تشير تحقيقاتنا إلى أن قناصين اثنين؛ الأول من ميونيخ الألمانية،
والثاني من ولاية إلينوي الأميركية، قد يكونا أطلقا النار على رجال
فلسطينيين عزل في قطاع غزة، يُرجح أنهم مدنيون، ما أسفر عن مقتلهم.
فهل يوجد أي سيناريو يمكن بموجبه تبرير هذا الفعل قانونياً؟الأول
من ميونيخ الألمانية، والثاني من ولاية إلينوي الأميركية، قد يكونا
أطلقا النار على رجال فلسطينيين عزل في قطاع غزة، يُرجح أنهم
مدنيون، ما أسفر عن مقتلهم. فهل يوجد أي سيناريو يمكن بموجبه تبرير
هذا الفعل قانونياً؟
توم دانينباوم: بعد مراجعتي مقاطع الفيديو، لا
يبدو أن المقاطع تظهر مؤشرات تدل على أن الأفراد المعنيين كانوا
مسلحين أو منخرطين مباشرة في الأعمال القتالية. إن استهداف أفراد لا
يشاركون بشكل مباشر في الأعمال القتالية، ولا يؤدون وظيفة قتالية
محددة داخل مجموعة مسلحة منظمة، يُشكل انتهاكاً للقانون الدولي
الإنساني. وفي هذه الحالة، تشير الأدلة المتوفرة إلى ارتكاب جريمة
حرب.
أصدرت القوات العسكرية الإسرائيلية مراراً أوامر إخلاء لأجزاء من
قطاع غزة، بما فيها المنطقة التي قُتل فيها الرجال على ما يبدو.
وواضح أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يعترف بأن الأشخاص الذين لا
يمتثلون لأوامر الإخلاء، أو يبقون في تلك المناطق المحظورة، سكان
مدنيون عاديون، بل يصنفونهم مقاتلين. فهل يبرر القانون مثل هذا
السلوك؟
توم دانينباوم: لا، مثل هذا التصرف يُعد انتهاكاً
للقانون الدولي. إن الالتزام القانوني بإصدار تحذيرات مسبقة، والسماح
القانوني بإصدار أوامر إخلاء في ظروف محدودة، وُجد لحماية السكان
المدنيين، وليس لتبرير استهدافهم إذا ظلوا في أماكنهم. فالذين يبقون
في المنطقة لا يزالون يُعتبرون مدنيين، ويتمتعون بالحمايات القانونية
كافة المرتبطة بهذه الصفة. وينص القانون الدولي الإنساني على أن
الهجمات يجب أن تقتصر فقط على الأهداف العسكرية المشروعة، وبطريقة
تتسم بالتناسب. ولا تُعفي التحذيرات المسبقة أي طرف من هذا الالتزام.
وما دام في المنطقة مدنيون، كما الحال غالباً، تظل حمايتهم واجباً
قائماً. وأي جهة تنفذ هجمات عشوائية على السكان المتبقين، إنما توجه
ضرباتها ضد مدنيين، وبالتالي ترتكب جرائم حرب.
أحد القناصين، وهو من ولاية إلينوي الأميركية، زعم في مقابلة معه
أن الرجال الذين تعرضوا للقتل كانوا قد تجاوزوا خطاً وهمياً، ما
جعلهم أهدافاً مشروعة. ما رأيك في هذا التبرير؟
توم دانينباوم:
ببساطة، إنه تبرير خاطئ تماماً. لا يجوز استهداف المدنيين إلا إذا
كانوا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال القتالية، كأن يحملوا السلاح
مثلاً. مجرد عبور خط وهمي لا يغير الوضع القانوني للشخص، ولا يعني
أنه يشارك في الأعمال القتالية.
يبدو أن أحد الرجال الذين أُصيبوا بالرصاص كان يحاول سحب جثة من
المكان. من الناحية النظرية البحتة، هل يكون القتل مبرراً لو أن
الرجل القتيل كان قائداً معروفاً في حركة "حماس"؟
توم دانينباوم:
كلا، ليست محاولة انتشال جثة شكلاً من أشكال المشاركة المباشرة في
الأعمال القتالية. عموماً، انتشال جثث القتلى فعل محمي بموجب القانون
الدولي. وحتى لو كان المتوفَى مقاتلاً، علماً أنه في هذه الحالة لا
يتوفر أي دليل متاح للعامة يثبت هذا الافتراض، فإن ذلك لا يجعل أي
شخص يحاول استعادة جثة ما هدفاً عسكرياً مشروعاً.
