أيقونة سهم الصفحة الرئيسية

الساحل الشمالي

خط على الخريطة

انتشار القرى السياحية على طول شاطئ الساحل الشمالي الغربي

القرى السياحية تلتهم الشواطئ العامة

يشكو أحمد، 38 عاماً، من تغير خريطة المُتَنَزَّهات؛ إذ لم يعد أمام أهالي مطروح سوى السير على الممشى السياحي، أو البحث عن أماكن بعيدة، ما يضاعف الأعباء المادية والمعنوية. وأكد أن دخول المناطق الساحلية، بداية من مارينا، كانت متاحة أمامهم في السابق.

يوضح أحمد أن أجمل ما كان يميز مطروح هو التعامل مع الطبيعة: "بنزل الميه وبشم الهواء وبتعرض للشمس".

ويؤكد اختفاء مظاهر الجمال مع دخول الإنشاءات والمباني بالقول: "المتاح حالياً هو تعامل استثماري بحت… عايز تستمتع بالطبيعة اللي ربنا خلقها لازم تكون قد التكلفة".

تزايد عدد القرى السياحية الشاطئية في مصر خلال ست سنوات (2019-2024) بمقدار 478 قرية سياحية. في حين بلغت حصة الشواطئ الخاصة من إجمالي الشواطئ في البلاد 88 في المئة (2024 )، مقارنة بـ 14 في المئة عام 2013، وفق تحليل بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري.

بلغ عدد القرى السياحية الشاطئية في مصر 562 قرية عام 2024، فيما يصل عدد الشواطئ الخاصة إلى 500 شاطئ، وفق المصدر ذاته.

رؤوس أموال خليجية في "مواجهة" البحر

وفق قاعدة بيانات أعدتها أريج، تضمنت 106 قرى سياحية أُعلن تطويرها في المناطق الساحلية بمحافظة مطروح -معظمها تقع في المنطقة الممتدة بين العلمين ومرسى مطروح- فقد امتدت القرى السياحية على مساحة تبلغ 131 ألف دونم تقريباً، تم البدء بإنشاء غالبيتها.

كما كشف تحليل البيانات عن أن 79 من تلك القرى امتلكت واجهات شواطئ، تصل إلى 72 كيلومتراً تقريباً.

كما يكشف التحليل عن أن الاستثمارات بشراكات خليجية، لأفراد أو مؤسسات، استحوذت على واجهات شواطئ تقدر بنحو 32 كيلومتراً من الساحل الشمالي الغربي، ضمن مشروعات قرى سياحية خُصّصت لها مساحات نحو 66 ألف دونم؛ أي نحو 51 في المئة من إجمالي مساحات القرى السياحية المشمولة في التحليل. لا يشمل ذلك مشروع مدينة رأس الحكمة، الذي أعلنته الحكومة المصرية في شباط/فبراير 2024، وتستحوذ أبوظبي القابضة على حقوق تطويره. يملك مشروع رأس الحكمة واجهة بحرية بطول 44 كيلومتراً.

وبحسب التحليل، تقف خلف تطوير عدد من القرى السياحية، ذات الواجهة البحرية، صناديق سيادية وجهات حكومية في دول الخليج العربي؛ منها أبوظبي القابضة، ودبي للاستثمارات الحكومية، والهيئة العامة للاستثمار المملوكة للحكومة الكويتية، وجهاز قطر للاستثمار عبر الديار القطرية، بالإضافة إلى وزارة المالية السعودية. استحوذت تلك المشروعات على 43 في المئة من إجمالي المساحات، وما يزيد على نصف أطوال الشواطئ لإجمالي المشروعات التي نُفذت بشراكات أو رؤوس أموال خليجية.

مساحات القرى السياحية باستثمارات خليجية

الإجمالي التراكمي لمساحة مشروعات باستثمارات خليجية أو بشراكات خليجية



تضاف إلى ذلك إسهامات شركات خاصة في دول الخليج العربي، أو شراكات مع رجال أعمال كانوا أو ما زالوا في أجهزة حكومية هناك؛ منهم رئيس الديوان الأميري في إمارة عجمان ماجد النعيمي، عضو المجلس التنفيذي لحكومة الإمارة، ومحمد الهاجري، مدير تنفيذي في جهاز أبوظبي للاستثمار، الذراع الاستثماري لحكومة أبو ظبي.

