ظلت عفاف*، مهندسة ديكور ستينية، تقطع مسافة مئة كيلومتر ذهاباً وإياباً لمدة شهرين، وهي تحمل حقيبة بداخلها طعام وأدوية نفسية، لزيارة ابنها، زين*، بأحد السجون الواقعة غرب القاهرة. لكنّها كانت تعود إلى منزلها بخيبة أمل كبيرة، فتنزوي بغرفتها تكمل بكاءها وحيدة؛ بسبب عجزها عن رؤية ولدها بسبب إيداعه في عنبر التأديب، وحرمانه من الزيارة وتلقي الإعاشة والدواء.
لم تستسلم عفاف واستطاعت التحدث مع نجلها بضع ثوانٍ، عبر نافذة صغيرة، يكسوها سلك حديد، مثبتة أعلى عربة الترحيلات التي تنقل المحتجزين من السجن إلى جلسات تجديد الحبس بالمحاكم. وقتها أخبرها عن "تعرضه للتعذيب"؛ فأسرعت للسجن وسجلت طلب زيارة استثنائية، وبعد مماطلة سُمح لها بزيارة مدتها عشر دقائق فقط.
خلال الزيارة، هرول زين نحو ركن منعزل، محاولاً الاختباء من كاميرات المراقبة، وأشار بيديه لها أن تقترب، فوجدته الأم حافي القدمين. أخرج زين أصابعه من فتحات السياج الحديدي، وقال لها: "انظري نزعوا أظافري يا أمي"، وخلع سترته واستدار ليريها آثار ما يبدو أنه تعذيب على ظهره، كما شمّر بنطاله ليريها أيضاً آثار حروق يقول إنها ناتجة عن "إطفاء المكلفين بالحراسة سجائرهم في جسده". صُدمت الأم مما رأته، وطلب زين منها الإسراع في تقديم شكوى إلى النيابة العامة.
في صباح اليوم التالي، تقدمت عفاف بشكوى إلى رئيس النيابة الكلية، أرفقت بها سجل زين الطبي الصادر عن مستشفيات حكومية، وطلبت فتح تحقيق بالواقعة، وفحص ابنها بواسطة الطب الشرعي؛ لإثبات ما به من إصابات.
زين واحد من بين ألف و569 مصرياً تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب الفردي والجماعي داخل مقار الاحتجاز، في الفترة بين عام 2017 و2023، وفق تقارير "أرشيف القهر" الصادرة عن مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب. ويؤكد المركز أن هذه الأرقام تُمثل فقط "قمة جبل الجليد"؛ إذ إن هناك العديد من الانتهاكات تُجرى في الخفاء، بعيداً عن التوثيق أو الرصد. كما يشير المركز إلى أن ما يرد في الأرشيف مقتصر على ما تمّ تجميعه من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.
أجرى مُعدّ التحقيق مقابلات مع خمس حالات أُفرج عنها، إضافة إلى
سجين آخر ما زال خلف القضبان، تقدموا جميعاً بشكاوى إلى النيابة
العامة وأمام القضاة، بشأن ما قالوه عن تعرضهم للتعذيب والعنف
الجنسي على يد رجال الشرطة خلال جلسات التحقيق. ولم يتخذ أعضاء
النيابة أيّ إجراءات سوى تسجيل استغاثاتهم في محاضر الجلسات، من
دون تحقيق فعلي.
كما حصلت "أريج" على مستندات قضائية توثق اعتماد سلطات الادعاء
العام على جهاز الشرطة ذاته في جمع المعلومات والأدلة، وإحضار
شهود بشأن وقائع التعذيب؛ وهي الوقائع التي أحد أطرافها أفراد من
هذا الجهاز. وغالباً ما ينتهي المطاف بهذه التحريات إلى حفظها؛
"لتعذر جمع المعلومات".
وتشير تقارير المنظمات الحقوقية -المحلية منها والدولية- إضافة
إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، إلى إهمال
النيابة العامة فتح باب التحقيق؛ ما يُعزز إفلات مرتكبي التعذيب
من العقاب.
وبحسب المادة 52 من الدستور المصري، فإن التعذيب بجميع صوره
وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم. وتعد التحريات أولى خطوات
الاستدلال بشأن الجرائم؛ ويراد بالتحريات جمع القرائن والأدلة
كلها التي تفيد في التوصل إلى الحقيقة، والنيابة لا تجريها
بنفسها بل تعتمد على الشرطة في إجرائها.
وتخضع أعمال الشرطة في جمع الاستدلالات لإشراف ورقابة وتوجيهات
أعضاء النيابة العامة، بموجب مواد الدستور المصري "189و199"،
ومواد قانون الإجراءات الجنائية "21 و23 و199".
وتشير دراسة بحثية صادرة عن منظمة هيومن رايتس ووتش، بعنوان
"إفلات الجناة من العقاب وحرمان الضحايا من العدالة في قضايا
التعذيب" إلى أن إشراك الشرطة في التحقيق بوقائع التعذيب ينشأ
عنه تضارب المصالح، ويسهم في عدم التحقيق الجاد في بلاغات تعرض
محتجزين للتعذيب.
وعلى الرغم من الحاجة إلى تعديل القانون لضمان محاسبة مرتكبي
جرائم التعذيب، قوبلت محاولات إجراء هذه التعديلات بالقمع.
حفظ الشكوى
بالعودة إلى زين، فقد استعان مُعد التحقيق بمحامٍ حقوقي، وتوجها
إلى سراي النيابة للاستفسار عن مصير شكواه، وتسلما ملف الشكوى
بموجب توكيل قضائي مخصص لهذا الغرض.
يتألف الملف من تسع صفحات؛ أربع منها عبارة عن تقارير طبية موثقة
تُشخص الحالة النفسية لزين، إلى جانب الشكوى، ومستند طلب النيابة
إجراء التحريات، وأخيراً وثيقة التحريات التي أعدتها المباحث
الجنائية بقسم الشرطة التابع له السجن.
تملك النيابة العامة سلطة رفض التحريات إذا كانت غير مدعومة
بمعلومات أو وقائع محددة، أو إذا كانت مجرد أقوال مرسلة؛ إذ إن
النيابة لا تكتفي بقبول التحريات بشكل آلي، بل تقوم بدور رقابي
وناقد لمحتواها. وعادةً، تطلب استكمال التحريات بوسائل تحقيق
إضافية، حسبما يشرح عبد الرؤوف مهدي، أستاذ القانون الجنائي.
ورغم أن نصوص المواد 21 و24 و29 من قانون الإجراءات الجنائية
تفرض على ضباط وحدات المباحث الجنائية ومرؤوسيهم إثبات الإجراءات
التي اتخذوها كافة، والإيضاحات التي استطاعوا الحصول عليها؛ مثل
الاستماع لأقوال رفاق زنزانة زين عن الواقعة، وإجراء المعاينات
وتسجيلها بمحضر التحريات، فإن (أ.ع)، ضابط مباحث ومُحرر محضر
تحريات واقعة "زين"، استغرق ثلاثة أشهر لتحرير محضر يخلو من أيّ
معلومة أو إجراء قام به، وعلّل ذلك بضرورة معاينة السجن.
وبالسؤال عن مصير الشكوى، تبين أن النيابة حفظتها من دون إبداء
أسباب، ولم تخطر الشاكي بذلك.
يعلق الباحث القانوني بالنقد الدستوري للتشريعات، محمد عبيد، على
الواقعة، قائلاً: "النيابة لم تحقق في الشكوى، وما قامت به هو
إجراء روتيني، والمادة 63 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز لها
حفظ الشكوى؛ أي إغلاق التحقيقات من دون إبداء أسباب"، بالإضافة
إلى عدم وجود مادة قانونية تلزم النيابة بإخطار الشاكي بحفظ
شكواه.
بموجب المادة 42 من قانون الإجراءات الجنائية، يملك أعضاء
النيابة سلطة زيارة السجون، ولهم الحق في الاتصال بأيّ محبوس
وسماع شكواه، إلا أن زين، الذي عانى إصابات ظاهرة في جسده، يؤكد
أنه لم يُستدعَ لسماع أقواله.