إلى إسبانيا هو إعادة تصدير، أو عمليات مرور، حيث تصل الملابس، وتُعالَج، ثم تُشحن إلى الخارج من دون تحويل، وغالباً عبر المناطق الحرة في دبي.

محمد فيرجي، الرئيس التنفيذي لشركة يوني كلوز، التي يقع مقرها في المنطقة الاقتصادية الخاصة بجبل علي في دبي، لا يتفاجأ بذلك، قائلاً: "عندما تدخل البضائع إلى المنطقة الحرة، لا ندفع أي رسوم جمركية. عندما نعيد التصدير، تُسجل صادرات، ولكن من الناحية الفنية لم تدخل هذه البضائع البلاد قط".

اتصلنا بالشركات الإماراتية والباكستانية التي ظهرت على نظام التتبع، لكنّها لم ترد.

وإلى جانب هذا النمو التجاري، تكشف البيانات عن تباينات كبيرة في التقارير المتعلقة بالاستيراد والتصدير.

فبينما أبلغت إسبانيا عن تصدير 192 ألف طن من الملابس المستعملة إلى الإمارات بين عامي 2015 و2023، أعلنت الإمارات إجمالي استيرادها بأقل بـ90 ألف طن من الرقم الذي أعلنته إسبانيا.

بدورها، أعلنت الإمارات إعادة تصدير نحو 93 ألف طن إلى إسبانيا؛ أي بمعدل أكثر من 47 ضعفاً مما أقرت إسبانيا باستيراده. هذه التباينات كبيرة، ولا يمكن إرجاعها إلى التناقضات الإحصائية العادية.

يُحذر مسؤولو الأمم المتحدة من أن بيانات التجارة نادراً ما تتطابق، نظراً لاختلاف قواعد التجارة في بلاد المنشأ، والرموز الجمركية (HS) للسلع المُسجَّلة، والمناطق الحرة، التي قد تُسجل البضائع بشكل مختلف في حال كانت قيد النقل، أو إعادة التصدير، أو المعالجة. كما يُمكن تصنيف الملابس المستعملة بشكل خاطئ؛ فالرمز الجمركي HS 6309 يعبر عن الملابس المستعملة، في حين يشير الرمز الجمركي HS 6310 إلى الخرق.

ومع ذلك، يُحذر خبراء الجرائم المالية من أن هذه الثغرات تتوافق مع مؤشرات غسل الأموال التجارية المعروفة؛ بما في ذلك التناقضات الكبيرة في القيم أو الكميات المُعلنة، واستخدام المناطق الحرة لإخفاء منشأ البضائع أو طبيعتها.

يوضح غراهام بيلي، محلّل مخاطر الجرائم المالية في شركة كوانتيفيند، السبب في أن تجارة الملابس المستعملة عُرضةً لغسل الأموال التجارية، قائلاً: "عندما يتعلق الأمر بشحنات الملابس المستعملة عبر الحاويات البحرية، غالباً ما يُسعّر المشترون بالات كاملة -حتى الحاويات الكاملة- من دون وحدة قياس موثوقة. ولذلك، لا تستطيع البنوك تحديد قيمة سوقية عادلة، ويمكن تعديل مبالغ الفواتير بحرية".

صورة بعنوان: التكلفة الخفية: الكربون والغموض

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

التكلفة الخفية: الكربون والغموض

في حالة الإمارات، تتفاقم هذه الثغرات المالية بسبب بيئتها التنظيمية، فتعمل المناطق الحرة وفقاً لقواعدها الخاصة؛ وهي محمية إلى حد كبير من الرقابة، وتشتهر بعدم شفافيتها.

يقول جمال العطار، رئيس الاتحاد الدولي للحقوق والتنمية، وهو منظمة غير حكومية مقرها بروكسل: "أثناء اجتماعنا، أنشأنا شركة في المنطقة الحرة برأس الخيمة. استغرق الأمر اثنتي عشرة دقيقة، من دون أي تدقيق أو تحقق أو طرح أي أسئلة"، جاء ذلك خلال جلسة مباشرة مع أعضاء البرلمان الأوروبي.