تحدث الجندي في مقابلة معه، عن تكهنات لديه بأن الرجل الذي تعرض
لإطلاق النار، كان يحاول ربما استعادة وثائق مهمة من جيوب جثة
القتيل.
توم دانينباوم: يبدو أن هذا الادعاء مجرد تكهن
مبالغ فيه، سواء من ناحية حيازة القتيل وثائق فعلاً، أو محاولة الشخص
الآخر استعادتها. وحتى لو صح ذلك، فإن جمع الوثائق، ما لم يتوفر دليل
محدد على أهميتها المباشرة للعمليات العسكرية، ليس في حد ذاته مشاركة
مباشرة في الأعمال القتالية. ولو كان مثل هذا التبرير مقبولاً، لأمكن
للجيوش تبرير قتل أي مدني تقريباً، استناداً فقط إلى افتراضات بشأن
ما قد يقوم به المدني، ومدى احتمال ارتباطه بعمليات عسكرية. ومن
منظور القانون الدولي، هذا الادعاء غير قابل للدفاع. فبموجب القانون
الدولي الإنساني، عند وجود شكوك حول وضع شخص ما، لا بد من اعتباره
مدنياً.
في الأشهر الأخيرة، وُجّهت إلى الجيش الإسرائيلي اتهامات كثيرة، من
بينها استهداف متعمد لمستشفيات ومكاتب صحفية، فضلاً عن قوافل
مساعدات وقرى بأكملها تعرّضت للتدمير عمداً. ورغم إشارة الجيش بشكل
متكرر إلى فتح تحقيقات داخلية، فإنه نادراً ما يقدّم تفاصيل عن
القضايا قيد النظر. وفيما يتعلق بقضية القنّاصَين، يرفض الجيش
الإفصاح عن أي معلومات. فهل يمكن لمحاكم خارج إسرائيل، كالمحكمة
الجنائية الدولية، أن تنظر في هذه القضية؟
توم دانينباوم: للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص
قضائي على جرائم الحرب التي تقع في غزة، وذلك بعدما انضمت فلسطين
رسمياً إليها عام 2015. ومع ذلك، تظل المحكمة الجنائية الدولية محكمة
الملاذ الأخير. وبناء عليه، إذا قرر المدعي العام للمحكمة الجنائية
الدولية متابعة قضية من هذا النوع، ستبحث المحكمة في ما إذا كانت
الدولة التي تملك الاختصاص القضائي قد شرعت في "تحقيقات جادة"، بمعنى
أن تكون تحقيقات مستقلة، وجدية، منصبة تحديداً على الشخص نفسه
والسلوك الإجرامي ذاته محل ادعاء المدعي العام. خلافاً لذلك، يمكن
للمحكمة الجنائية الدولية اتخاذ ما تراه من إجراءات. مثلاً، أصدرت
المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،
ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، نظراً لعدم فتح تحقيق جنائي
إسرائيلي في ادعاءات تفيد بمسؤوليتهما عن ارتكاب جرائم حرب، وجرائم
ضد الإنسانية تتعلق بتجويع السكان المدنيين في غزة.
ألمانيا معروفة بتطبيق مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، وقد تجلى
ذلك في محاكمات جلّادي النظام السوري أو أمراء الحرب في إفريقيا.
ومع ذلك، أبدت تحفظاً لافتاً في التعامل مع جرائم حرب منسوبة إلى
إسرائيل. والآن، يقال إن أحد القناصين المشتبه في إطلاقهما النار
على مدنيين يملك الإقامة القانونية في مدينة ميونيخ. فهل يقع على
عاتق الادعاء العام الألماني التزام بالتحرك في هذه القضية؟
توم دانينباوم: نعم، بالتأكيد. إذا كان المشتبه
فيه موجوداً على الأراضي الألمانية، أو يحمل الجنسية الألمانية، فإن
السلطات الألمانية ملزمة، بموجب اتفاقيات جنيف و"البروتوكول الإضافي
الأول"، بفتح تحقيقات في القضية. وعلى نحو أوسع، ألمانيا ملزمة
بالتعاون مع الدول الأخرى المنخرطة في تحقيقات تتصل بجرائم حرب، بما
في ذلك هذه القضية.
