يكشف التحقيق عن تصاعد الخطاب التحريضي المبني على "هواجس" طائفية ضد النازحين اللبنانيين على منصة "إكس"، بالتزامن مع تجدد الحرب في 2 آذار/مارس 2024، وما رافقها من نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار وبدء عودة النازحين إلى مناطق سكنهم.
"لا نؤجّر منازل لمحجبات، ومن الأفضل أن تستأجروا في أماكن بعيدة عنّا"، لم تتوقع زهراء، الشابة الجنوبية التي نزحت وعائلتها فجر الثاني من آذار/مارس 2026، من مدينة النبطية جنوبي لبنان، بعد غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة من البلاد، أن يكون هذا جواباً تتلقاه وهي تبحث عن سقف آمن.
بالنسبة للشابة الجنوبية ولكثير من اللبنانيين، لم تكن هذه الحرب مفاجئة؛ فقد عاشوا شهوراً تحت وطأة خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم بوساطة دولية أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وكانت جبهة الجنوب قد فُتحت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما عرف بـ "حرب الإسناد" لغزة، قبل أن تتوسع المواجهات خلال عام 2024 إلى حملة إسرائيلية برية وجوية شاملة، خلّفت خسائر بشرية ومادية فادحة وموجات نزوح واسعة.
بعد ساعات قضتها زهراء وآلاف النازحين الآخرين عالقين في مركباتهم، وصلت إلى منطقة عبرا قرب صيدا، حيث أقامت أسرتها مؤقتاً في منزل خالتها. ومع بحثها عن مسكن يتسع لعائلتها، تواصلت مع صاحب شقق عرضها للإيجار على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن بدلاً من أن يجيب عن أسئلتها بشأن الشقة، راح يستجوبها عن طائفتها وحجابها وانتمائها السياسي، قبل أن يختم حديثه بالقول: "نحن لا نؤجّر لمحجبات، كما تعلمين، منطقتنا ذات أغلبية مسيحية، ولا نريد إدخال الحجاب إلى منطقتنا، وأنتم شيعة، نخشى أن يتم استهدافكم، فتعرّضوا حياتنا وحياة الآخرين هنا للخطر".
يتكرر المشهد في بلدة كيفون، قرب عاليه في محافظة جبل لبنان، حيث لجأت عائلة مريم، الطالبة الجامعية من بلدة طلّوسة في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، إلى قبو صغير احتمت فيه ريثما تنتهي الحرب. لكن هذا الأمان المؤقت لم يدم طويلاً؛ إذ بدّده قصف مبنى قريب من القبو.
وفي منتصف الليل، طُلب من مريم وعائلتها إخلاء القبو على عجل، بعدما خشي أصحاب المبنى المجاور للقبو أن يجعل وجودهم كنازحين البناية هدفاً محتملاً للقصف. حزموا أمتعتهم وخرجوا إلى المجهول، قبل أن يتدخل أحد أفراد العائلة عبر معارف في البلدية، ليعودوا إلى القبو بضمانة رسمية، لكنها جاءت مصحوبة بقيود على حياتهم اليومية؛ فمُنعوا من ارتداء العباءات، ومن استقبال الزوار، ووصل التوجس إلى حد التحقيق مع كل من يقصدهم.
لم يكن النزوح القاسي سوى بداية لمعاناة أخرى، ظلّ النازحون يحملون وطأتها طوال أشهر التهجير. تختزل حكاية زهراء ومريم حكايات آلاف فرّوا من الحرب بحثاً عن الأمان، ليجدوا أنفسهم في مواجهة حرب أخرى، لا تقل قسوة؛ حرب تُلاحقهم حتى بعد أن ابتعدوا عن ساحات القتال.
خلال شهر واحد من الحرب، تجاوز عدد النازحين مليون شخص، وفق التقرير اليومي لوحدة إدارة مخاطر الكوارث، بعد أن فرّوا من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاعين الغربي والشمالي. لجأ 136 ألفاً منهم إلى مراكز إيواء تحت إشراف الدولة، فيما توزعت الغالبية بين منازل أقارب في مناطق مختلفة ومساكن مستأجرة؛ وكان هؤلاء الأكثر عرضة لحملات التضليل التي استهدفتهم في الفضاء الرقمي.
بعد الثاني من آذار/مارس 2026، مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان
يرصد التحقيق كل المنشورات التي تناولت النازحين بين شباط/فبراير وتموز/يوليو 2026. ويحلل منشورات مختارة تستهدف النازحين على أساس طائفي على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) باعتماد مصطلح "النازحين الشيعة". والتي ارتبطت بعدة وسوم من بينها حرب إسناد إيران، وحزب الله الإرهابي، وMLGA، وحزب الله وعلى رأسها لبنان. وشهد الأسبوع الثاني من الحرب طفرة في كثافة النشر؛ إذ تصدرت الحسابات الصادرة من لبنان قائمة مصادر المنشورات بنسبة 33.5 في المئة، تلتها الحسابات من السعودية ثم الولايات المتحدة.
ويندرج هذا الطرح ضمن خطاب الكراهية المذهبي؛ لكونه يحرض على التمييز ضد النازحين بناءً على انتمائهم الديني، ما يتسبب في أضرار مباشرة حتى وإن خلا من الدعوة الصريحة للقتل أو العنف الجسدي.
ووفق الأمم المتحدة، فإن خطاب الكراهية هو: "اتصال يهاجم أو يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس هويتهم ، بمعنى آخر، بناءً على دينهم وعرقهم، أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو الجنس أو أي عامل هوية آخر".
