ينزل من السيارة مودّعاً "الخال" ورفيقَه علي، ويعبر الزقاق المؤدية إلى بيته على عجل. يحاول ألّا يصادف أياً من "أولاد الحارة"، كي لا يلحظ أحد ثيابه المتسخة.
يشعر زين (13 عاماً) بأوجاع في ظهره ويديه. يغمض عينيه قليلاً، ويدلف بجسده النحيل نحو الداخل، متحسساً الدنانير العشرة التي جناها لقاء عمله هذا اليوم، ويعطيها لوالده في زاوية الغرفة. يلقي التحية على والدته، ويدخل الغرفة حيث يجلس باقي إخوته.
يخلع زين ثيابه، متخلصاً مما علق به من أوساخ بعد تسع ساعات عمل أمضاها في المكب، ثمّ يلقي "الشبرية" التي ينبش بها أكياس النفايات والفرز. يتخلص من كلّ ما علق به خلال يومه، إلّا رائحة المكب تأبى مفارقته.
خمسة أطفال من بينهم زين، يوثق التحقيق قصص عملهم في "مكب" الزرقاء. هؤلاء من بين عشرات عملوا أو ما زالوا يعملون في نفس المكان، في مخالفة صريحة لقانون العمل، الذي يحظر بالمطلق عمل الأطفال دون السادسة عشرة، ويحظر عمل من هم دون الثامنة عشرة في الأعمال الخطرة، إلّا أنّ الجهات المعنية تغضّ الطرف عن مشغليهم.
أول مرة فتت المكب كنت مبسوط.. بعديها بطلت، كشيت منه، متعب ومش حلو"
يبدأ زين يومه في الخامسة صباحا، ويرافق "الخال" وصديقه علي الذي يكبره بعاميْن، قاصدين مكب الزرقاء الذي يبعد عن منزله قرابة نصف ساعة. يذكر زين اليوم الأول الذي وصل فيه إلى المكب قبل ثلاث سنوات "أول مرة فتت المكب كنت مبسوط.. بعديها بطلت، كشيت منه، متعب ومش حلو". في يوم عمله الأول، وصلت ضاغطة النفايات محملة بأكياس من النفايات، وشرح المعلم لزين دوره. ما أن مرّ اليوم الأول حتى حفظ مهمته، وفي اليوم الثاني، كان قد أتقنها. عمل هناك لفترات متقطعة، لم ينقطع فيها عن الدراسة. ينتظر الأطفال والكبار -على حد سواء- قدوم الضاغطة. تأتي الضاغطات وتفرغ جبالاً من القمامة يتسابق عليها الجميع. يعرف زين مهمته مسبقاً، فهو مكلف بفرز الحديد وتجميعه. يوضح علي (15 عاماً) أنّه لم يواجه مشقة في إتقان المهام الموكلة إليه "من أول يوم اشتغلنا فيه قعد يقلنا اعملوا هيك، وثاني يوم تعلمنا". بحسب الطفليْن، يشرف على المكان "المعلم"، ويحدد لكلّ فرد دوره في المكب، فلا يحتاج إلى أن يلقي عليهم الأوامر والتوجيهات، ولا يخاطبهم إلّا إذا تغيرت مهمة الفرد منهم. خلال عملهما، يأخذان استراحة قصيرة، يتناولان فيها ما أحضراه من وجبات خفيفة، يسدّان بها جوعهما، ويتبادلان الحديث والضحك أحياناً، متناسين مشقة عملهما. يفضل زين العمل في ساعات النهار الباكرة، قبل أن تتوسط الشمس السماء فتصبح الأشعة حامية. يعود زين وعلي للعمل، ثم يقدمان ما جمعاه في أكياس للمعلم، الذي يكافئهما ببضعة دنانير ثم يغادران المكان، تاركيْن خلفهما عدداً من العاملين في الفرز بالمكب، بعضهم -بحسب رواية الطفليْن- يبيت في المكان لأيام اختصاراً لكلفة ومعاناة التنقل. يضمّد زين جروحاً أصيب بها في قدمه بقطعة "شاش" بيضاء، ويقول إنّه أصيب بجرح مماثل في السابق، "يمكن رؤية العظم خلاله". ليست الجروح حدثاً استثنائياً في مكان تنتشر فيه الأدوات الحادة، والزجاج والمخلفات الطبية، وتستوطن فيه الكلاب والأفاعي والعقارب. الطفلان لم يتجاوزا السادسة عشرة. يعمل علي ليساعد والده، أمّا زين فيعمل برغبة من أبيه، رغم محاولات والدته ثني الأب عن قراره. يقول زين "أمي بدها إلي أحسن إشي وبدها أكمل وأتعلم". تخبرنا والدة زين "فش حد بيحبش يدلل ابنه"، إلّا أنّ الظروف تجبرهم على قبول مهنة "مهينة". تخاف على ابنها من الجرافات والضاغطات، لكنّ وجوده مع "الخال" يطمئنها. رغم أنّ تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة يُعتبر مخالفة يعاقب عليها القانون، إلّا أنّه -بحسب زين- لم يسبق أن زارهما أحد من "الحكومة"، ولم يضطر أيٌّ منهما إلى الاختباء من موظفي البلدية قط، مضيفاً أنّ رجال الأمن لا يأتون إلى المكب إلّا حين تقع "مصيبة" فيه، كالمرة التي لقي فيها أحد العاملين في نبش النفايات حتفه دعساً بعجلات ضاغطة.