كما تضم قائمة المطورين العقاريين محمد العبار، المستشار السابق لحاكم دبي، الذي تولى سابقاً منصب المدير العام المؤسس لدائرة التنمية الاقتصادية بحكومة دبي. يترأس العبار مجلس إدارة شركة إعمار مصر، المملوكة جزئياً لدبي للاستثمارات الحكومية. تبلغ استثمارات الشركة في مشروعي مراسي ومنتجع سول لاكشري بيتش في الساحل الشمالي الغربي، 18 مليار دولار أميركي، منها 15 مليار دولار لمشروع مراسي.

أطوال الشواطئ الخاصة بالقرى السياحية باستثمارات خليجية

الإجمالي التراكمي لأطوال الشواطئ التابعة لمشروعات باستثمارات خليجية أو شراكات خليجية



تتضمن الاشتراطات البيئية لترخيص القرى السياحية الالتزام بعدم البناء داخل حرم الشاطئ (الذي يُحدد بـ 200 متر من خط الشاطئ إلى داخل اليابسة، وبموافقة الوزارة)، مع ضرورة الالتزام باشتراطات البناء في المناطق الساحلية.

ومع ذلك، يمكن للجنة العليا لتراخيص الشواطئ النظر في الموافقة على التراخيص كافة داخل منطقة الحظر، الممتدة على طول الشواطئ المصرية.

يبدو مشهد حيازة الأراضي بمحاذاة الشواطئ في الساحل الشمالي ضبابياً في عدة حالات. تبرز قصة الأرض التي أقيم عليها مشروع مراسي لشركة إعمار مصر، المملوكة جزئياً لدبي للاستثمارات الحكومية، مثالاً على ذلك. في عام 2006، فازت إعمار مصر عبر مزاد علني بقطعة أرض مساحتها ستة آلاف و200 دونم تقريباً، كانت لشركة إيجوث المملوكة للحكومة المصرية.

حصلت إعمار مصر على الأرض بسعر 160.5 جنيه مصري للمتر الواحد (يعادل وقتها 27.9 دولار أميركي للمتر)، وبإجمالي مليار وأربعة ملايين جنيه مصري تقريباً (يعادل وقتها 174.6 مليون دولار أميركي تقريباً). أوضحت إيجوث أنها حصلت عليها بتخصيص من وزارة السياحة. عام 2012، حصلت إعمار مصر على ترخيص لإقامة المرحلة الأولى من مشروع مراسي، لكن بعد عدة أشهر، قالت إدارة الاستثمار في محافظة مطروح إنه تبيّن لها أنها تملك الولاية على الأرض، ولا يحق لشركة إيجوث بيعها من دون العودة إليها. ورفض الشهر العقاري تسجيل قطعة الأرض.

أُوقفت تراخيص المرحلة الثانية لحين فض النزاع بواسطة لجنة متخصصة. لاحقاً أنهت إعمار بناء مراحل للمشروع، وطرحت وحداتها للبيع. فيما يكشف التقرير المالي لإعمار مصر لعام 2020، أن الأرض المُقام عليها مشروع مراسي باتت مسجلة باسم الشركة.

صورة هشام طلعت مصطفى

 هشام طلعت مصطفى

الجنسية: المصرية

الشركة: الرئيس التنفيذي لشركة مجموعة طلعت مصطفى

المشروع السياحي: ساوث ميد - الكيلو 165 على طريق الإسكندرية/ مرسى مطروح.

المنصب في الدولة: عضو لجنة استشارية حكومية لتطوير السياحة.

مناصب أخرى: عضو سابق بمجلس الشورى.

مساحة المشروع: 23 ألف دونم

قيمة المشروع: 21 مليار دولار أميركي

لديه واجهة بحرية بمقدار 5500 م

بدء المشروع: 2024

تسليم المشروع: 2029

صورة محمد العبار

 محمد العبار

الجنسية: الإماراتية

الشركة: مؤسس شركة إعمار مصر.

المشروع السياحي: مشروعا "مراسي وسول لاكشري".

المنصب في الدولة: مستشار سابق لحاكم دبي.

