سياق قرية المبطن يتقاطع ويتشابه مع القرى الأخرى من ريف حماة الشمالي الشرقي، فقد اضطر موسى من الزغبة إلى ترك أرضه، والنزوح إلى مكان أكثر أماناً.
يقول موسى: "خرجت من القرية يوم 2 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعدما خروج عائلاتنا، بقي الرجال في القرية لمتابعة ما سيحدث، ثم اضطررنا إلى الخروج كافة، وتركنا أراضينا خاوية بلا رعاية".
ووفق مؤشر اختلاف الغطاء النباتي المعياري NDVI، انخفض متوسط الغطاء النباتي الشهري طوال عام 2025 في الزغبة، على النقيض من عام 2024 الذي شهد ذروة في الغطاء النباتي في موسم الشتاء.
بعد مرور شهور، وبناء على نصائح محافظ حماة، وقّع موسى عقد "استثمار " أولي مع "مستثمر" من قرية مورك في ريف حماة؛ وهو تاجر فستق حلبي، بالشروط نفسها التي وقعها معتصم.
وعرف موسى لاحقاً أنّ المستثمر ذاته يستثمر في مساحة واسعة من أراضي الزغبة؛ وهي -حسب وصفه- أكثر المساحات غنى بالفستق الحلبي، وتبلغ أعمار أشجار الفستق الحلبي فيها ما يزيد على 40 عاماً. وحصلنا على عقود أولية، وقعها هو أو أفراد من عائلته مع نازحين من الزغبة، لكنّ عملية التوثيق النهائية لم تتم، وفق أصحاب الأراضي.
ولمعرفة من يقف وراء عملية تقسيم الأراضي في الزغبة، حصلنا على فيديو يظهر فيه مزارع، وهو يشكر في نهايته "الشيخ أبو البراء" الذي قسم الأراضي على "الفقراء القادمين من الشمال"، مشيراً إلى أنهم نازحون منذ عام 2017.
"أبو البراء" والعلاقة باكتفاء
يتكرر اسم "أبو البراء" على ألسنة الحالات التي اضطرت إلى توقيع عقود "استثمار"، فمن هو أبو البراء؟
"أبو البراء" كنية تعود إلى المهندس منذر الزهوري، الذي يشغل عضوية مجلس نقابة المهندسين الزراعيين، ونشرت صفحة محافظة حماة منشوراً قدّمت فيه الزهوري بوصفه مسؤول الزراعة في المنطقة الوسطى بالمحافظة.
وورد على صفحة شركة "اكتفاء" أن الزهوري يشغل منصب "مدير فرع الشركة في حماة"، لكن عندما تواصلنا معه نفى علاقته بالمحافظة، وأقر بأنه مدير فرع شركة "اكتفاء" في حماة.
كما يظهر أيضاً في صور تعود إلى ندوات خاصة عقدتها شركة "غراس للاستثمار الزراعي"، قبل أن يتغير اسمها إلى شركة "اكتفاء للاستثمار الزراعي".
ويتقاطع ما توصلنا إليه مع تقارير صادرة عن منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" و"المرصد السوري لحقوق الإنسان" ومنظمات أخرى، أوردت أن شركة "اكتفاء" تنسق عمليات "استثمار" لأراضي النازحين، الذين فقدوا القدرة الفعلية في التصرف في أراضيهم.
يذكر أنّ شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي أُسّست في تشرين الأول/أكتوبر 2024 في إدلب. وعلى موقعها الرسمي -الذي لا يظهر بيانات مالكها- تُقدم بأنها شركة تعمل في الإنتاج الزراعي، والأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والزراعة الذكية.
وترتبط "اكتفاء" بشركة "غراس للتنمية والاستثمار الزراعي"، التي كان مديرها باسل سويدان، المدير السابق لـ"اكتفاء"، والصندوق السيادي لقطاع الزراعة، الذي يشغل الآن منصب رئيس هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، ووزير الزراعة في الحكومة السورية الحالية. كما أنّ مدير شركة اكتفاء الحالي محمد حنوف كان مسؤولاً عن مشروع الفطر في شركة "غراس".
وأجرينا تحليلاً شبكياً لـ60 رقماً هاتفياً فريداً، ترتبط بثلاثة كيانات رئيسة؛ هي: "شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي"، "غراس للاستثمار الزراعي"، و"الخضراء للاستثمار الزراعي" التي أُسست أيضاً في إدلب، وتبين أن الشركات الثلاث ترتبط معاً برقم دولي.
كما كشف تحليل أرقام شركة "اكتفاء" أن رقم "أبي البراء" متصلاً بإحدى أرقام الشركة، وكان الرقم مسجلاً باسم "أبو البراء حمص" و"أبو البراء هيئة تحرير الشام" و"منذر أبو البراء زهوري"، وهو ما يتطابق مع اسم الشخص الذي ادّعى بعض المستثمرين أنهم حصلوا على قطع أراضي النازحين من حماة عن طريقه.
تواصلت "أريج" مع محافظة حماة لنقل شهادات النازحين عبر البريد الإلكتروني المعلن على صفحاتها الرسمية، فوصلنا رد من شخص يدعى "أبو البراء الحموي"، الذي أخبرنا أنه هو نفسه منذر الزهوري، مدير فرع شركة اكتفاء.
وصف الزهوري شهادت النازحين الذين التقيناهم بـ"الباطلة"، مطالباً بزيارة المكتب بصحبة المصادر "للرد على الادعاءات الباطلة من قبلهم".
تواصلنا مع الزهوري هاتفياً وعبر البريد مرة أخرى، مؤكدين على عدم إمكانية الكشف عن هوية مصادرنا، مكررين الطلب بالرد، على أن ينشر رده نصاً، لكننا لم نتلقَّ منه أي رد، حتى تاريخ نشر التحقيق.
تخبو آمال النازحين من قرى شمال حماة في العودة رويداً رويداً، فبعد مرور قرابة عام ونصف على سقوط النظام، لم يبقَّ من صلتهم بأرضهم سوى خيط واهٍ يتمثل في "عقود استثمار".
"فقدت كل ما أملك عند خروجي من بلدتي، لحظتها شعرت أنني سأخسر ما هو أكبر من الماديات، سأخسر أرضي والمكان الذي كبرت فيه وربيت فيه أولادي ودفنت فيه أغلى ما أملك؛ والدي".
سيطرت على معتصم حالة من القلق في أثناء حديثه، يلف يديه على صدره كما لو أنّه في وضع دفاع دائم، وترتجف عيناه وهو يقول: "معقول النظرة اللي نظرتها لبيتي ولضيعتي هي آخر نظرة؟".