يكشف التحقيق عن حملة تأثير رقمية منسقة تهدف إلى إعادة تشكيل النقاش العام اللبناني بشأن سلاح "حزب الله" والعلاقة مع إسرائيل، عبر دفع خطاب مناهض للحزب وإيران، والترويج لنزع السلاح والسلام والتطبيع بوصفها طريقاً إلى استقرار لبنان وازدهاره. وتعتمد الحملة فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي تنسب مواقف مختلقة إلى مسؤولين لبنانيين، وإعلانات مدفوعة، ومجموعة ثابتة من الحسابات لتضخيم الرسائل وإيصالها إلى المسؤولين والجمهور بالتزامن مع محطات سياسية حساسة، فيما تبقى هوية الجهة المشغلة والممولة محجوبة.
في 27 نيسان/أبريل 2026، ظهر الرئيس اللبناني جوزاف عون في مقطع مصور وهو يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. المشهد مفبرك، وقد صُنع بالذكاء الاصطناعي ونشره حساب مجهول يحمل اسم "MLGA" على منصة "تيك توك".
جاء نشر الفيديو بعد أيام من جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، فوضع الحساب المصافحة المختلقة داخل سياق سياسي قائم، ومنحها قابلية أعلى للتصديق. انقسمت التعليقات بين مؤيد للمشهد ورافض له، وتعامل بعض المستخدمين معه كواقعة حقيقية أو خطوة سياسية وشيكة.
حصد الفيديو 75 ألف مشاهدة على منصة X، مع أكثر من ألف تفاعل و128 مشاركة، في حين حصد 186 ألف مشاهدة على منصة "تيك توك" مع 2626 مشاركة، هذه الأرقام كلها من تاريخ تحميل الفيديو إلى اليوم، أي في فترة ثلاثة أشهر تقريباً.
جاء هذا الفيديو في توقيت دقيق، حين صرّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 24 نيسان/أبريل أن الرئيس اللبناني جوزيف عون قد يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال ثلاثة أسابيع؛ ما جعل بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يصدقون أو يسألون عن ما إذا كان الفيديو حقيقياً أم لا.
وفي 19 تموز/يوليو، وبالتزامن مع زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، نشر الحساب فيديو آخر يظهر فيه عون إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهما يوقعان اتفاق سلام. وبين المقطعين، بث "MLGA" مواد استخدمت صوراً وأصوات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام والأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، وحملتهم تصريحات ومواقف لم تصدر عنهم.
تُظهر المواد المؤرشفة أن انتشار هذه الرسائل اتبع نمطاً منظماً: ينشر الحساب المادة الأساسية، ثم تنسخها مجموعة ثابتة من الحسابات أو تعيد صياغتها، وتستخدم الوسوم والإشارات نفسها، وتوجهها إلى مسؤولين ومؤسسات ووسائل إعلام. كما تتقارب مواقيت النشر وتتصاعد الحركة مع التطورات المرتبطة بالحرب وسلاح "حزب الله" والتفاوض مع إسرائيل.
تشكل النصوص المتطابقة، والنسخ الحرفي، وتكرار الحسابات، وتقارب التوقيت، وتوزيع الأدوار دليلاً سلوكياً قوياً على حملة تأثير رقمية منسقة. وتبقى هوية الجهة التي تدير مركز الحملة وتمولها محجوبة خلف الحسابات وبيانات تحتفظ بها المنصات.
من "جبهة الإسناد" إلى حرب السرديات
منذ إعلان "حزب الله" في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فتحت "جبهة الإسناد" دعماً لقطاع غزة، فتحولت منصات التواصل في لبنان إلى ساحة موازية للمواجهة العسكرية. تنازعت حملات سياسية وإعلامية على تشكيل موقف اللبنانيين من الحرب، وبرز وسم "لبنان لا يريد الحرب" ضمن خطاب يعارض فتح الجبهة من الأراضي اللبنانية.
انتقلت بعض رسائل هذا الخطاب من المنصات إلى لوحات إعلانية على طرقات بيروت. ومع اتساع المواجهة في 23 أيلول/سبتمبر 2024، واغتيال الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصر الله في 27 من الشهر نفسه، ثم انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية في 9 كانون الثاني/يناير 2025، وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة بعد أربعة أيام، ازدادت الحملات الرقمية كثافة وتعقيداً.