الموقع:
مشروع "مراسي" بالكيلو 129 طريق الإسكندرية / مرسى مطروح – سيدي عبد الرحمن.
مشروع "سول لاكشري" بالكيلو 160 الطريق نفسه

المساحة: 2127.6 فدان / 8935.92 دونم

القيمة: 18 مليار دولار أميركي بواقع 15 مليار دولار لمراسي وحدها.

الواجهة البحرية: بمقدار 8000 م.

سنة بدء المشروع:
مراسي: 2008
سول لاكشري: لاحقاً

سنة التسليم:
مراسي: 2030
سول لاكشري: 2026

صورة توحيد عبد الله

 توحيد عبد الله

الجنسية: الإماراتية

الشركة: شريك في شركة سيراك للتطوير العقاري

المشروع السياحي: قرية شماسي وقرية ألورا.

المنصب في الدولة: ممثل قطاع الذهب والمجوهرات في لجان حكومية بدبي.

موقع مشروع "شماسي": الكيلو 134 بطريق الإسكندرية – مرسى مطروح، منطقة سيدي عبد الرحمن.
موقع مشروع "الورا":: الكيلو 134 بطريق الإسكندرية – مرسى مطروح، منطقة سيدي عبد الرحمن.

المساحة الإجمالية للمشروعين: 256 فداناً (أي ما يعادل 1113 دونماً).

قيمة المشروعات: لم تُعلن التكلفة الاستثمارية لمشروع "شماسي"، في حين بلغت استثمارات مشروع "الورا" نحو 6 مليارات جنيه مصري.

الواجهة البحرية: بطول 1000 م.

صورة ياسين منصور

 ياسين منصور

الجنسية: المصرية

الشركة: مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة بالم هيلز .

المشروع السياحي: طوّر 7 مشروعات في الساحل الشمالي: "هاسيندا ووترز، هاسيندا سيدي حنيش، هاسيندا ويست، هاسيندا باي، بالم هيلز العلمين، هاسيندا وايت، هاسيندا بلو".

المنصب في الدولة: عضو لجنة التنمية العمرانية وتصدير العقار.

مساحة المشروعات: 6785.1 دونم

قيمة المشروعات: لم تُعلن، باستثناء هاسيندا سيدي حنيش بقيمة 120 مليار جنيه.

الواجهة البحرية: بمقدار 3360 م².
طول الواجهة البحرية للمشروعات من دون طول واجهة هاسيندا وايت -التي تم الانتهاء منها في 2021- (3360 _900)=2460 م٢.

سنة بدء المشروع: أول مشروع (هاسيندا باي) بدأ عام 2007

سنة التسليم: 2021، وتستكمل تسليم باقي المشروعات حتى 2028.

صورة أحمد حسين صبور

أحمد حسين صبور

الجنسية: المصرية

الشركة: يرأس مجلس إدارة شركتي "الأهلي صبور للتنمية العقارية"، والعضو المنتدب للشركة ومؤسس ورئيس مجلس إدارة "لاند مارك صبور" .

المشروع: أربع قرى سياحية في الساحل الشمالي: "سمر رأس الحكمة"، "جايا"، "أمواج"، "زويا".

المنصب في الدولة: يشغل عضوية مجلس الشيوخ، ويتولى أمانة سر لجنة الإسكان والنقل والإدارة المحلية.

الحصة: يمتلك أحمد النسبة التي ورثها عن والده حسين صبور، والتي تبلغ 60 في المئة في شركة "الأهلي صبور"، كما يشترك مع رجل الأعمال عمرو سلطان في ملكية شركة "لاند مارك صبور".

المساحة الإجمالية للمشروعات: 1,638 فدان/ 6,879.6 دونم.

القيمة: 120.6 مليار جنيه منهم 100 مليار لمشروع سمر رأس الحكمة .

الواجهة البحرية: بطول 3,710 م² منهم 1000 لصالح مشروع سمر رأس الحكمة.

سنة تسليم مشروع "سمر": 2028

صورة أحمد شلبي

أحمد شلبي

الجنسية: المصرية

الشركة: الرئيس التنفيذي لشركة "تطوير مصر".

المنصب في الدولة: نائب رئيس المجلس التصديري للعقار، وعضو لجنة التنمية العمرانية وتصدير العقار التابعة لرئاسة الوزراء، مستشار فني سابق لوزير الإسكان.