وركزت المنشورات التي شملها التحليل على الدعوة إلى ترحيل النازحين بحراً إلى قبرص، ورفض استقبالهم، والترويج لادعاءات تصوّرهم خطراً أمنياً وتهديداً ديموغرافياً، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية المسيحية، مستدعية ذكرى "الحرب الأهلية" أحيانا. كما تضمنت المنشورات مواد مصورة ومكتوبة تزعم اعتداء النازحين على الممتلكات العامة أو استخدامها لتخزين الأسلحة، في محاولة لتشويه صورتهم وتأليب الرأي العام ضدهم.
خطاب أُعيد توظيفه في سياق جديد
المفوضية السامية لحقوق الإنسان وحرية التعبير
حرية التعبير مقابل التحريض على الكراهية: خطة عمل الرباط
تقترح خطة عمل الرباط معايير صارمة لتحديد القيود على حرية التعبير والتحريض على الكراهية، وتطبيق المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتحدد اختباراً من ستة أجزاء يأخذ في الاعتبار (1) السياق الاجتماعي والسياسي و(2) حالة المتحدث و(3) النية لتحريض الجمهور ضد مجموعة مستهدفة (4) والمحتوى وشكل الخطاب و(5) مدى نشر الخطاب و(6) أرجحية الضرر، بما في ذلك الوشوك المحدق.
في 13 أيار/مايو 2024، دعا الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، الذي اغتيل لاحقاً في غارة إسرائيلية، السلطات اللبنانية إلى فتح السواحل أمام النازحين السوريين الراغبين في المغادرة طوعاً إلى أوروبا، منتقداً منعهم من الهجرة، قائلاً: "لنكن أمام قرار وطني يقول: أيها النازحون السوريون الإخوة، كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص، هذا البحر أمامكم فاتخذوه سفناً واركبوه".
وجاء هذا التصريح في سياق الضغط على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمساعدة على إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، وتقديم المساعدات لهم هناك.
وخلال رصدنا للمحتوى المنشور، تبين أن حساب Bilal D75 استوحى من هذا الخطاب ونشره بسياق مختلف؛ مستهدفاً أبناء الطائفة الشيعية: "أيها النازحون الجنوبيون الشيعة، كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص، هذا البحر أمامكم فاتخذوه سفناً واركبوه"، إلى جانب عبارات مسيئة: "يلعن أبوكم لأبو اللي بيزعل عليكم".
يظهر البحث أن حساب Bilal_D75 يعود لشخص يُدعى "أبو مجد"، يعيش في لبنان، وقد غيّر وصف حسابه تسع مرات، فكتب سابقاً أنه "مناصر للشعب السوري في حقوقه حتى ينقطع النفس"، كما أورد حسابه أنه "ذباب إلكتروني".
المنشور الأصلي الذي كتبه بتاريخ 31 أيار/مايو
كذلك كان حساب Bilal_D75 الأكثر تأثيراً؛ إذ حصد ألفاً وثلاثمئة تفاعل على "إكس"، مع قدرة وصول بلغت 101 ألف. وأظهرت النتائج أن 84 منشوراً تضمن الصياغة الحرفية ذاتها، تركز معظمها في أواخر أيار/مايو ومنتصف حزيران/يونيو، قبل أن تبلغ ذروتها في منتصف حزيران. وتزامنت هذه الذروة مع تصاعد إنذارات الإخلاء الإسرائيلية في جنوب لبنان بشكل مكثّف، خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر، بين 1 و10 حزيران/يونيو.
وهذا يعني إعادة توظيف "الخطاب الأصلي" ظهرت بالتزامن مع اتساع نطاق الإنذارات، وحدوث موجة نزوح واسعة. وجاء ذلك متزامناً أيضاً مع انتشار النازحين في مراكز الإيواء، حيث بلغ عددهم في 10 حزيران 2026 نحو 134 ألفاً و534 نازحاً، وفق وحدة إدارة مخاطر الكوارث.
تشير الأرقام إلى أن حساب Bilal D75 كان من بين الحسابات الأكثر
تأثيراً في الحملة ضد النازحين في لبنان
Potential Reach Over Time
82.5K Potential Reach
وأظهرت النتائج أنّ أكثر من عشرة حسابات أعادت تداول المنشور بالشكل الحرفي عن حساب Bilal_D75، بوصفه المرجع الأصلي للمنشور، وبنمط رقمي متقارب زمنياً، وعلى مرحلتين منفصلتين. بدأت الموجة الأولى بعد ظهر 31 أيار/مايو 2026، حين أعاد حساب Muawiyah87 نشر المحتوى عند الساعة 16:49، ثم تبعه حسابان آخران؛ MNM20053 وحساب JusticeEyesss من السعودية، عند الساعة 16:58. وتوالت عمليات إعادة النشر لاحقاً عند 17:44، و18:24، و20:27، و20:30، و20:34، و20:44، و20:50، عبر حسابات أخرى.
وظهرت موجة ثانية من النشر في 2 حزيران/يونيو؛ بدأت عند الساعة 00:03، تبعتها عمليات إعادة نشر عند 00:34 و00:40، قبل أن تستأنف فجراً عند 05:34، ثم تتواصل صباحاً عند 09:05 و09:59 و10:04 و10:29 و11:23 عبر حسابات أخرى، وصولاً إلى الساعة 14:32.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود حملة تعبئة جماعية تحريضية منسقة، انطلقت من حساب Bilal_D75، استناداً إلى تطابق النصوص، وإعادة نشرها من عدة حسابات خلال فترات زمنية متقاربة، وظهورها على موجتين منفصلتين، فضلاً عن بروز الحساب كمحور لتداول هذه المنشورات، مع غلبة المشاعر السلبية في محتواها.