بخلاف دبي وأبوظبي، حيث تُطبّق إجراءات مكافحة غسل الأموال، فإن الشركات المُسجَّلة في المناطق الحرة غير مُلزمة بإثبات مصدر تمويلها أو طبيعة عملها؛ وكل ما هو مطلوب منها هو رقم هوية محلي أو توكيل محامٍ.

تؤكد جودي فيتوري، الأستاذة في جامعة جورجتاون، أن هذا لم يكن مصادفةً: "عندما راقبنا كيف تُنفذ مختلف أشكال الجريمة المالية والمنظمة بسهولة ملحوظة في الإمارات، أدركنا أن هذا ليس مجرد أمر مقبول، بل هو في الواقع جزء من النظام. وقد اتخذت دبي -على وجه الخصوص- قرارات مدروسة للسماح بهذه الأنشطة كوسيلة لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط".

إن الافتقار إلى الرقابة يجعل المناطق الحرة مركزاً مثالياً لإعادة تصدير تجارة الملابس المستعملة في أوروبا. تشير وثائق حصرية من الحرس الوطني البيئي الروماني إلى أن بعض الشركات تستغل بالفعل الثغرات القانونية.

في آب/أغسطس 2023، اعترض مفتشو الجمارك الرومانية شحنة مكونة من 84 بالة -26 ألفاً و220 كيلوغراماً- من الملابس من شركة "إيدل ماجيك أدنينا أس أر أل Ideal Magic Adnana SRL" الرومانية، متجهة إلى شركة "عثمان إنترناشيونال أف زد سي Usman International FZC"، المسجلة في المنطقة الحرة لمطار الشارقة الدولي.

صُنّفت البضائع بموجب الرمز الجمركي HS 6309، المخصص للملابس المستعملة "الصالحة لإعادة الاستخدام"، حتى أن المصدر الروماني قدّم شهادة تُثبت تنظيف الملابس وغسلها وتعقيمها؛ وهذا شرط أساسي لأي ملابس مستعملة تطرح في السوق أو تباع أو يتبرع بها، وفقاً للقانون الروماني.

رداً على طلب حرية تداول المعلومات، قالت السلطات إنها أجرت تفتيشاً على منشأة "إيدل ماجيك أدنينا أس أر أل" في أوريكاني، هونيدوارا، للتحقق من أن الشركة حاصلة على التراخيص اللازمة، وتستوفي الشروط القانونية المطلوبة لـ"فرز وتنظيف وتعقيم" المنسوجات المستعملة.

وخلص التفتيش إلى أن الشركة امتثلت لمتطلبات الترخيص. ومع ذلك، لم يتطرق إلى الأدلة السابقة التي تشير إلى أن البالات لم تُنظف بشكل كافٍ. لم تكن الملابس غير مصنفة فحسب، بل كانت تالفة ومتهالكة بشكل واضح. كان ينبغي تصنيفها فعلياً على أنها نفايات بدلاً من ملابس مستعملة قابلة لإعادة الاستخدام.

تُظهر الوثائق أن البالات تم استيرادها في الأصل إلى رومانيا كنفايات نسيجية من شركة "بالتز تكستايل رسيكلينج" الألمانية. ويبدو أن هذا الأمر ليس من قبيل الصدفة؛ فقد ظهر جهاز التتبع AirTag في رومانيا، بعد أن كان موضوعاً في حاويات شركة "بالتز" بالقرب من ليمبورغ؛ ما يشير إلى وجود مسار متكرر، وليست شحنة لمرة واحدة.

كانت الملابس التي تم فحصها موجهة إلى فرع شركة "غرسون آند شاو" في سلوفاكيا، وهي جزء من واحدة من كبرى شركات البيع بالتجزئة للملابس المستعملة في العالم ومقرها أتلانتا، بالولايات المتحدة الأميركية.

أما فيما يخص الاستلام، فلم يكن في رومانيا، بل في الشارقة لشركة "عثمان إنترناشونال".

في جميع أنحاء أوروبا، تقوم شركة "غرسون آند شاو" بتوريد الملابس المستعملة لتجار التجزئة والجملة، وشركات التصنيف.

على موقعها الإلكتروني، تقدم الشركة نفسها "رائدة" في مجال الاستدامة، وتكافح من أجل تقليل النفايات، وخفض انبعاثات الكربون، وبناء عالم أكثر اخضراراً.