المشروع السياحي: مطوّر قريتي "دي باي" و"فوكا باي"

موقع مشروع "دي باي": بالكيلو 165 طريق الإسكندرية – مرسى مطروح (منطقة الضبعة).

موقع مشروع "فوكا باي": الكيلو 211 طريق الإسكندرية – مرسى مطروح (خليج رأس الحكمة)

المساحة الكلية للمشروعات: 410 فداناً/ 1,722 دونم.

القيمة الإجمالية للمشروعات: 11 مليار جنيه مصري منهم 7 مليار لدي باي.

الواجهة البحرية: بطول 1,600 متر.

سنة بدء مشروع "فوكا باي": 2019

سنة التسليم المتوقعة لمشروع "دي باي": 2027

صورة هشام شكري

هشام شكري

الجنسية: المصرية

الشركة: يملك شركة رؤية.

المشروع السياحي: "تلال سول".

المنصب في الدولة: يرأس المجلس التصديري للعقار وشعبة الاستثمار العقاري بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، كما شغل عضوية مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري.

موقع مشروع "تلال سول" : الكيلو 140، طريق الإسكندرية/ مطروح، مركز العلمين.

مساحة المشروع: 339 فداناً/ 1423.8 دونم.

قيمة المشروع: N/A

الواجهة البحرية: بطول 1500 م.

سنة بدء مشروع "تلال سول": 2024

سنة تسليم مشروع "تلال سول": 2027

صورة محمود الجمال

محمود الجمال

الجنسية: المصرية

الشركة: شريك ورئيس تنفيذي في شركة "نيو جيزة" بالشراكة مع رجل الأعمال المصري صلاح دياب (بنسبة 30 في المئة معاً)، بالإضافة إلى صندوق الاستثمار الليبي، الذي يمتلك 30 في المئة، ومجموعة الديار القطرية التي تمتلك 40 في المئة.

المشروع السياحي: قرية "سيشل بلايا"

المنصب في الدولة: عضو حالي بلجنة التنمية العمرانية وتطوير العقار، وهو صهر الرئيس السابق حسني مبارك.

موقع مشروع "سيشل بلايا": الكيلو 134، طريق الإسكندرية/ مطروح.

مساحة المشروع: 700 فدان/ 2940 دونماً.

قيمة المشروع: 15 مليار جنيه.

الواجهة البحرية: بطول 1600 م.

سنة بدء المشروع: 2015

سنة التسليم: (N/A)

البحر "ملكية" غير معلنة

يقول المستشار السابق لوزير البيئة، حسام محرم، إن نظام القرى السياحية الذي بدأ في السبعينيات بإغلاق شواطئها على قاطنيها أمر غير دستوري، وقد يُنقض قضائياً حال رفع دعوى أمام المحكمة الدستورية.

ويرى محرم أن الشواطئ العامة حق للمواطنين، ولا مانع من وجود مطاعم ومتنزهات بضوابط بيئية، شريطة ألا يمتد الامتياز إلى منع المواطنين من دخول الشواطئ وقصرها على المستفيدين من القرى السياحية، حيث تُقدم الخدمات برسوم باهظة، مشيراً إلى أن 60 إلى 70 في المئة من المواطنين غير قادرين على الاستمتاع بها.

تقول المحامية والحقوقية، انتصار السعيد، وهي رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إن الشواطئ العامة حق مكفول للناس، وفق الدستور: "مش معقول إن بلد فيها آلاف الكيلومترات من البحر، يتحول أغلبها لبوابات مغلقة ولافتات (ممنوع الدخول إلا للنزلاء)، وكأن البحر بات مِلْكاً خاصاً".

وأشارت إلى إمكانية الطعن القضائي إذا ثبت أن هناك ممارسات تتضمن تخصيص أو تأجير الشواطئ العامة، أو تغيير طبيعة الأرض الساحلية، بما يخالف الدستور أو القوانين البيئية.

وأكدت المحامية والحقوقية انتصار السعيد أن الموارد الطبيعية (ومنها الشواطئ والسواحل) مملوكة للشعب، وأن الدولة مسؤولة عن حمايتها وعدم التفريط فيها.

