بقوة الأمر الواقع

"مستثمرون" نافذون يساومون نازحي سوريا على أراضيهم

صالح إبراهيم

يكشف التحقيق عن اضطرار نازحين سوريين من ريف حماة إلى توقيع عقود "استثمار مباشر" لأراضيهم الزراعية، بتنسيق شركة نافذة بالمحافظة، في ظل عدم قدرتهم على العودة إليها.

كأنّ جبلاً أطبق على صدر معتصم حين بلغه الخبر؛ تلك الأشجار التي عاش سنوات تحت ظلها، يقتات من جودها، تعرّضت للقطع. لم تتوقف المرارة عند حدود الفقد، بل تجاوزتها إلى نصائح باردة تصله بضرورة بيع الأرض بسعر بخس.

قضى يومين مضطرباً، كوالد ينتظر خبراً عن أبنائه؛ فطالما كان يردّد أن "الشجرة بغلاوة الولد". ورغم أن المسافة التي تفصله عن قريته "المبطن"، في محافظة حماة السورية، حيث أرضه، لا تتجاوز الساعة تقريباً، لا يستطيع زيارتها من جديد ليتفقد أحوالها، منذ أن غادرها عند غروب الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين كانت قوات "ردع العدوان" (قوات فصائل المعارضة السورية المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام) تتقدم نحو القرية؛ ليبقى هو رهين تلك اللحظة، يراقب من بعيد كيف تُقتلع جذور حياته مع كل شجرة تسقط.

صورة خلفية ثابتة

تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي

أمام الأبواب الموصدة، وتلاشي آمال العودة إلى دياره التي هُجر منها قبل نحو عام ونصف (حتى تاريخ نشر التحقيق)، لم يجد معتصم ملاذاً لحماية أرضه سوى اللجوء إلى "مستثمر"، كخيار أخير لإنقاذ ما تبقى من إرثه.

تأتي مأساة معتصم كفصل من فصول موجات النزوح الداخلي التي شهدتها سوريا، نتيجة عملية "ردع العدوان" العسكرية، وما تبعتها من أحداث، حيث قدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد النازحين بأكثر من مليون شخص في ذروة الأحداث بين 27 تشرين الثاني/نوفمبر و12 كانون الأول/ديسمبر 2024.

ومع التحول السياسي الكبير الذي أعقب سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، بدأت قوافل النازحين بالعودة إلى مناطقها، إلا أن هذا المسار لم يكن متاحاً للجميع؛ فما تزال مجموعات من نازحي أرياف حماة، وتحديداً من قرى المكون العلوي، عاجزة عن العودة إلى بيوتها وأراضيها حتى تاريخ نشر التحقيق، ليبقى مصير أملاكهم معلقاً بين وطأة النزوح ومحاولات الاستغلال.

عقب موجة النزوح تلك، بقيت الأراضي الزراعية مهملة تواجه مصيراً مجهولاً. ورغم سعي أصحابها لتأمين رعايتها عبر تكليف معارف لهم من القرى المجاورة بـ"استثمارها" بموجب عقود أو اتفاقات شفهية؛ إذ تعثر تصديق العقود من دون أسباب واضحة، وفق أصحاب أراضٍ.

وبعد مرور أشهر قليلة، ظهر واقع جديد؛ حيث فُوجئ النازحون بشخصيات ذات علاقة بشركة استثمار زراعي تطرح عليهم ما عُرف بـ"عقود الاستثمار"، ليجد أصحاب الأرض أنفسهم مدفوعين تحت وطأة الظروف للقبول بهذه العروض كخيار وحيد متاح.

ولم تقتصر الضغوط على الاستثمار فحسب، بل وصلت إلى حد تلقي البعض عروضاً لبيع أراضيهم بأسعار زهيدة لا تعكس قيمتها الحقيقية. ومع تمسك البعض بملكيتهم ورفضهم للبيع، بدأت سلسلة من الاعتداءات طالت الأشجار المعمرة التي تعرضت للقطع على يد مجهولين؛ ما كبّد المزارعين خسائر فادحة لم تكن في الحسبان.

في هذا التحقيق، تواصلنا مع 12 نازحاً من قرى شمال حماة، وأخفينا أسماءهم كافة؛ لضمان سلامتهم الشخصية. تضمنت تلك الشهادات أقوال ثلاثة نازحين اضطروا إلى توقيع عقود "استثمار مباشر"، واثنين آخرين تعرضت أشجار في أراضيهم للقطع.

