حكاية لم تنتهِ
في محافظة المنيا جنوبي مصر، لم تتوقف رحلة محمود سليم بعد اعتزاله
ألعاب القوى. فالرياضة بالنسبة له ليست مجرد هواية، بل وسيلة حياة تقيه
من مضاعفات إعاقته، ما دفعه إلى عدم الاستسلام، فاتجه بعد سنوات إلى
ممارسة رياضة "الدراجات الثلاثي" بشكل فردي، مقرراً تحمل نفقات الأدوات
والتدريب، بعد أن طاف على كل مراكز الشباب في محافظته، لعله يجد مركزاً
واحداً يصلح لممارسة الرياضة، بما يتماشى مع ظروف إعاقته، لكن من دون
جدوى.
محمود ساعدته ظروفه المادية على استئناف نشاطه الرياضي، لكنّ غيره لم
يستطع، وانتهى المطاف بكثيرين في محافظته إلى هجر الرياضة تماماً، على
حد قوله.
هذه المعاناة تعكس جانباً من واقع أوسع؛ إذ شهد الريف في مصر خلال
العقد الأخير، موجات متلاحقة من التضخم انعكست مباشرة على حياة
المواطنين. فالأرقام تكشف قفزات واضحة في الأسعار، إذ بلغ معدل التضخم
السنوي 32 في المئة عام 2017، ثم استمر في الارتفاع بدرجات متفاوتة
وصولا إلى 37 في المئة عام 2023، و27.6 في المئة عام 2024. ووفقاً
لمؤشر الرقم القياسي، فقد ارتفعت الأسعار من 63.1 نقطة عام 2016 إلى
231.6 نقطة في 2024، ما يعكس تضخماً تراكمياً يقارب 267 في المئة؛ أي
أن الأسعار باتت أعلى بنحو 2.7 مرة، وهو ما يزيد من أعباء المعيشة بشكل
ملحوظ.
يعاني ريف مصر تضخماً تراكمياً ضاعف الأسعار بنحو 3 مرات خلال ثماني
سنوات
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
تحرك داخل مجلس الشيوخ
على الورق تولي الدولة اهتماماً كبيراً للرياضيين من ذوي الإعاقة، لكن
على الأرض، لا خطوات ملموسة تؤدي إلى دمج حقيقي.
في آذار/مارس عام 2023، ناقش مجلس الشيوخ المصري، طلباً تقدم به عضو
المجلس هشام سويلم، بشأن استيضاح سياسة وزارة الشباب والرياضة المصرية،
لتطبيق المادة رقم 82 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 10 لسنة 2018،
بخصوص حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفعيل دور مراكز الشباب، وتوفير
أماكن ملائمة لهم لممارسة الرياضة.
حول ذلك، يتساءل هشام سويلم، عضو مجلس الشيوخ، عن كيفية استفادة ذوي
الإعاقة من الاشتراكات المجانية داخل مراكز الشباب، في ظل عدم قدرتهم
على الوصول لهذه المراكز من الأساس، مؤكداً ضرورة العمل على تحسين هذه
المنشآت.
يوضح سويلم أن غياب التجهيزات والمتطلبات اللازمة لذوي الإعاقة بشكل
كامل عن مراكز شباب القرى، الأمر الذي عاينه بنفسه داخل قرى محافظة
المنوفية، التي ينتمي إليها، كان الدافع لهذا التحرك النيابي. ما قاله
سويلم يتماشى مع الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة
العامة والإحصاء المصري؛ فبحسب النشرة السنوية الأخيرة لإحصاء النشاط
الرياضي في المنشآت الرياضية المصرية، كانت محافظة المنوفية من بين
ثماني محافظات أخرى، اختفت فيها رياضات ذوي الإعاقة من مراكز شباب
القرى بشكل كامل.
المحافظات الأكثر فقداً للرياضيين من ذوي الإعاقة
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
في استطلاع الرأي الذي أجريناه، أجمع نحو 91 في المئة من المشاركين على
أن توفير منشآت مهيأة لذوي الإعاقة سيشكل دافعاً قوياً للاستمرار في
ممارسة الرياضة أو العودة إليها.
علي محمود، لاعب خماسي حديث من ذوي الإعاقة (وهي خمسة اختصاصات رياضية
مختلفة: السباحة، والمبارزة، وركوب الخيل، والرماية بالمسدس، والجري)
بأحد الأندية الخاصة في العاصمة المصرية القاهرة؛ لديه تجربة مختلفة،
تمثل نموذجاً واضحاً على ما يعكسه توفر التجهيزات اللازمة لذوي الإعاقة
في المنشأة الرياضية.
فقد استفاد علي من وجوده في قلب العاصمة، إلى جانب قدرة أسرته المادية
على تغطية النفقات اللازمة، فتمكن من الالتحاق بنادٍ خاص مشهور، وجد
فيه ما لم يجده في كثير من الهيئات الرياضية التابعة للدولة، ما سهل
عليه الأمر، ومكّنه من مواصلة مسيرته.
أزمة أكثر تعقيداً
تزداد صعوبة ممارسة الرياضة بالنسبة للإناث من ذوي الإعاقة في مراكز
شباب القرى، فغياب التجهيزات لا يقابله فقط عجز في الإمكانات، بل يمتد
ليشمل انعدام الخصوصية وتهيئة المساحات الآمنة.