جمعت هذه المرحلة بين الحسابات المجهولة، والإعلانات الممولة، والمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، في وقت احتدم النقاش بشأن مستقبل سلاح "حزب الله"، وحدود سلطة الدولة، وإمكانية التفاوض أو إبرام اتفاق مع إسرائيل. وفي هذا المناخ ظهر "MLGA".
شعار أميركي لحملة لبنانية
استعار الحساب اسمه من شعار دونالد ترامب "Make America Great Again"، واستعاض عن "America" بـ"Lebanon" ليصبح الاسم "Make Lebanon Great Again". منح الشعار الحملة هوية دعائية مألوفة، وربط رسائلها بخطاب سياسي عالمي قائم على فكرة استعادة الدولة وتغيير مسارها.
ظهر الحساب في أيار/مايو 2025 على منصات "X" و"يوتيوب" و"تيك توك"، بعد أشهر من اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهاشم صفي الدين رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله وخليفة نصر الله، وإنهاء الشغور الرئاسي، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
نشر الحساب أول مقطع مرصود على "تيك توك" في 20 أيار/مايو 2025. حمل الفيديو رسالة تقول إن "الحزب انتهى"، ثم توالت مواد تستهدف قيادة "حزب الله" وإيران، وتدعو إلى نزع السلاح والسلام مع إسرائيل، وتقدم ذلك بوصفه طريقاً إلى الاستقرار والازدهار.
تندرج الدعوة إلى نزع سلاح "حزب الله" أو التفاوض مع إسرائيل ضمن الصراع السياسي اللبناني. تتركز القضية التي يوثقها التحقيق في اختلاق أقوال ومشاهد على ألسنة المسؤولين، وتمويل انتشارها من جهة غير معلنة، واستخدام حسابات مترابطة لدفعها إلى الجمهور والدوائر الرسمية والإعلامية.
منهجية التحقيق
جمع التحقيق بيانات 1010 منشورات على منصة "X" خلال الفترة الممتدة من أيار/مايو 2025 إلى أيار/مايو 2026، باستخدام أداة "Tweet Exportly"، وأرشف فيديوهات الحساب والمنشورات التي أعادت الحسابات الأخرى نشرها. كما حلل الإشارات، وإعادات النشر، والردود، والحسابات الأكثر نشاطاً، ومسارات انتقال الرسائل بين أطراف الشبكة.
راجع التحقيق أيضاً 28 فيديو نشرها "MLGA" على "يوتيوب"، وقارن توقيتات النشر بالأحداث السياسية والعسكرية. واعتمد تحليل الشبكة على الإشارات المشتركة "Co-mention" والروابط المتكررة بين الحسابات.
استند وصف التنسيق إلى أربعة مؤشرات مجتمعة: نصوص متطابقة أو منسوخة حرفياً، ونشر المواد نفسها خلال فترات متقاربة، وتكرار مجموعة الحسابات ذاتها في التضخيم، واستخدام الوسوم والإشارات نفسها عند أحداث سياسية محددة.
مؤشرات الرصد خلال عام
مقارنة بالعام السابق
8.1 مليون مشاهدة لحساب ناشئ
نشر "MLGA" على "يوتيوب" 28 فيديو حصدت مجتمعة نحو 8.1 مليون مشاهدة خلال فترة الرصد. وأظهرت واجهة المنصة أن عدداً من المقاطع خضع للترويج المدفوع.
تتراوح كلفة الترويج على "يوتيوب"، وفق المصادر التي اعتمدها التحقيق، بين 0.003 و0.015 دولار للمشاهدة، بحسب الجمهور والدولة ونوع الحملة. ويضع هذا النطاق كلفة شراء 8.1 مليون مشاهدة بين 24.3 ألف دولار و121.5 ألف دولار.
يمثل الحساب تقديراً افتراضياً بأن المشاهدات كلها مدفوعة، في حين لا تكشف البيانات العامة نسبة الوصول الإعلاني إلى الوصول "العضوي". ويثبت ظهور الإعلانات أن جهة ما خصّصت أموالاً لإيصال رسائل سياسية مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى جمهور أوسع.
تواصلنا مع فريق الدعم القانوني في يوتيوب، للرد على ما وورد بالتحقيق، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التحقيق، سوى رد أولي آلي بمراجعة طلب حق الرد.
49 مليون مرة ظهور على "X"
سجل محتوى "MLGA" نحو 49 مليون مشاهدة أو مرة ظهور على منصة "X"، خلال الفترة التي شملها التحليل؛ فيما حققت المنشورات "محل التحقيق" نحو ثلاثة ملايين مشاهدة أو ظهور على "X". يعكس الرقم الوصول المتكرر للمحتوى، ولا يساوي عدد المستخدمين الفريدين، إذ يمكن أن يظهر المنشور للشخص أكثر من مرة، وفي مواقع مختلفة داخل المنصة.
وتظهر بيانات الأداة أن حساب "@AbuFahad67" نشر 289 مادة داخل العينة المرصودة، يليه "MLGA" بـ281 مادة. وتضم القائمة حسابات أخرى متفاوتة في الوصول والتفاعل. تعكس الصورة أدناه النشاط داخل العينة، ولا تثبت وحدها وجود علاقة إدارية بين الحسابات.
مرات الظهور على منصة "X"
مجموع عمود view_count في 1010 منشورات
تغريدات أصلية
إعادة نشر
ردود
المسؤولون أهداف للحملة
استخدم "MLGA" بصورة متكررة خاصية الإشارة "Mention" إلى حسابي رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة، إضافة إلى مسؤولين وسفارات ووسائل إعلام وصحفيين. ورد حساب رئيس الحكومة نواف سلام في 1090 إشارة، وحساب رئاسة الجمهورية في 881 إشارة خلال فترة الرصد.
يظهر الحسابان الرسميان "كعقدتين كبيرتين" في خريطة الشبكة نتيجة كثافة الإشارات الموجهة إليهما. هذا الظهور يعكس الاستهداف، ولا يعني مشاركة الرئاسة أو الحكومة في نشر المحتوى. وتظهر حسابات رسمية وإعلامية أخرى للسبب نفسه، ومنها سفارتا الولايات المتحدة وإيران في بيروت، ووسائل إعلام محلية، ووزير الخارجية اللبناني يوسف رجي.
يكشف هذا النمط أن الحملة سعت إلى ما يتجاوز الوصول العام؛ فقد أدخلت المسؤولين والمؤسسات "داخل كل موجة نشر" لرفع احتمال وصول الرسائل إلى الدوائر السياسية والإعلامية والجمهور المتابع.
ثلاثون حساباً في دائرة التضخيم
تكشف بيانات الإشارات وإعادات النشر عن مجموعة تضم نحو 30 حساباً شاركت بصورة متكررة ومنهجية في تضخيم محتوى "MLGA". أعادت هذه الحسابات نشر الفيديوهات، ونسخت النصوص، واستخدمت الوسوم نفسها، وأدرجت إشارات إلى المسؤولين والمؤسسات في المنشورات الجديدة.
وتظهر المواد المؤرشفة حالات نشرت فيها عدة حسابات النص نفسه خلال مدد زمنية متقاربة، مع الترتيب ذاته للوسوم والإشارات وأحياناً الأخطاء نفسها. يوضح ذلك توزيعاً عملياً للأدوار: ينتج "MLGA" الرسالة، وتنقلها حسابات إلى جمهورها، ثم تدفعها حسابات أكثر نشاطاً نحو المسؤولين ووسائل الإعلام.
برز حساب "@nadin_awad151"، الذي ينشر محتوى مؤيداً لـ"القوات اللبنانية"، ضمن الحسابات التي أعادت نشر مواد "MLGA" و"لا للاحتلال الإيراني". كما ظهر "@AbuFahad67"، وهو حساب مجهول الهوية يملك نحو 22 ألف متابع، وينشر في ملفات سياسية متعددة، بوصفه أحد أكثر الحسابات نشاطاً في دائرة التضخيم.
ينتج وصف "حملة منسقة" من اجتماع الأدلة السلوكية، لا من التقارب السياسي وحده. فثبات المجموعة، وتطابق النصوص، وتقارب التوقيتات، وتكرار الإشارات إلى الجهات ذاتها، تستبعد تفسير النشاط كمبادرات فردية متفرقة.
"البيت الأبيض بالعربية": حساب غير رسمي باسم رسمي
ظهر ضمن الحسابات المتفاعلة مع محتوى "MLGA" حساب يحمل اسم "البيت الأبيض بالعربية". الحساب غير تابع للبيت الأبيض الأميركي، وينشر محتوى داعماً للسياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
يرتبط الحساب بـموقع إلكتروني ترأسه مرح البقاعي، التي تعرف نفسها بأنها صحفية في البيت الأبيض، ومستشارة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية. وساعد تفاعل الحساب مع المواد على توسيع وصول بعض رسائل الحملة.
حسابان يتكرران عند تقاطعات الحملة
أظهر تحليل التفاعلات تكرار حسابين في الدائرة المحيطة بـ"MLGA": حساب "لا للاحتلال الإيراني"، وحساب الناشط "ريموند ف. حكيم". يقوم الربط على تداخل الحسابات المتفاعلة، والوسوم والكلمات المستخدمة، وتقارب الرسائل، وانتقال النشاط بين قنوات متشابهة.
"لا للاحتلال الإيراني": حملة سبقت "MLGA"
ظهر حساب "لا للاحتلال الإيراني" على منصة "X" في أيلول/سبتمبر 2024، وأطلق قناة على "يوتيوب" في 13 كانون الثاني/يناير 2025. ركز محتواه على مهاجمة "حزب الله" والدعوة إلى نزع سلاحه، ونقل مواقف سياسيين معارضين للحزب، وخصوصاً شخصيات مرتبطة بـ"القوات اللبنانية".
وفي تحقيق سابق لمعد التحقيق، وثّق نشر الحساب 19 فيديو على "يوتيوب"، حصدت مجتمعة نحو 3.5 ملايين مشاهدة، وظهر أن جانباً من محتواه خضع للترويج المدفوع. وكان حساب "Carla Hayek" من أبرز الحسابات المتفاعلة معه، كما ظهر في تفاعلات مرتبطة بريموند حكيم.
وتكشف مقارنة المحتوى تكرار كلمات ووسوم مثل "الدولة"، و"الدويلة"، و"حزب الله"، و"الاستخفاف بعقول الناس"، ووسمي "حزب الله انتهى" و"صار وقت التغيير".
أُزيلت قناة "لا للاحتلال الإيراني" من "يوتيوب" في فترة قريبة من ظهور "MLGA". وجاء الحساب الجديد برسائل مشابهة، وأدوات إنتاج وترويج متقاربة، واستهداف الجمهور نفسه، وحسابات تضخيم متداخلة. ترسم هذه العناصر استمرارية وظيفية بين الحملتين، وتظهر "MLGA" كحلقة أحدث في مسار دعائي سبق ظهوره. أما نسبة الحسابين إلى مشغل واحد فتحتاج إلى بيانات التسجيل والدفع التي تحتفظ بها المنصة.
ريموند حكيم... نقطة تقاطع متكررة
يُعرّف "ريموند ف. حكيم" نفسه على "X" بأنه "ناشط ومهتم بالشأن اللبناني والعربي"، ويرفع شعار "جيشان لا يبنيان دولة". انضم إلى المنصة عام 2016، وشارك وسم "لبنان لا يريد الحرب"، كما أعادت صفحة "إسرائيل بالعربية" نشر تغريدة له.
يقدم الحساب معلومات تعريف محدودة، وينشر مواد مناهضة لـ"حزب الله" وإيران، من بينها صور ومقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي. كما رصد التحقيق ادعاءات غير دقيقة في محتواه.
ظهر حساب حكيم بصورة متكررة في التفاعلات المحيطة بـ"MLGA" و"لا للاحتلال الإيراني"، وتفاعل مع حسابات تشارك في تضخيم محتواهما، ما يجعله نقطة تقاطع رئيسية في الخريطة.
وفي إطار حق الرد، لم نستطع التواصل مع الحسابين بسبب قيود X، التي أصبحت تمنع إرسال رسائل مباشرة لحسابات لا تتابع بعضها بعضا.