ووثّقنا عبر تقنيات الاستشعار عن بعد، وصور ميدانية، تدهور أراضيهم الزراعية في فترة غيابهم، وقطع عدد من أشجارها.

كما تتبعنا -عبر العقود وفيديوهات- هوية بعض "المستثمرين"، وكشفنا عن صلات تجمعهم بمدير فرع شركة نافذة بمحافظة حماة، وهي الشركة التي كان مديرها العام السابق، وزير الزراعة الحالي. ووفق أحد المزارعين المستفيدين، فمدير الشركة في حماة هو من تولى عملية توزيع الأراضي عليهم.

صورة خلفية ثابتة

محاولات العودة

ظنّ معتصم أن نزوحه عن أرضه مجرد استراحة عابرة، سيعود بعدها لترميم ما أفسده الغياب بين أشجار فستقه الحلبي؛ لكنّ آماله اصطدمت بواقع مرير. فحين حاول وفد من قريته "المبطن" والجارة "مريود" العودة، صدّتهم الحواجز الأمنية لـ"عدم القدرة على ضمان سلامتهم".

ومع كل محاولة فاشلة للقاء محافظ حماة، كانت الأبواب تُوصد بالحجة ذاتها، ليغرق معتصم في دوامة من اليأس، بينما يطرق شهر تموز/يوليو الأبواب ومعه موسم القطاف الذي لا ينتظر أحداً.

وفي شهر حزيران/يونيو، تمكن وفد من قرى الزغبة والطليسية والفان ومعان من مقابلة محافظ حماة، الذي أخبرهم بضرورة إبرام عقود "استثمار"؛ لضمان حماية أراضيهم، وحفاظاً على محاصيلهم من التلف والتعرض للإصابة بالأمراض، ومنعاً للرعي الجائر، وفق شروط يتفقون عليها مع "المستثمرين".

كان محافظ حماة، عبد الرحمن السهيان، كادراً في "هيئة تحرير الشام"، ولقب بـ"أبي فراس الحموي".

حلّلنا بيانات صور الأقمار الصناعية لمنطقة المبطن بين عامي 2024 و2025، وأظهرت النتائج تآكلاً للمساحة الخضراء؛ فبعد أن كانت نحو 86.5 في المئة من الأراضي مستغلة زراعياً عام 2024، انخفضت هذه النسبة إلى 22.3 في المئة عام 2025.

كما انخفضت المساحة ذات الكثافة الخضراء من نحو 1642 هكتاراً إلى 423 هكتاراً، مقابل توسع رقعة الأراضي غير المستغلة زراعياً إلى ما يزيد على 77 في المئة من إجمالي المساحة المدروسة.

وتعكس هذه المؤشرات تراجعاً في كثافة الغطاء النباتي في المنطقة خلال عام 2025، ما يعني أن المساحات الزراعية لم تُرعَ خلال هذه الفترة، وهو ما يتوافق مع أقوال الحالات التي نزحت.

2024
0%
من الأرض مستغلة زراعياً
2025
0%
من الأرض مستغلة زراعياً

المساحة ذات الكثافة الخضراء (هكتار)

وتعكس هذه المؤشرات تراجعاً في كثافة الغطاء النباتي في المنطقة خلال عام 2025، ما يعني أن المساحات الزراعية لم تُرعَ خلال هذه الفترة، وهو ما يتوافق مع أقوال الحالات التي نزحت.

صورة خلفية ثابتة

عروض "الاستثمار"

سعى معتصم في بادئ الأمر إلى الاحتكام للعرف المحلي، فعرض أرضه لما يسمى "الضمان" على أحد الفلاحين من أبناء المنطقة، الذي تربطه به علاقة طيبة وثقة متبادلة؛ وهو إجراء عرفي شفهي يتيح للفلاح أن يزرع الأرض أو ينتفع بها مقابل التزام متفق عليه مع المالك.

هدأ بال معتصم نسبياً بعد ذلك الاتفاق، الذي يسمح له بمقابل يعينه على الإيفاء بمتطلبات الحياة، ويضمن له في الوقت ذاته أن تظل أشجاره في يد أمينة، غير أن تلك الطمأنينة تبددت سريعاً حين طُرد "الضامن" من الأرض، على يد مجهولين.

مع مرور الأسابيع وضغوطات الحياة، وجد معتصم نفسه مضطراً إلى قبول عرض تاجر فستق حلبي من مدينة صوران بحماة، ووقّع معه عقد "استثمار" تمكنا من الحصول على نسخة منه.

ظل معتصم يترقب أخبار أرضه، وكل ما تصله من أنباء لا يتمكن في كثير من الأحيان من تبيان صحتها. يمرّ الشهر السابع من 2025 من دون أي أخبار عن موسمه، أو عن تنفيذ شروط عقد "الاستثمار "الموقع بينه وبين تاجر صوران.

ووصله أخيراً خبر أنّ محاصيل موسم 2025 في أرضه تعرّضت للسرقة، وأرضه متروكة بلا عناية، ثم تفاجأ بأن عقده مع التاجر لم يوثق لأسباب غير معروفة، ثم دفعته شائعة قطع أشجار أرضه إلى قبول عرض آخر "لاستثمارها".

يقول معتصم: "توقعت أن يكون الاستثمار حلاً مؤقتاً؛ لأنني أرغب في العودة إلى قريتي بعد تنفيذ العدالة الانتقالية، توسمت أن يحمي لي أشجاري من القطع والأذى والتهديدات المبطنة، التي قد تصلني لأبيعها بأبخس ثمن، حتى إن عدت يوماً أجد الشجر بانتظاري".

حصلنا على المحادثات التي دارت بين معتصم و"المستثمر" الآخر، فتبين أنه بدأ بعناية أرضه في أواخر خريف 2025. كما حصلنا على فيديوهات توثق ذلك.

وتضمنت المحادثات أيضاً استلامه قطعة أرض أخرى "ليستثمرها" -بناءً على عقد موثق حصلنا عليه- تنفيذاً لتعليمات شخص يدعى "أبو البراء"، وهو الاسم الذي سيظهر مرة أخرى، لكن هذه المرة في الزغبة.

وينص العقد على أن الفريق الأول يسلم الفريق الثاني أرضاً زراعية "لاستثمارها" لمدة سنتين، مقابل تقاسم الإنتاج بنسبة 40 في المئة للمالك، و60 في المئة "للمستثمر".

عقد سنتين
المالك 40%
— حصة صاحب الأرض من الإنتاج
"المستثمر" 60%
— الطرف المستلم للأرض لاستثمارها

كما يحمّل العقد "المستثمر" جميع مصروفات الخدمة والزراعة، ويمنعه من التنازل عن "الاستثمار" للغير، مع التزامه بإخلاء الأرض عند انتهاء مدة العقد، أو عند عودة أصحاب الأراضي إلى قراهم، ويتطابق هذا العقد مع عقود أخرى وقعها نازحون مع "مستثمرين" آخرين، حسب شهادات وعقود حصلنا عليها.

صورة خلفية ثابتة

قطع الأشجار وخسائر مليونية

لم يضطر معتصم إلى توقيع "عقود استثمار" من فراغ، بل من قصص تداولها الناس فيما بينهم عن أشخاص تعرضت كروم الفستق الحلبي والزيتون الخاصة بهم في ريف حماة الشمالي للقطع، مثل أرض فياض بالمبطن.

يقول فياض: "باع جيراني أرضهم بسعر ألفي دولار، في حين بيع الدونم في القرى المجاورة لقريتنا بسبعة آلاف دولار. أرضي كرم مشجر ونصحني الجيران أن أفعل مثلهم حتى لا تتعرض الأشجار للقطع، لكنني رفضت"، مضيفاً أنه قال لهم "أرغب في العودة إلى قريتي، وأنّ كل حبة تراب منها تعادل الدنيا بنظري"، وبعد يومين وصلته صور أشجار الأرض مقطوعة على واتساب.

حصلنا على صور تُظهر أشجار اً مقطوعة في أرضه، كما تمكنا من تحديد الموقع عبر الأقمار الصناعية، وأظهرت مطابقة موقع الأرض مع صور الأقمار الصناعية حالة التجريف؛ إذ تبين من خلال تحليل نطاق الأراضي الزراعية بالقرية تحوّل ما يزيد على 2 في المئة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ عارية تماماً، ما عزّز شهادة المصدر بأنّ المساحة المحددة تعرّضت للتجريف.

ووفق شهادة أحد المزارعين في مورك، فإن بعض قطع الأراضي المهجورة تعرضت للقطع والنهب، واصفاً ذلك بـ"ردة فعل غاضبة من أهالي الضحايا السنة ممن لهم قتلى، ويكون رد الفعل بقص الشجر والتخريب"، مضيفاً أن الدولة وضعت يديها على الأراضي لحمايتها.

ورصدنا انخفاضاً في أسعار الأراضي في قرى شمال حماة من خلال تتبع حسابات مكاتب عقارية على "فيسبوك"؛ إذ شملت العروض قرى المبطن ومريود ومعان وأبو منسف، بأسعار تراوحت بين 700 و2000 دولار للدونم الواحد من الأراضي غير المشجرة. أما الأراضي المشجرة، فقد سجّل سعر دونم الزيتون ما بين 1500 و2200 دولار، فيما تأرجحت أسعار دونم الفستق الحلبي بين 2500 و3600 دولار، وذلك تبعاً لعمر الأشجار في كلا الصنفين.

أرض غير مشجرة
$700 – $2,000
دونم زيتون (حسب عمر الأشجار)
$1,500 – $2,200
دونم فستق حلبي (حسب عمر الأشجار)
$2,500 – $3,600
$3,600 $0
القرى المشمولة: المبطنمريودمعانأبو منسف

وتشير هذه الأسعار إلى تراجع القيمة السوقية لسعر الدونم بأقل من نصف ما كانت عليه قبل سقوط النظام، حسب تقديرات أصحاب أراضٍ اضطروا إلى البيع تحت وطأة الظروف الاقتصادية، وعقود بيع حُرّرت قبل سقوط النظام.

الاستثمار في الزغبة

خريطة قرية الزغبة 2025
خريطة قرية الزغبة 2024
2024 3 2025 3

مقارنة متوسط التغير في الغطاء النباتي في قرية الزغبة

سياق قرية المبطن يتقاطع ويتشابه مع القرى الأخرى من ريف حماة الشمالي الشرقي، فقد اضطر موسى من الزغبة إلى ترك أرضه، والنزوح إلى مكان أكثر أماناً.

يقول موسى: "خرجت من القرية يوم 2 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعدما خروج عائلاتنا، بقي الرجال في القرية لمتابعة ما سيحدث، ثم اضطررنا إلى الخروج كافة، وتركنا أراضينا خاوية بلا رعاية".

ووفق مؤشر اختلاف الغطاء النباتي المعياري NDVI، انخفض متوسط الغطاء النباتي الشهري طوال عام 2025 في الزغبة، على النقيض من عام 2024 الذي شهد ذروة في الغطاء النباتي في موسم الشتاء.

بعد مرور شهور، وبناء على نصائح محافظ حماة، وقّع موسى عقد "استثمار " أولي مع "مستثمر" من قرية مورك في ريف حماة؛ وهو تاجر فستق حلبي، بالشروط نفسها التي وقعها معتصم.

مقارنة متوسط الغطاء النباتي (NDVI) في قرية الزغبة

وعرف موسى لاحقاً أنّ المستثمر ذاته يستثمر في مساحة واسعة من أراضي الزغبة؛ وهي -حسب وصفه- أكثر المساحات غنى بالفستق الحلبي، وتبلغ أعمار أشجار الفستق الحلبي فيها ما يزيد على 40 عاماً. وحصلنا على عقود أولية، وقعها هو أو أفراد من عائلته مع نازحين من الزغبة، لكنّ عملية التوثيق النهائية لم تتم، وفق أصحاب الأراضي.

ولمعرفة من يقف وراء عملية تقسيم الأراضي في الزغبة، حصلنا على فيديو يظهر فيه مزارع، وهو يشكر في نهايته "الشيخ أبو البراء" الذي قسم الأراضي على "الفقراء القادمين من الشمال"، مشيراً إلى أنهم نازحون منذ عام 2017.

"أبو البراء" والعلاقة باكتفاء

يتكرر اسم "أبو البراء" على ألسنة الحالات التي اضطرت إلى توقيع عقود "استثمار"، فمن هو أبو البراء؟

"أبو البراء" كنية تعود إلى المهندس منذر الزهوري، الذي يشغل عضوية مجلس نقابة المهندسين الزراعيين، ونشرت صفحة محافظة حماة منشوراً قدّمت فيه الزهوري بوصفه مسؤول الزراعة في المنطقة الوسطى بالمحافظة.

وورد على صفحة شركة "اكتفاء" أن الزهوري يشغل منصب "مدير فرع الشركة في حماة"، لكن عندما تواصلنا معه نفى علاقته بالمحافظة، وأقر بأنه مدير فرع شركة "اكتفاء" في حماة.

كما يظهر أيضاً في صور تعود إلى ندوات خاصة عقدتها شركة "غراس للاستثمار الزراعي"، قبل أن يتغير اسمها إلى شركة "اكتفاء للاستثمار الزراعي".

ويتقاطع ما توصلنا إليه مع تقارير صادرة عن منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" و"المرصد السوري لحقوق الإنسان" ومنظمات أخرى، أوردت أن شركة "اكتفاء" تنسق عمليات "استثمار" لأراضي النازحين، الذين فقدوا القدرة الفعلية في التصرف في أراضيهم.

يذكر أنّ شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي أُسّست في تشرين الأول/أكتوبر 2024 في إدلب. وعلى موقعها الرسمي -الذي لا يظهر بيانات مالكها- تُقدم بأنها شركة تعمل في الإنتاج الزراعي، والأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والزراعة الذكية.

وترتبط "اكتفاء" بشركة "غراس للتنمية والاستثمار الزراعي"، التي كان مديرها باسل سويدان، المدير السابق لـ"اكتفاء"، والصندوق السيادي لقطاع الزراعة، الذي يشغل الآن منصب رئيس هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، ووزير الزراعة في الحكومة السورية الحالية. كما أنّ مدير شركة اكتفاء الحالي محمد حنوف كان مسؤولاً عن مشروع الفطر في شركة "غراس".

وأجرينا تحليلاً شبكياً لـ60 رقماً هاتفياً فريداً، ترتبط بثلاثة كيانات رئيسة؛ هي: "شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي"، "غراس للاستثمار الزراعي"، و"الخضراء للاستثمار الزراعي" التي أُسست أيضاً في إدلب، وتبين أن الشركات الثلاث ترتبط معاً برقم دولي.

كما كشف تحليل أرقام شركة "اكتفاء" أن رقم "أبي البراء" متصلاً بإحدى أرقام الشركة، وكان الرقم مسجلاً باسم "أبو البراء حمص" و"أبو البراء هيئة تحرير الشام" و"منذر أبو البراء زهوري"، وهو ما يتطابق مع اسم الشخص الذي ادّعى بعض المستثمرين أنهم حصلوا على قطع أراضي النازحين من حماة عن طريقه.

تواصلت "أريج" مع محافظة حماة لنقل شهادات النازحين عبر البريد الإلكتروني المعلن على صفحاتها الرسمية، فوصلنا رد من شخص يدعى "أبو البراء الحموي"، الذي أخبرنا أنه هو نفسه منذر الزهوري، مدير فرع شركة اكتفاء.

وصف الزهوري شهادت النازحين الذين التقيناهم بـ"الباطلة"، مطالباً بزيارة المكتب بصحبة المصادر "للرد على الادعاءات الباطلة من قبلهم".

تواصلنا مع الزهوري هاتفياً وعبر البريد مرة أخرى، مؤكدين على عدم إمكانية الكشف عن هوية مصادرنا، مكررين الطلب بالرد، على أن ينشر رده نصاً، لكننا لم نتلقَّ منه أي رد، حتى تاريخ نشر التحقيق.

نتائج البحث عن رقم أبو البراء وأسمائه المرتبطة
ملخص شخصي لأبو البراء خطاب

تخبو آمال النازحين من قرى شمال حماة في العودة رويداً رويداً، فبعد مرور قرابة عام ونصف على سقوط النظام، لم يبقَّ من صلتهم بأرضهم سوى خيط واهٍ يتمثل في "عقود استثمار".

"فقدت كل ما أملك عند خروجي من بلدتي، لحظتها شعرت أنني سأخسر ما هو أكبر من الماديات، سأخسر أرضي والمكان الذي كبرت فيه وربيت فيه أولادي ودفنت فيه أغلى ما أملك؛ والدي".

سيطرت على معتصم حالة من القلق في أثناء حديثه، يلف يديه على صدره كما لو أنّه في وضع دفاع دائم، وترتجف عيناه وهو يقول: "معقول النظرة اللي نظرتها لبيتي ولضيعتي هي آخر نظرة؟".