هذا الواقع ينعكس بوضوح في الأرقام، فرغم أن الإناث يشكلن نصف عدد
الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر تقريباً، لا تتجاوز نسبتهن في المجال
الرياضي 11 في المئة، من إجمالي الرياضيين من ذوي الإعاقة.
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
منى راشد بعيت، لاعبة رفع الأثقال للمكفوفين، وابنة قرية شطا بمحافظة
دمياط، تقول إن مركز الشباب في قريتها غابت عنه كل التجهيزات اللازمة،
كرياضية من ناحية، وكفتاة من ناحية أخرى. وبحسب منى، لا توجد بالمركز
غرف مناسبة لتغيير الملابس، كما لا توجد دورات مياه مخصصة للنساء
والفتيات، ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً للإناث مقارنة بالذكور.
غياب الخصوصية للفتيات داخل مراكز شباب القرى لا يقتصر فقط على
المرافق، بل يمتد إلى عنصر الكوادر الفنية من النساء. تتحدث منى عن ذلك
مشيرة إلى أن مركز الشباب في قريتها يخلو من المدربات، الأمر الذي قد
يجعل قرار ممارسة الرياضة للفتاة خطوة صعبة.
الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء،
تؤكد ما أشارت إليه منى، فبحسب أحدث نشرة سنوية لإحصاء النشاط الرياضي
في المنشآت الرياضية، يبلغ إجمالي غرف تغيير الملابس، في جميع مراكز
شباب القرى على مستوى الجمهورية، ألفاً و203 غرف فقط؛ موزعة على أكثر
من أربعة آلاف مركز شباب، وهي للرياضيين الذكور والإناث من الأصحاء
وذوي الإعاقة معاً.
أما عن الجانب الفني، فلا يتجاوز عدد مدربات ذوي الإعاقة العاملات في
مراكز شباب القرى، على مستوى الجمهورية، أربعين مدربة، بحسب "التعبئة
والإحصاء".
التوزيع الجغرافي لهؤلاء المدربات يكشف عن خلل واضح في التوازن بين
المحافظات؛ إذ تتركز 30 مدربة منهن في محافظة الجيزة فقط؛ أي 75 في
المئة من إجمالي العدد. في المقابل، كان نصيب محافظة قنا أربع مدربات،
فيما اقتصر نصيب محافظات القليوبية والإسماعيلية والمنيا على مدربتين
فقط لكل منها، في حين غابت المدربات تماماً عن ما تبقى من المحافظات،
بما فيها محافظة دمياط، التي تنتمي إليها منى.
رحلة لم تكتمل
بدأت منى مسيرتها الرياضية عام 2018، وحققت إنجازات لافتة خلال أربع
سنوات فقط؛ أبرزها الميدالية الفضية في بطولة العالم، والذهبية في
بطولة إفريقيا، واختيارها كأفضل لاعبة في القارة لعام 2019.
ورغم النجاحات، فإن تجربتها كانت مثقلة بالعقبات؛ فعدم تأهيل مركز
الشباب في قريتها أجبرها على السفر بشكل دوري إلى محافظة الإسماعيلية،
التي تبعد عنها نحو 137 كيلومتراً، من أجل الانتظام في التدريب.
تحكي منى عن اعتراض كبير واجهته من أسرتها في بداية مسيرتها، بسبب غياب
الخصوصية داخل مركز الشباب، لكنها استطاعت إقناعهم مع الوقت، خاصة بعد
أن بدأت تحقيق البطولات.
تؤكد مجدداً أن أزمة الخصوصية تواجه كثيرات غيرها، ممن لم يستطعن خوض
التجربة من الأساس، أو انسحبن منها مبكراً، لأن البيئة المحيطة لا توفر
الحد الأدنى من الخصوصية التي تحتاج إليها الفتيات لممارسة الرياضة.
رغم إنجازاتها اللافتة في رحلة لم تدم طويلاً، قررت منى الاعتزال؛ بل
دُفعت إليه دفعاً بسبب واقع "مُحبِط" استطاع أن يطفئ الأمل داخلها.
فعدم وجود أي هيئة رياضية قريبة من محل سكنها، تراعي نوع إعاقتها، كان
كفيلاً بإنهاء مسيرتها الرياضية: "كان نفسي أكمل مشواري... لكن
مقدرتش".
مقابل كل 10 لاعبين ذكور توجد لاعبة واحدة فقط تمارس الرياضة نفسها
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
مراكز شباب القرى خالية تماماً من أي تجهيزات للرياضيين من ذوي الإعاقة
مرت عدة سنوات على تخصيص الدولة المصرية عاماً لذوي الإعاقة، كما مرت
أيضاً على صدور قانون ينص على حقوقهم داخل المجتمع الذي يعيشون فيه.
قانون ما زالت نصوصه حبيسة الأوراق، من دون أثر ملموس في حياة
الرياضيين من هذه الفئة التي لم تتغير ظروفها طيلة هذه الأعوام؛ ليكون
ذوو الإعاقة من الرياضيين في ريف مصر أمام اختيارين كلاهما مُر: معاناة
مستمرة، أو اعتزال إجباري.
إعمالاً بمبدأ حق الرد، حاولنا التواصل أكثر من مرة، وبعدة طرق، مع
مسؤولي وزارة الشباب والرياضة المصرية للتعليق على ما توصل إليه
التحقيق، لكن لم يصلنا أي رد.
نشر هذا التحقيق بالعربية في المواقع التالية: