أيقونة سهم الصفحة الرئيسية

شواطئ الإسكندرية

خط على الخريطة


محمد سعيد، صياد صنارة (بوصة) هاوٍ من الإسكندرية، لم يعد بمقدوره الوصول إلى مساحات واسعة من الساحل المصري الشمالي؛ بسبب توسع المشروعات السياحية فيها.

يلمس سعيد، 47 عاماً، تراجع كميات وأحجام الأسماك في السنوات الأخيرة، بعد توسع الاستثمارات السياحية. يقول: "الخير كان كتير في البحر، السمك كان بكميات كبيرة وأحجام كبيرة، التوسعات اللي حدثت تخيف السمك، بالإضافة إلى الصيد الجائر في ظل غياب الرقابة".

يوضح سعيد: "كنت أصطاد خمسة إلى ستة كيلوغرامات في المرة الواحدة أو المرتين عام 2010، أما الآن ففي الغالب لا تتجاوز (حصيلة الصيد) الكيلوغرام الواحد". وأشار إلى اختفاء أنواع شهيرة من الأسماك؛ مثل "الخزار" وتراجع البربون في السنوات العشر الأخيرة.

تراجعت الشواطئ العامة في مصر بشكل كبير لصالح المشروعات السياحية. تبنت الحكومة في الإسكندرية منذ عام 2010 سياسة تقسيم الشواطئ العامة إلى (مميزة، سياحية، مجانية)، فضلاً عن تقسيم الشاطئ الواحد إلى عدة شواطئ؛ لتسهيل استغلالها تجارياً، ما أدى إلى تقلص عددها مقارنة بالشواطئ الخاصة، مع الإبقاء على 20 شاطئاً مجانياً.

كما طُرح 11 شاطئاً مميزاً، و11 سياحياً بنظام المزايدة العلنية. في الوقت الراهن، أُضيفت ثلاث فئات إلى التصنيف: خاصة وعامة، والخدمة لمن يطلبها، وفق دراسة صادرة عن مركز الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية و الاجتماعية في مصر.

وبحسب رصد أجراه المركز، فقد تحول ممشى البحر في مناطق مثل "سيدي بشر، كليوباترا، سبورتنج، كامب شيزار" إلى كافتيريات ومطاعم بسبب غياب الرقابة وتوسع البناء العشوائي على الكورنيش، في الفترة من 2011 إلى 2019، مع تحويل أجزاء منه إلى جراجات للمقاهي والمطاعم خلال الفترة من 2019 إلى 2024. كما رُدم شاطئ الشاطبي العام في 2017 لبناء جراج خاص.

تُعدّ محافظة الإسكندرية مثالاً واضحاً على أثر انتشار المشروعات السياحية في تقلص الشواطئ العامة المتاحة للجمهور. ارتفع عدد الشواطئ الخاصة في الإسكندرية بشكل كبير في عشر سنوات؛ عام 2024 بلغ عدد الشواطئ الخاصة 65 شاطئاً، في حين لم تكن هناك شواطئ خاصة عام 2013. كما بلغ عدد القرى السياحية الشاطئية في المحافظة 43 قرية، عام 2024، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري.

تكشف قاعدة بيانات أعدتها أريج عن 78 طرحاً خاصاً بالشواطئ للمزايدة لغايات التأجير أو الانتفاع في الإسكندرية في الفترة من 2015 إلى 2024.

كما تكشف البيانات عن أن الإدارة العامة للشؤون المالية "إدارة التعاقدات" طرحت ستة شواطئ عامة بالمزايدة في الإسكندرية عام 2021، لغايات الانتفاع أو تأجير الألعاب المائية.

مجموعة من الشواطئ التي طُرحت لحق الانتفاع والتأجير 2015-2024



عام 2016، أرست الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية عقد تأجير شاطئ البوريفاج السياحي، على شركة دبى للاستثمار السياحى، بقيمة 15 مليون جنيه تقريباً (نحو 1.7 مليون دولار أميركي)، كما أرست عقد تأجير شاطئ ستانلى السياحي على شركة كراش للتنمية السياحية بمبلغ 4 ملايين جنيه تقريباً (نحو 450 ألف دولار أميركي)، يتضمن العقدان زيادة بنسبة 10 في المئة سنوياً لمدة ثلاث سنوات. في العام التالي، أعلنت الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية ارتفاع سعر استئجار الشواطئ، الذي وصل إلى 50 في المئة فى بعض الشواطئ، والبعض الآخر 100 في المئة، مقارنة بالأسعار نفسها العام الماضى (2024).

يكشف الرصد، عبر استخدام خرائط الأقمار الصناعية في الفترة الممتدة بين عام 2013 و2025، عن استحواذ مشروعات سياحية على شواطئ عامة وأجزاء من البحر تم ردمها. فعلى سبيل المثال، استحوذ فندق فورسيزونز سان ستيفانو على الشاطئ قبالة برج سان ستيفانو جراند بلازا، حيث يقع الفندق المملوك لمجموعة طلعت مصطفى. تؤكد إحصاءات رسمية عدم وجود شواطئ خاصة في المحافظة حتى عام 2013.

لم يقتصر زحف الاستثمارات على شواطئ عامة، بل طال البحر من الداخل على ألسنة رملية. كما هو الحال بالنسبة للأجنحة الفندقية والفلل الشاطئية التابعة لفندق فور سيزونز سان ستيفانو.

مقارنة بين مساحة الشواطئ المتاحة للأعوام 2013-2025، فندق فورسيزونز سان ستيفانو

2013 - Four Seasons San Stefano 2013
2025 - Four Seasons San Stefano 2025

كما تحول لسان جليم، الذي أقيم لحماية الشاطئ من النحر، من ممشى ساحلي يقصده الجميع إلى منطقة تعج بالمطاعم والمقاهي. لتتحول المنطقة إلى مشروع سياحي يُعرف بجليم باي؛ ما أثار موجة غضب بين سكان الإسكندرية، بعد أن كانت تعرف المنطقة بـ "متنفس الغلابة". لم تُبنَ جميعها من مواد خشبية، كما تنص التوجيهات الإرشادية للبناء في مناطق الحظر. ومن تلك المنشآت ما يقع في أكثر من طابق.

وبالقرب من شاطئ نادي المعلمين، تم تحويل لسان بحري إلى منطقة مطاعم ومقاهٍ، مع ردم أجزاء من البحر والتوسع في مرافق جولدن جويل هويلز، المطل على البحر الأبيض المتوسط مباشرة. وللفندق شاطئ خاص، ومتنزه مائي، ومسابح خارجية، ومطاعم.

لسان أنشئ في شاطئ جليم تحول إلى منطقة تجارية بها مطاعم ومقاهٍ

2013 - شاطئ جليم 2013
2025 - شاطئ جليم 2025

أما في منطقة "المنتزه"، فقد أقيمت مرافق تتبع شاطئ "المنتزه باي" عام 2023، مع إزالة مساحات من الأشجار هناك في لسان بحري. تبلغ قيمة تذكرة الشاطئ 350 جنيهاً للفرد، يشمل ذلك الدخول إلى الحديقة. كما توسعت الخدمات الشاطئية الخاصة قبالة فندق "ريكسوس المنتزه"، الذي افتُتح عام 2025، لتستحوذ على أجزاء واسعة من الشاطئ القديم. كما اقتُطع جزء من حديقة، بحسب ما تظهر صور الأقمار الصناعية، لإقامة "فندق هلنان المعمورة" الذي أُنشئ عام 2022، القريب من شاطئ المعمورة المميز؛ حيث أُقيم محل الأشجار، التي تظهر بوضوح في صور الأقمار عام 2013، حمام سباحة تابع للفندق.

خضعت حدائق قصر "المنتزه" لتغيرات ضمن مشروع تطوير، بلغت قيمته نحو خمسة مليارات جنيه، تضمّن إقامة أربع بحيرات صناعية بمساحة 31 ألف متر مربع، وإنشاء قرية البرادايس السياحية. صُمّم المشروع ليطل على البحر من ثلاث جهات، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 24 ألف متر مربع؛ يشمل أيضاً ثلاثة حمامات سباحة بمساحة إجمالية تبلغ 810 م².

منشآت سياحية أقيمت على لسان بالقرب من شاطئ نادي المعلمين، وإقامة منشآت داخل حرم الشاطئ تتبع فندق جولدن جويل هيلز بالإسكندرية.

2013 - شاطئ جليم 2013
2025 - شاطئ جليم 2025

إزالة أشجار في شاطئ عام لإقامة شاطئ برادايس الخاص

2013 - شاطئ جليم 2013
2025 - شاطئ جليم 2025

إزالة مساحات خضراء في منطقة "المنتزه" لإنشاء فندق هلنان المعمورة

2013 - شاطئ جليم 2013
2025 - شاطئ جليم 2025

مقارنة بين مساحة الشواطئ المتاحة للأعوام 2013 إلى 2025 بمنطقة فندق ريكسوس

2013 - شاطئ جليم 2013
2025 - شاطئ جليم 2025

يشعر سعيد بالاستياء من سيطرة أصحاب المشروعات السياحية على الشواطئ، ومنع أصحاب المقاهي الصيادين من دخول الكورنيش إلا في بعض المناطق مقابل تذاكر أو اشتراكات عضوية، خاصة بين سابا باشا وسيدي جابر.

يقول سعيد: "لا نستطيع دخول سان ستيفانو وتوليب والمحروسة لإقامة فنادق ومنتجعات بها". وأشار إلى أن رسوم الدخول للأماكن السياحية قد تصل إلى مئة جنيه. ويضيف: "المفروض الكورنيش يرجع زي زمان، يرجع بتاع المصريين كلهم".