وبحسب السعيد، نصت المادتان 32 و45 من دستور 2014، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، على وجوب الالتزام بشروط لحماية البيئة، والحصول على موافقات بيئية قبل أي نشاط تطويري، خصوصاً في المناطق الساحلية ذات الحساسية البيئية العالية. "وليس من حق أي جهة -حتى الدولة- التنازل عن الشواطئ من دون ضوابط شفافة، وتحقيق لمصلحة عامة حقيقية"، وفق قولها.

لم يُخفِ الرئيس السابق لمركز ومدينة الضبعة، التابعة لمحافظة مطروح، اللواء حسين أبو طالب، علم السلطات بقصر استخدام شواطئ المشروعات السياحية في الساحل الشمالي على نزلائها؛ جاء ذلك إثر مطالبة إدارات حكومية في محافظة مطروح، لقرى سياحية بدفع رسوم مقابل حق الانتفاع بالشواطئ والبحر.

وقال أبو طالب في تصريح تلفزيوني إن تلك المشروعات مُنحت تراخيص لإقامة المنشآت على الأراضي المواجهة للبحر، لا لاحتكار الشواطئ التي هي ملكية عامة؛ لذا يجب الدفع مقابل ذلك. وأكد أنه لا يوجد في العقد المبرم بين المحافظة، وهي جهة الولاية، والقرية التي تقع فيها الأرض ما يشير إلى أن الشاطئ والبحر مِلك لتلك المشروعات.

يقول أبو طالب: "القرى السياحية لها وضع خاص وقافلة على نفسها، والملاك هم اللي بيستخدموا الرمل والبحر". وأضاف: "من رابع المستحيلات أنه أي قرية، وفي الساحل الشمالي بالذات، أنه تدَخَل حَد ، مفيش حد يقدر يخش (يدخل)".

تزايد أعداد القرى السياحية حسب سنة الإنشاء المعلنة

صورة توضيحية لتزايد أعداد القرى السياحية حسب سنة الإنشاء المعلنة

"اهتمام خاص"  

يكشف تحليل البيانات عن أن المشروعات ذات الاستثمار الإماراتي شكلت نصف مشروعات التطوير باستثمار خليجي أو بشراكة خليجية، وفق قاعدة البيانات التي شملت 106 مشروعات سياحية في الساحل الشمالي الغربي.

كما سيطرت القرى السياحية المتصلة باستثمارات إماراتية على نحو 70 في المئة من أطوال الشواطئ، التابعة لمشروعات التطوير باستثمار خليجي أو بشراكة خليجية. في حين استحوذت الاستثمارات الإماراتية على ثلثي المساحات المُقامة عليها تلك المشروعات.

برز الاهتمام الإماراتي بشكل أكبر في الإعلان عن إنشاء مدينة رأس الحكمة في الساحل الشمالي الغربي. تضم المدينة مرافق حيوية كمنطقة صناعية ومطار دولي ومراكز خدمات لوجستية، وتمتد على الجزء الأكبر من أراضي شبه جزيرة رأس الحكمة، بمساحة تبلغ نحو 170 مليون متر مربع تقريباً، وبواجهة بحرية تبلغ نحو 44 كيلومتراً، بعرض مئة متر لحرم البحر.

احتفت وسائل إعلام إماراتية بمشروع مدينة رأس الحكمة، ووصفته وكالة الأنباء الإماراتية بأنه "درة تاج" الاستثمارات الإماراتية في الخارج. يقع المشروع غرب الإسكندرية بين مرسى مطروح ومدينة العلمين الجديدة، على أراضٍ نُقلت ولايتها إلى هيئة المجتمعات العمرانية. ويُتوقع أن يستقطب المشروع استثمارات بقيمة 150 مليار دولار أميركي، وفق ما أعلنته الحكومة المصرية.

تستحوذ شركة أبوظبي القابضة على حقوق تطوير رأس الحكمة، مقابل 24 مليار دولار أميركي كدفعة مباشرة، في حين تحتفظ الحكومة المصرية بنحو 35 في المئة من المشروع. كما ستقوم أبوظبي القابضة ADQ أيضاً بتحويل 11 مليار دولار أميركي من الودائع التي ستُستخدم للاستثمار في مشروعات رئيسية في مصر.