ومع ذلك، فإن هيكل سلسلة التوريد الخاصة بها يثير تساؤلات: لماذا تقوم شركة تدعي التزامها بالاستدامة بنقل البضائع آلاف الكيلومترات عبر ولايات قضائية شفافة وغير شفافة؟

تحافظ "غرسون آند شاو" -الفرع السلوفاكي- على تدفق مستمر للواردات والصادرات مع شركات في الإمارات والمناطق الحرة الباكستانية. وفق بيانات قاعدة البيانات التجارية "سيراي"، تلقت الشركة عام 2024 شحنة أخرى من الملابس المستعملة من "أتلنتك أكسبورتس أل تي دي"؛ وهي شركة يقع مقرها أيضاً في المنطقة الحرة لمطار الشارقة الدولي.

تعرقل قواعد حماية البيانات في الاتحاد الأوروبي الوصول إلى المعلومات المتعلقة بشركات الاتحاد الأوروبي؛ ما ينتقص من شفافية هذا النظام. وبالتالي، فإن شحنات شركة "غرسون آند شاو يورب" لا تظهر سوى في بيانات المواني الخارجية.

لا تحظى الشركات خارج الاتحاد الأوروبي، المنخرطة في سلسلة التوريد الخاصة بشركة "غرسون آند شاو يورب"، بمثل هذا الغموض؛ فمعلوماتها التجارية متاحة بسهولة أكبر.

وفقًا لبيانات ImportGenius، تُظهر بيانات الشحنات الصادرة من المواني الأميركية أن شركة "غرسون آند شاو" صدّرت بضائع تحمل الرمز الجمركي 6309 أكثر من 100 مرة إلى المشتري نفسه؛ وهو شركة "عثمان إنترناشونال تريدنج"، وذلك بين عامي 2024 و2025. وتبلغ قيمة الشحنات أكثر من 710 آلاف يورو.

هذه الشركة، بدورها، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بشركة "عثمان إنترناشونال أف زد أس" في الشارقة. بين كانون الثاني/يناير 2023 وأيلول/سبتمبر 2025، أرسلت "عثمان إنترناشونال أف زد أس" 28 شحنة بقيمة نحو 230 ألف يورو من الملابس المستعملة، التي تحمل أيضاً الرمز الجمركي 6309، وذلك من فرنسا إلى فرعها في كراتشي.

تمتلك شركة "غرسون آند شاو" العديد من الشركات على مستوى العالم؛ بما في ذلك الملاذات الضريبية، مثل شركة "بليتز". وكانت تمتلك شركة في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي آخر معروف، لكنّها صفّتها طواعية عام 2022.

لم ترد شركات "غرسون آند شاو" و"إيدل ماجيك أدنينا أس أر أل" و"عثمان إنترناشونال أف زد أس" و"عثمان إنترناشونال تريدنج" و"بليز تكستايل رسيكلين"، على طلبات تعليق فريق التحقيق.

وراء الخطاب الأخضر لشركة "جرسون آند شاو"، تكمن حقيقة أن إرسال الملابس المستعملة من الاتحاد الأوروبي إلى دبي (على بعد آلاف الكيلومترات، لترجع إلى الأسواق الأوروبية لإعادة بيعها) يولد ثلاثة أضعاف الانبعاثات مقارنة بمعالجتها محلياً، وفق تحليل البصمة الكربونية الذي أجرته شركة الاستشارات المستدامة "أنديت".

ورغم أن إعادة الاستخدام تظل أقل تلويثاً من إنتاج ملابس جديدة، فإن توجيه المنسوجات الأوروبية عبر الإمارات يقوض هدف "الاقتصاد الدائري"، الذي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيقه؛ ما يضعف الفوائد المناخية التي يدّعي تحقيقها.

صورة بعنوان: المساءلة

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

المساءلة والطريق إلى الأمام

في أحد شوارع حي غراسيا ببرشلونة، توقف "ألبرتو" عند حاوية أقمشة ليتصفح أكوام الملابس المهملة حول صناديق جمع الملابس، التي تبدو وكأنها ممتلئة باستمرار. يزور هذا المترجم وعالم الحاسوب الفنزويلي، البالغ من العمر 35 عاماً، هذه الأماكن باستمرار؛ أحياناً ليلقي ما لم يعد يرتديه، وأحياناً أخرى لجمعه.

