أحمد جمال وعمر زياد* نزيلان في القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية في مدينة الفحيص، أحدهما مضى على احتجازه أكثر من ثلاثة عقود، والآخر لا يزال مصيره معلّقاً بانتظار موافقة القاضي. لا يشبه الاحتجاز في القسم القضائي التابع للمستشفى أي حبس آخر؛ فلا يوجد موعد إفراج محدد، وحتى بعد الإفراج تبقى حرية الشخص "منقوصة".
نستند في هذا التحقيق إلى شهادات نزلاء سابقين، وموظفين (اثنين) سابقين عملا في القسم القضائي، إضافة إلى آراء خبراء في القانون والصحة النفسية. تكشف الشهادات عن ظروف احتجاز صعبة يعيشها النزلاء، في مخالفة صريحة لتوصيات وبنود الأمم المتحدة الخاصة بالصحة النفسية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كما تظهر الوثائق الرسمية التي حصلنا عليها أن بعض النزلاء يستمر احتجازهم رغم وصولهم إلى حالة الشفاء الاجتماعي، إما لغياب الكفيل أو انتظاراً لإجراءات الصلح.
في العنبر "ألف"، بالكاد تمر ساعات اليوم على أحمد* الذي يجلس متكئاً على سريره الحديدي. بين الفينة والأخرى، يحُدث أحد النزلاء الثمانية بالعنبر ضجيجاً، قبل أن يعم الهدوء من جديد.
هدوء لا يقطعه سوى صوت "طقطقة" الأواني في صالة الطعام، معلناً موعد الوجبة التالية. مواعيد الوجبات باتت المنبه الوحيد للوقت في هذا المكان الذي لا تدخله الشمس.
أكثر من ثلاثة عقود مضت، ولا يزال أحمد جمال* (65 عاماً)، رهن "الاحتجاز" خلف أبواب موصدة في عنابر القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (مستشفى الفحيص)، بسبب جريمة قتل ارتكبها تحت تأثير مرض نفسي قبل قرابة 30 عاماً، حتى تجاوزت سنوات حبسه المؤبد، بحسب قانون العقوبات الأردني.
وفق روايات من عرفوه في القسم القضائي، قتل أحمد والده، ليقضي جل عمره داخل أروقة القسم القضائي، ربما إلى الأبد؛ إذ يصطدم ملف أحمد بقوانين وشروط أخرى جعلت الإفراج عنه أمراً صعب المنال.
القسم القضائي: مبنى محصن
على بعد 16 كيلو متراً من العاصمة عمّان، يقع القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (مستشفى الفحيص) محاطاً بأسوار تعلوها أسلاك شائكة، إلى جانب بوابات حديدية عالية من الجهة الأمامية.
أُسّس مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية عام 1987، وهو الوحيد -حتى الآن- في وزارة الصحة. يندرج تحته ثلاثة أقسام: المركز الوطني لتأهيل المدمنين، وقسم الكرامة للتأهيل النفسي أو ما يعرف بمستشفى الكرامة للتأهيل النفسي، إلى جانب القسم القضائي الجديد.
افتُتحت التوسعة الجديدة للقسم في شهر آب/أغسطس عام 2021، وتبلغ مساحته الإجمالية ستة آلاف و196 متراً مربعاً، بسعة 142 سريراً. إلا أنه وبحسب كتاب المركز الوطني للصحة النفسية، يتسع القسم القضائي حالياً لـ 96 نزيلاً فقط وبنسبة إشغال تصل 100 في المئة.
يخضع القسم القضائي في إدارته لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية وبالتالي لوزارة الصحة، لكن الدخول يتطلب موافقة أمنية.
يضم الطابق الأول أربعة أقسام؛ من بينها القسم "ألف" حيث يقيم أحمد مع العدد الأكبر من النزلاء. يشمل القسم ست غرف نصفها في الجانب الأيمن، والنصف الآخر في الجانب الأيسر. يفصل بين الجانبين حمام وصالة طعام. ويقيم في كل غرفة ثمانية إلى عشرة نزلاء.
يقيم نزلاء القسم القضائي، التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية، بقرار من السلطة القضائية ممثلة بالادعاء العام أو القضاة، ويدخل النزيل بالمرحلة الأولى لغايات التقييم من الناحية العقلية والنفسية، والإدراك العام والقدرة على فهم مجريات المحاكمة، ومعرفة إذا كانوا أهلاً للخصومة والمحاكمة.
وبعد كتابة التقرير الطبي لأي نزيل، يُرسل للقضاء الذي يقرر إن كان الشخص المشار إليه مسؤولاً عن الفعل الجرمي الذي ارتكبه أم أنه غير مسؤول جزائياً. وفي حال ثبت لهيئة المحكمة أن الشخص المطلوب فحصه غير مدرك لأفعاله وأقواله، وأنه ارتكب الفعل المسند إليه تحت تأثير المرض، يصدر بحقه قرار قضائي بعدم المسؤولية الجنائية، ويقرر القاضي حجزه في مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية.
يروي نزيل سابق -نقلا عن أحمد- أن القاضي حين أعلن "عدم مسؤوليته" عن الجرم الموكل إليه، بدأت أخته بالصراخ ظناً منها أنه سيفلت من العقوبة. يوضح المحامي صخر الخصاونة، أن الحكم بعدم المسؤولية لا ينفي وقوع الفعل بالضرورة، ولكنه ينفي المسؤولية الجنائية عن مرتكبه، بسبب حالته الخاصة وقت ارتكاب الفعل (مثل الجنون، أو الإكراه الذي يدفع الفرد لارتكاب الجرم، أو صغر السن من دون التمييز).