يضم المشروع -الذي وُصف بأنه أكبر صفقة اقتصادية عقارية سياحية في تاريخ مصر المعاصر- أحياء سكنية، وفنادق عالمية ومنتجعات سياحية، وأماكن ترفيه ومرافق أساسية، بالإضافة إلى منطقة اقتصادية حرة، ومراكز خدمات لوجستية ومرسى كبير لليخوت، ومراكز أعمال لجذب الشركات العالمية. ويتضمن المشروع بناء مطار دولي تتولى شركة أبوظبي القابضة تطويره، مقابل أن تحصل مصر على أرباح.

أطلقت مدن القابضة التي تم اختيارها لتطوير المشروع، المرحلة الأولى لمدينة رأس الحكمة، بعدد وحدات يبلغ سبعة آلاف و700 وحدة، وبقيمة مبيعات يُتوقع أن تصل إلى 6.2 مليار دولار أميركي (300 مليار جنيه مصري) حتى نهاية العام الحالي (2025). تبدأ أسعار الوحدات من 15.9 مليون جنيه مصري (329 ألف دولار أميركي تقريباً) للوحدة المكونة من غرفة نوم واحدة.

وترتبط "أبو ظبي القابضة" بأحد أكبر المجموعات التجارية العقارية؛ وهي مجموعة طلعت مصطفى، إذ استحوذت أبو ظبي القابضة ومجموعة "أدنيك" العام الماضي (2024) على 40.5 في المئة من شركة أيكون، الذراع الفندقي للمجموعة. وستقوم الشركتان بالاستثمار من خلال كيان ذي أغراض خاصة. كما أعلنت مجموعة طلعت مصطفى اتفاقها مع أبو ظبي القابضة، للتعاون في تطوير رأس الحكمة.

يشغل هشام طلعت مصطفى منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة طلعت مصطفى القابضة. في عام 2010، صدر حكم بالسجن 15 عاماً ضده في قضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم، لكنّه حصل على عفو رئاسي عام 2017، وعاد بعدها إلى مزاولة أعماله. يشارك هشام طلعت مصطفى في مشروعات استراتيجية بالتعاون مع الحكومة المصرية، وصناديق استثمار خليجية، مثل صندوق أبوظبي القابضة (ADQ). تمتلك المجموعة مشروعات عقارية وسياحية كبرى في مصر؛ مثل مدينتي والرحاب، ومشروع ساوث ميد في الساحل الشمالي. ويشغل الآن عضو لجنة تطوير السياحة المصرية الاستشارية، التي شكّلها رئيس مجلس الوزراء المصري.

المشروعات الإماراتية أو بشراكة إماراتية هي الأبرز في الاستثمارات الخليجية

المصدر: قاعدة بيانات معدة لغايات التحقيق

حضور حكومي

استحوذت المشروعات، التي تطورها شركات بمساهمة حكومية، على نحو ثلث المساحات المخصصة للقرى السياحية المُطوَّرة أو قيد التطوير، وفق قاعدة البيانات. كما سيطرت تلك المشروعات على 13 كيلومتراً تقريباً من أطوال الشاطئ.

حازت هيئة المجتمعات العمرانية، عبر محفظة مشروعات سيتي إيدج، المملوكة للحكومة المصرية، على النصيب الأكبر من مشروع مدينة العلمين الجديدة، الذي أُطلق عام 2018. يليها بنك التعمير والإسكان. يبدأ سعر الوحدات في المشروع من ستة عشر مليوناً وثمانمئة ألف جنيه مصري.

تضم المدينة، التي ما تزال قيد الإنشاء، مرافق سياحية وترفيهية عديدة، ومؤسسات تعليمية، وتقع على مساحة تمتد إلى نحو 200 ألف دونم، وبها ممشى على البحر المتوسط بطول 14 كيلومتراً. كما تسهم الحكومة في أربعة مشروعات أخرى مع القطاع الخاص، من خلال شركة "هايد بارك للتطوير العقاري" و"البنك الأهلي المصري" (ترجع ملكيتهما للحكومة المصرية). للحكومة المصرية. بالإضافة إلى مشروعات عبر "السعودية المصرية للتعمير"، وفق قاعدة البيانات التي تشمل 106 من المشروعات السياحية بالساحل الشمالي.

عام 2020، صدر قرار جمهوري بنقل ولاية بعض أراضي الساحل الشمالي الغربي إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة؛ بهدف إقامة مجتمعات عمرانية جديدة. وخُصّصت مساحة 707.2 ألف فدان تقريباً لصالح الهيئة.

أما أكبر المشروعات التي تشارك بها الحكومة فهو مشروع قرية ساوث ميد، بالشراكة مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى. تصل قيمة المشروع، المُعلن العام الماضي (2024)، إلى نحو 21 مليار دولار أميركي. وسيقام على مساحة 23 مليون متر مربع، ويضم مارينا دولية كبيرة لليخوت والسفن السياحية.

تراوحت قيمة التعويضات، التي عُرضت على أهالي قرية جميمة، حيث سيقام المشروع، بين ثلاثة إلى سبعة آلاف جنيه مصري (62 إلى 145 دولاراً أميركياً للمتر الواحد). في حين أعلنت مجموعة طلعت مصطفى القابضة، أن المشروع حقق في ستة أيام مبيعات بقيمة 200 مليار جنيه مصري، ويتوقع أن يحقق مبيعات بإجمالي 1.6 تريليون جنيه مصري (33.15 مليار دولار أميركي).

الأثر البيئي مسؤولية من؟

تُعدّ دراسة الأثر البيئي من المتطلبات الأساسية للحصول على ترخيص إقامة القرى والمشروعات السياحية في مصر، ويخضع إعداد تلك الدراسة للائحة التنفيذية لقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، المعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009، وتُنفذ تحت إشراف جهاز شؤون البيئة.

تُصنّف القرى السياحية ضمن الفئة (ب) أو (ج) بحسب عدة معايير؛ من أبرزها حجم المشروع وموقعه الجغرافي. وتُدرج القرى الصغيرة أو المتوسطة ضمن الفئة (ب)، في حين تُصنّف القرى الكبيرة أو الواقعة في مناطق حساسة بيئياً، مثل السواحل أو المحميات الطبيعية، ضمن الفئة (ج)، وهي المشروعات الأشد تأثيراً في البيئة، وتتطلب اشتراطات صارمة ومراجعات معمّقة، وفق الدليل الإرشادي لجهاز شؤون البيئة لأسس وإجراءات تقييم التأثير البيئي. ويشترط في هذه الحالة "التشاور العام" مع المواطنين بهدف مشاركتهم، إلى جانب الجهات المعنية، في مرحلتي التخطيط والتنفيذ للمشروعات من هذا النوع.

توضح سحر مهنا، الرئيسة السابقة لشعبة المصايد بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، أن تقييم المشروعات يجب أن يشترط عدم الإضرار بطبيعة المكان أو النحر، وعدم تأثير النشاط في الحياة البحرية والنظام البيئي، مع الالتزام بقانون البيئة الذي يمنع التلوث، ويلزم بإدارة المخلفات دون التخلص منها في المجاري المائية، وتحليل عينات التربة والمياه، وفق قولها.

وتضيف سحر أنه لا بد من عمل دراسة تقييم الأثر البيئي لأي مشروع، وألا يُنفذ حتى تثبت الدراسة أن إنجاز المشروع لن يؤثر في الحياة المائية أو الكائنات، وتُختم الدراسة بختم مؤسسة حكومية.

كما أوضحت أنه يشترط عدم الاعتداء على الطبيعة في المكان، وعدم تغيير البيئة المحيطة مثل القيام بالردم أو عمل إضافات، أو التسبب بنحر الشواطئ وعدم التأثير في الحياة البحرية والنظام البيئي في المنطقة.

تبدو التعديلات التي طرأت على القانون المتعلق بتقييم الأثر البيئي، عام 2009، مثيرة للاهتمام؛ إذ نُقلت مسؤولية إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي من الجهاز الحكومي المعني إلى صاحب المنشأة، فبعد أن كان القانون ينص على تولي "الجهة الإدارية المختصة أو المانحة للترخيص، تقييم التأثير البيئي للمنشأة"، أصبح يلزم "كل شخص طبيعي أو اعتباري، عام أو خاص بتقديم دراسة تقويم التأثير البيئي للمنشأة"، ويكون دور الجهاز الإداري تقييم ما تقدم به صاحب المنشأة، وفق المادتين 19 و20 من تعديلات قانون البيئة رقم 9 لسنة 2009، وهو ما يتفق مع ما ورد في دراسة نشرها مركز الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية في مصر (2025).

تؤكد سحر مهنا وقوع مخالفات من مستثمرين كإنشاء سقالات تجرف التربة، أو إلقاء المخلفات في المياه. وتضيف: "البعض ممكن يقوم بإنشاء سقالة بغمضة عين، علشان تبقى أمر واقع".

مخاطر بيئية

شكّل تطوير المنتجعات السياحية والمناطق الترفيهية، أحد تهديدات الخط الساحلي الشمالي الغربي للبحر المتوسط في مصر، حيث رُصد تآكل في السواحل خلال الفترة بين عام 1990 إلى 2020، وفق دراسة نُشرت في دورية "Regional Studies in Marine Science"، وشارك فيها باحثون من جامعة الإسكندرية والمركز القومي لبحوث المياه في مصر.

وكشفت الدراسة المنشورة عام 2023، وشملت المنطقة الممتدة بين الضبعة ورأس الحكمة، عن أن الفترة بين 2010 إلى 2020 شهدت أعلى معدل لنحر الشواطئ، و بمقدار تراجع بلغ 1.12 متر سنوياً.

كما أشارت دراسة مصرية نُشرت في مجلة كلية الآداب، بجامعة بني سويف، إلى أن الفترة الواقعة بين 2016 و2023، شهدت تدخلاً بشرياً أثر بشكل كبير في "مورفولوجية" خط الشاطئ بالقطاع الممتد من مدينة العلمين حتى منطقة سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي.

هذا التدخل ارتبط بتأسيس وإنشاء قرى ومنتجعات سياحية؛ قامت بعضها بتطوير الشواطئ وحمايتها هندسياً، وإنشاء مراسٍ لليخوت، وتطوير البحيرات الساحلية، ووصلها بالبحر ببواغيز صناعية، بالإضافة إلى البناء في حرم الشاطئ؛ ما انعكس على زيادة صافي نحت الشواطئ بتراجع بلغ 662.6 متر تقريباً خلال ثماني سنوات، ليسجل أكبر معدل تراجع للشواطئ خلال الفترات الزمنية التي غطتها الدراسة، للفترة من 1996 إلى 2023.

يؤكد عز الدين جمعة، 40 عاماً، صياد وغواص من مطروح ويمارس المهنة منذ 26 عاماً، أن التوسع في المشروعات السياحية أثّر بشكل بالغ في البيئة البحرية؛ نتيجة الصرف الذي يصب أحياناً في البحر، إضافة إلى المخلفات الزيتية والبلاستيكية والقمامة المُلقاة على الشواطئ.

كما أوضح أن تجريف التربة، الناجم عن الإنشاءات السياحية، شكّل طبقات جيرية تترسب في البحر، ما خلق بيئة غير مناسبة بحياة أنواع مثل "القاروص" و"الوقار الأبيض"، وأدى ذلك إلى ندرتها.

وأشار جمعة إلى أن الصيادين باتوا محرومين من الوصول إلى نحو 80 في المئة من شواطئ مطروح، بسبب القرى السياحية التي أُنشئت حديثاً في مناطق مثل "رأس الحكمة، وجميمة، وسيدي عبد الرحمن، وسيدي حنيش، وباجوش"، وتسبب ذلك في حدوث مشكلات للصيادين؛ لأن بعض أصحاب القرى يقوم بإبلاغ الأمن عند اقتراب القوارب، ما يؤدي أحياناً إلى مصادرة المعدات والقوارب، وهو ما تعرض له جمعة شخصياً أكثر من مرة.

أما أحمد حسين* من مطروح فيقول: "لم نعد نمارس هواياتنا المعتادة كالصيد أو السباحة أو رحلات السفاري، فضلاً عن الأسعار الفلكية للخدمات، مقارنة بباقي أنحاء الجمهورية". ويضيف: "منذ عام ونصف، لم أتمكن من اصطحاب أسرتي إلى البحر".

بقيت صخرة "ليلى مراد" في مكانها، لكنّ الوصول إليها لم يعد متاحاً مجاناً؛ فمن أراد الصعود هناك اليوم، عليه أن يدفع المال أولاً لدخول الشاطئ.