بعد سماعه عن رحلة الملابس المكثفة بالكربون، تنهد أنطونيو، مؤكداً أن التغيير يقع على عاتق "أولئك الذين يتمتعون بسلطة اتخاذ القرار الأخير".

ويضيف: "هذه الشركات والصناعات الكبرى يتعين عليها في نهاية المطاف اتخاذ هذا القرار. ورغم أننا نستطيع أن نسهم في هذا، لكنّهم إذا لم يتخذوا إجراءً مناسباً، وإذا لم يدركوا أن هذا الأمر يأتي بنتائج عكسية تطول الجميع، فإن كل ما نفعله سيكون بلا جدوى إلى حد ما".

لدى الاتحاد الأوروبي أدوات لمعالجة هذه الأزمة، إذا استُخدمت بفعالية. يمكن أن يُجْبر نظام "المسؤولية الممتدة للمُنتِج" العلامات التجارية للأزياء على الاستثمار في البنية التحتية للفرز في الاتحاد الأوروبي.

يقول عضو البرلمان الأوروبي فريتسون: "نحن بحاجة إلى بناء القدرة على معالجة المنسوجات المستعملة في أوروبا، سواء لإعادة الاستخدام أو لإعادة التدوير. ولهذا السبب، تُعدّ المسؤولية الممتدة للمُنتِج بالغة الأهمية، لأنها ستُجْبر الصناعة على الاستثمار في هذا المجال".

ويؤكد راسموس نوردكفيست، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر أن الاستعانة بمصادر خارجية لحل المشكلة لا يعد حلاً، وأن تحمل المسؤولية الكاملة عما يحدث للمنتج، منذ اللحظة الأولى لإنتاجه، أمر أساسي لا يمكن تجاهله. كما يطالب بأن تمتد المسؤولية إلى ما هو أبعد من العلامات التجارية التقليدية لتشمل جميع الجهات الفاعلة التي تُغذّي فائض الإنتاج.

الأمر ذاته يؤكده دوليجر، من منظمة "ريسيكلينج يوروب"، قائلاً: "يجب إشراك تجار التجزئة الإلكترونيين، مثل شي إن، بشكل كامل، إذ غالباً ما يكون من السهل عليهم التهرب من التزاماتهم".

كان الهدف من "الاقتصاد الدائري" -الذي تبناه الاتحاد الأوروبي في قطاع المنسوجات- هو سد هذه الحلقة. عوضاً عن ذلك، شقّ هذا النهج مساراً جديداً ملوثاً بأطنان من الكربون المنجرفة عبر المحيطات، مروراً بمناطق حرة غامضة. فهل سيُغير الاتحاد الأوروبي مسار نفاياته قبل أن يغرق ويأخذ معه الآخرين؟

شارك في التحقيق كل من: إيمانويل بيكو، وبنجامين هيندريكس، وآنا رومانداش، وحوا فازال. كما أسهم كل من: باولا فراي، وإيما توماسون، وكارولين طومسون، وأندريه سيوركانو في الإشراف في مراحل مختلفة من التحقيق.

قدمت أريج دعماً للتحقيق من خلال الوصول للبيانات، كما قدمت ImportGenius وQuantifind وC4ADS بيانات لمعدي التحقيق.

طوّر ماركوس ليندمان وكلاوس هيسلينج تقنياً الأداة التي مكنت الفريق من مراقبة أجهزة التتبع. أجرى تحليل البصمة الكربونية "أنديت" Inèdit؛ وهو استوديو استراتيجي للابتكار البيئي مقره برشلونة.

هذا التحقيق بدعم من برنامج Earth Investments التابع لـ Journalismfund، وFree Press Unlimited، وبرنامج Dark Green، وهو مبادرة من مركز الصحافة الاستقصائية وJournalismFund.EU.

نشر هذا التحقيق بالإنجليزية في المواقع التالية:
نشر هذا التحقيق بالفرنسية في المواقع التالية: