في أيار/مايو 2013، وقّع أوباما وثيقة (Presidential Policy Guidance
(PPG، التي وضعت أحد أكثر معايير الاستهداف تشدداً في الحرب على
الإرهاب. فقد اشترطت الوثيقة توفر "اليقين شبه التام" قبل تنفيذ أي
ضربة خارج مناطق الاشتباك المعلنة، للحيلولة دون إصابة مدنيين، وربطت
القرارات الحساسة بمراجعة مركزية رفيعة المستوى من البيت الأبيض،
إضافة لاشتراطها وجود موافقة صريحة قبل أي عملية جوية.
في عام 2017، جاء ترامب بوثيقة "المبادئ والمعايير والإجراءات"
(Principles, Standards, and Procedures - PSP). ورغم احتفاظها،
ظاهرياً، باللغة ذاتها بشأن حماية المدنيين، فقد نقلت جزءاً كبيراً
من سلطة اتخاذ القرار إلى رؤساء الوكالات الأمنية والعسكرية، وقلّصت
من المراجعة المركزية داخل البيت الأبيض، معتمدةً "اليقين المعقول"
عوضاً عن "اليقين شبه التام"، مطبقةً معايير أدنى عند استهداف
المدنيين البالغين. بمعنى آخر؛ أصبحت حياة المدني رسمياً أقل قيمة في
حسابات الاستهداف.
الدكتور عامر السبايلة يقرأ هذا التحول كنتيجة منطقية لمنطق "الحرب
على الإرهاب" ذاته، مشيراً إلى أنّ عامل السرعة في الاستجابة دفع نحو
إعطاء مساحة للقيادة الميدانية لاتخاذ القرارات بصورة بعيدة عن
المركزية. "وقد رأينا نتيجة هذه السرعة في سوريا والعراق وغيرها"،
وفق السبايلة.
غير أن المسؤول السابق في مركز حماية المدنيين بالبنتاغون، ويس
براينت، يذهب أبعد من ذلك في تصريحه لفريق التحقيق، واصفاً ما يجري
في الفترة الرئاسية الثانية لترامب بـ"تدهور واضح في أي التزام حقيقي
بالقانون الدولي وقواعده"، مشيراً إلى "تصاعد ملموس في التسامح مع
الخسائر المادية، وشهية غير مقيدة للقتل تنتقل من الرئيس ووزير
الدفاع إلى أسفل سلسلة القيادة".
وتعلق آني شيل، مديرة مكتب الولايات المتحدة الأميركية في مركز حماية
المدنيين في النزاعات (CIVIC) بالقول: "كانت الضربات الجوية مميتة
بشكل خاص للمدنيين في المدن والمناطق المأهولة الأخرى، حيث لا تكتفي
الأسلحة المتفجرة بقتل المدنيين وإصابتهم، بل تُلحق أيضاً أضراراً
بالبنية التحتية التي يعتمدون عليها للبقاء".
أما أثر هذه القواعد، فلا يظهر في نصوصها فحسب، بل في نتائجها على
الأرض. فبيانات التحقيق تكشف أن كل تعديل في وثائق الاشتباك انعكس
بوضوح على نمط الضربات الجوية الأميركية؛ سواء في نسبة الضحايا
المدنيين في كل ضربة، أو في العلاقة بين أعداد القتلى والجرحى، وهي
مؤشرات تغيّرت على نحو لافت مع كل تحول في قواعد الاستهداف.
وفي تصريحات لأريج، تؤكد منظمة "مواطنة" لحقوق الإنسان أن إدارة
باراك أوباما جعلت من هجمات الطائرات المسيّرة الأداة الرئيسة في
عمليات مكافحة الإرهاب، وهو ما انعكس على طبيعة الضربات الجوية
وعددها في اليمن، مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب المنظمة، تسارع هذا النهج خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب،
بعد أن قلّصت إدارته القيود القانونية المفروضة على الجيش الأميركي،
وأعادت تصنيف عدد من المناطق بوصفها "مناطق عدائية نشطة"، في إطار ما
عُرف باستراتيجية تفكيك قيود أوباما على حرب الطائرات المسيّرة.
وترى المنظمة أن هذه التغييرات لم تؤدِّ إلى زيادة عدد الهجمات فحسب،
لكنّها اقترنت أيضاً بارتفاع أعداد الضحايا والخسائر المدنية.