مع ابتسامة تظهر تجاعيد وجهها أكثر، تنظر فاطمة حامدي (66 سنة) إلى
سقف منزلها الصغير، مستحضرة بداية عملها في جمع المحار قبل ما يزيد
على الأربعين عاماً. تعيش فاطمة بمنطقة أجيم في جزيرة جربة جنوب شرقي
تونس.
تقطع فاطمة مع رفيقاتها من النساء مسافات طويلة مشياً من محل سكنها
إلى سواحل قلالة في جزيرة جربة؛ بحثاً عن المحار أو ما يسمى باللهجة
المحلية "القفالة".
بعد رحلة شاقة غير مضمونة النتائج مشياً على الأقدام، أو من خلال
الجلوس في الصناديق الخلفية للشاحنات، وأحياناً بحراً في المراكب،
تصل فاطمة ورفيقاتها من جامعات المحار، إلى وجهتهن. يبدأ موسم السماح
بجمع المحار في الخريف وينتهي أواخر فصل الربيع.
حين يظفرن بمكان يتوفر فيه المحار، يسرعن إلى صيده منحنِيات لساعات
طويلة في الماء، تقول فاطمة: "تظهر علامات وجوده في التراب فنلتقطه
بالمنجل، ثم نضعه في السطل".
يكاد يقتصر جمع المحار على النساء في تونس، أو ما يعرف بـ"الصيد على
الأقدام". يتطلب العمل في هذه المهنة الشاقة مواعيد غير ثابتة. وقد
يرافقهن أطفالهن في هذه الرحلة الصعبة.
تضيف فاطمة: "كنت أحمل أطفالي على ظهري، حتى أن قطعة القماش التي
أحملهم فيها تترك أثراً في جسدي"، وتتابع: "أذكر أن أحد أبنائي حملته
معي ولم يبلغ الأربعين يوماً بعد".
تقول فاطمة إن بيع محصول المحار ساعد على دفع التكاليف الدراسية
لأولادها، وتوفير احتياجات بيتها من طعام وغيره.
تراجع إنتاج المحار في تونس خلال السنوات الأخيرة، في ظل تغير البيئة
البحرية بسبب ما طالها قبل أكثر من مئة عام. في ربيع عام 1859، بدأت
أعمال حفر قناة السويس بمصر، ممهدة ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض
المتوسط، وبذلك أسهمت في فتح الطريق أمام ألف صنف من الأحياء البحرية
المتوطنة في البحر الأحمر للوصول والاستقرار في شرق المتوسط.
انتقل ما يعرف بالسلطعون الأزرق، السابح من المحيط الهندي إلى غرب
المتوسط عبر البحر الأحمر، لكنّه وصل خليج قابس عام 2014، بعد أن ظهر
في شباك الصيادين هناك. كما يُعزى ظهور صنف آخر من السلطعون الأزرق
إلى حركة السفن، التي تنقله إلى البحر المتوسط.
مع مرور الوقت، ازدادت أعداد السلطعون الأزرق، وبات يغزو المياه
القريبة من الشواطئ ويلتهم المحار الذي يشكل مورد رزق العديد من
النساء القاطنات في المناطق الساحلية.
/>