رُفعت دعاوى جنائية في أوروبا ضد جنود خدموا في الجيش الإسرائيلي.
هل يمكن اتخاذ هذا المسار من الملاحقات الجنائية في الولايات
المتحدة؟ وكيف ستكون الإجراءات المتبعة في هذه الحالة؟
توم دانينباوم: من حيث المبدأ، يمكن ملاحقة جنود
خدموا في الجيش الإسرائيلي أمام القضاء الأميركي بتهم تتعلق بجرائم
حرب. غير أن الإجراءات القانونية في الولايات المتحدة تخضع لقيود
واضحة.
أولاً، في ما يتعلق بجرائم الحرب التي تحدث خارج الولايات المتحدة،
لا بد من تحقق أحد الشرطين التاليين: إما أن يكون المتهم موجوداً
داخل الأراضي الأميركية، أو أن يكون الجاني أو الضحية مواطناً
أميركياً، أو مقيماً دائماً في الولايات المتحدة، أو من أفراد القوات
المسلحة الأميركية. ويبقى هذان الشرطان أضيق نطاقاً من مبدأ الاختصاص
القضائي العالمي المعتمد في بعض الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا.
ثانياً، تبقى قائمة جرائم الحرب المنصوص عليها في التشريع الأميركي
أضيق بأشواط مقارنة بقائمة جرائم الحرب المعتمدة في كثير من الدول
الأوروبية. ويعزى ذلك إلى تركيز القانون الأميركي على الانتهاكات
الجسيمة للاتفاقيات الأربع التي تشكل اتفاقيات جنيف، إضافة إلى
مجموعة محدودة من الجرائم الأخرى، التي تشمل بعض الانتهاكات الجسيمة
للمادة المشتركة الثالثة في القانون الدولي الإنساني.
في المقابل، تُعد الدول الأوروبية، التي تُعتبر أطرافاً في
"البروتوكول الإضافي الأول" لعام 1977، ملتزمة بقائمة موسعة من
الانتهاكات الجسيمة. وتندرج معظم الجرائم التي نناقشها في حديثنا هذا
ضمن جرائم الحرب وفق القانون الدولي العرفي (بما في ذلك الانتهاكات
الجسيمة للمادة المشتركة الثالثة)، أو ضمن الانتهاكات الجسيمة
لاتفاقيات جنيف.
أخيراً، بموجب أحكام القانون المحلي للولايات المتحدة، لا يجوز
الشروع في ملاحقة جزائية متصلة بجرائم حرب إلا بعد تصديق المدعي
العام (أو بعض نوابه المحددين)، على أن تصب متابعة الدعوى من جانب
الولايات المتحدة في مصلحتها العامة، وتمثل ضرورة لتحقيق العدالة
الموضوعية. وفي الحالات التي يستند فيها الاختصاص القضائي الأميركي
إلى وجود المتهم داخل الولايات المتحدة (من دون أن يكون لأي من
أطراف الجريمة، الجاني أو الضحية، صفة المواطن الأميركي، أو
الإقامة الدائمة، أو الانتماء للقوات المسلحة الأميركية)، يلتزم
المدعي العام أو نائبه بالنظر أيضاً في مدى إمكانية إحالة المتهم
إلى جهة قضائية أجنبية ذات اختصاص، فضلاً عن تقييم الآثار السلبية
المحتملة على المواطنين الأميركيين أو أفراد القوات المسلحة أو
موظفي الحكومة الأميركية. تشكل هذه الشروط قيوداً كبيرة ومهمة،
خصوصاً في ظل الظروف السياسية الراهنة.
قانون "العدالة لضحايا جرائم الحرب" الذي نال التوقيع في كانون
الأول/يناير 2023، كيف يؤثر في اختصاص الولايات المتحدة في ملاحقة
جرائم الحرب؟
توم دانينباوم: منذ إقرار "قانون جرائم الحرب" عام
1996، بات بإمكان المحاكم الأميركية النظر في قضايا تتعلق بجرائم
حرب، يُزعم ارتكابها خارج الأراضي الأميركية. ولكن قبل صدور "قانون
العدالة لضحايا جرائم الحرب" عام 2023، كان ذلك مشروطاً بأن يكون
الجاني أو الضحية مواطناً أميركياً، أو من أفراد القوات المسلحة
الأميركية.
بموجب قانون "العدالة لضحايا جرائم الحرب"، عُدّل هذا القيد المتعلق
بالاختصاص القضائي. أصبحت المحاكم الأميركية اليوم مخولة بالنظر في
قضايا جرائم الحرب، ذات الطابع الخارجي، في حال وجود الجاني المزعوم
داخل أراضي الولايات المتحدة.
يشكل ذلك بديلاً للاختصاص القضائي القائم على ارتكاب الجريمة من جانب
مواطن أميركي، أو مقيم دائم في الولايات المتحدة، أو عضو في القوات
المسلحة الأميركية، أو ارتكابها ضدهم. هذان الخياران كلاهما يشكلان
بديلين للاختصاص القضائي الأوضح، المتمثل في وقوع الجريمة داخل أراضي
الولايات المتحدة.
كيف أثر ذلك في ملاحقة الأفراد، خصوصاً في القضايا التي تشمل
مواطنين أميركيين؟
كانت المحاكم الأميركية مخولة بمقاضاة المواطنين الأميركيين بتهم
جرائم حرب ارتكبت خارج الولايات المتحدة، حتى قبل صدور قانون
"العدالة لضحايا جرائم الحرب". يشمل أيضاً التشريع الصادر عام 2023
جرائم الحرب المرتكبة من جانب المقيمين الدائمين في الولايات المتحدة
أو ضدهم، وليس فقط المواطنين الأميركيين أو أعضاء القوات المسلحة
الأميركية.
لا بد من إثبات القضية الجنائية بشكل قاطع، في المحكمة، ضد أي فرد
معين. ويقع على عاتق النيابة عبء الوفاء بهذا المستوى من الإثبات.
يتضمن ذلك مثلاً، إثبات دور المتهم في الجريمة، وتبيان حالته الذهنية
وقت ارتكاب الفعل.
تأتي عدة جرائم حرب محتملة على توجيه هجمات قاتلة إلى أشخاص استناداً
فقط إلى مكان وجودهم أو عمرهم أو جنسهم. أبرز هذه الجرائم: توجيه
هجمات ضد مدنيين مع العلم بوجود، في أقل تقدير، خطر كبير وغير مبرر
بأن الأهداف أشخاص مدنيون.
وقد أُدرج ذلك ضمن الخروقات الجسيمة لـ"البروتوكول الإضافي الأول"،
واعتُبر جريمة حرب في نظام المحكمة الجنائية الدولية. ورغم أن
الولايات المتحدة ليست طرفاً في تلك المعاهدات، فإن هذا الحظر يُشكل
جريمة حرب بموجب القانون الدولي العرفي، الذي ينطبق على جميع الدول،
بما فيها الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإنه غير منصوص عليه حالياً في
التشريعات الأميركية المتعلقة بجرائم الحرب.
لذلك، إذا تم توجيه تهم ضد أي فرد متورط في القنص العشوائي، فإن
التهمة المحتملة بموجب تشريعات جرائم الحرب الأميركية ستكون القتل
العمد مع سبق الإصرار لشخص لا يشارك فعلياً في الأعمال القتالية.
كذلك يمكن توجيه تهمة القتل العمد كخرق جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة،
(خصوصاً في سياق احتلال غزة)، ولكن ربما تكون أقل ترجيحاً لما
يكتنفها من تعقيدات فنية وقانونية. في إطار تهمة القتل العمد مع سبق
الإصرار، يكمن السؤال الأساسي في ما إذا كان الجاني قد أخذ مخاطرة
كبيرة وغير مبررة لتحديد إن كان الهدف غير منخرط في الأعمال
القتالية. إطلاق النار المتعمد على أشخاص بناء فقط على مكان وجودهم،
أو جنسهم، أو عمرهم، سيُفهم منه أنه مستوفٍ لهذا المعيار.
رابط النسخة الانجليزية من المقابلة
"المعطيات كافة تشير إلى جريمة حرب"
بعد مراجعة عدة مقاطع فيديو مرتبطة بالحوادث، يعتقد توم دانينباوم، الخبير في القانون الدولي، أن الولايات المتحدة وألمانيا ملزمتان بالتحقيق في قضية القناصين اللذين ظهرا في فيديوهات إطلاق النار على أشخاص غير مسلحين في قطاع غزة.