في أصغر من ابني شغّالين في المكب، لما شفت الولد صابني انفصام"
القصة التي ذكرها زين، يؤكدها الخمسيني سعيد (اسم مستعار) بعد عمله في فرز النفايات لنحو ثلاثة عقود، متنقلاً بين إربد والمفرق والزرقاء. يشير سعيد إلى أنّه -وقبل وقوع الحادثة- لم يسبق أن رأى موظفي البلدية موجودين بشكل دائم في المكب، فمن يأتي منهم، يتفقد المكان ثمّ يغادر. أما بعد الحادثة، باتت البلدية "أكثر حرصاً" على فرض رقابتها، رغم ذلك، ما زال بعض الأطفال يعملون هناك.
يشير سعيد -وبيده سيجارة- إلى ابنه الذي لم يتجاوز الثامنة "في أصغر من ابني شغالين في المكب، لما شفت الولد صابني انفصام". سألناه مجدداً عن موظفي البلدية، فأكد أنّهم لا يقومون بعملهم بالشكل المطلوب. تُذكره زوجته بأنّ كلامه مسجل، إلّا أنّه لم يعطِ الأمر أيّ اهتمام.
تتربع محطة الزرقاء التحويلية المعروفة بـ "المكب" على مساحة 100 دونم في حي المصانع. هي في الأصل أرض لـ "الجيش الأردني"، تمّ تخصيصها لبلدية الزرقاء، وتقع في المنطقة الشرقية من المدينة، يفصل بينها وبين الزرقاء 16 كيلومتراً، وتبعد عن الكلية العسكرية 6 كيلومترات.
بحسب مساعد رئيس بلدية الزرقاء زياد المعايطة، يوجد في المحطة التحويلية باستمرار موظفون تابعون للبلدية، يتوزعون بين مشرفين وحراس ومدراء، جميعهم يتفقدون السيارات الداخلة والخارجة من المكب وإليه.
تُجمع النفايات من المناطق التابعة لبلدية الزرقاء؛ لتنقل لاحقاً عبر "سناجل" وشاحنات لمكب الغباوي التابع لأمانة عمان. ولا تعمل جهة حكومية أو خاصة على فرز النفايات، ولكنّ البعض من أهالي المنطقة يعملون بالفرز بشكل غير رسمي. من خلال المقابلات التي أجراها مُعِدَّا التحقيق مع عاملين في المكب وناشطين، فإنّ العديد ممن يعملون في "نبش" النفايات وفرزها، يأتون مع أفراد من عائلاتهم، ويقيمون هناك لأيام من دون مغادرة المكب، بل إنّ عائلات تقطن بجوار المحطة تعمل بأكملها في هذه "المهنة". تستقبل محطة الزرقاء التحويلية النفايات المُجمَّعة من بلدية الرصيفة أيضاً (أحد ألوية محافظة الزرقاء)، مقابل 50 ألف دينار سنوياً، بموجب اتفاق وُقِّعَ بين الطرفين في عام 2019.
يقول رئيس بلدية الرصيفة السابق أسامة حيمور، إنّ مكب الرصيفة كان محطة لتجميع النفايات على مساحة 24 دونماً، وكانت الروائح والغازات المنبعثة تؤثر على أهالي حي الحسين "ما كانوا يقدروا يفتحوا شبابيكهم لأنها أصبحت قريبة جداً من السكان".
يقرّ حيمور بوجود من يعملون بالنبش (بعضهم لم يتجاوز 11 عاماً) بشكل غير رسمي، في ظروف سيئة. ورغم وجود مسؤول من البلدية، ومراقب للمحطة، إلّا أنّ وظيفتهما ليست تطبيق الأمن فيها، خصوصاً في ظلّ صعوبة التعامل مع "البلطجية".
إذا بتطلعي من برا بتشوفي مثلاً في جيش من الأولاد. خلال ثواني مش دقائق، ولا في أثر. طبعاً وين بروحوا؟ بتخبوا، تحسباً من مخالفة رب العمل أو حتى احتجاز الأطفال"
مادة صوتية: رئيس بلديّة الرصيفة السابق متحدثاً عن مكب الرصيفة
التقينا ناشطين مهتمين بعمالة الأطفال، آثروا جميعهم عدم ذكر أسمائهم "إذا بتطلعي من برا بتشوفي مثلاً في جيش من الأولاد. خلال ثواني مش دقائق، ولا في أثر. طبعاً وين بروحوا؟ بتخبوا، تحسباً من مخالفة رب العمل أو حتى احتجاز الأطفال"، هكذا قال ناشطون.
توجهنا لـ "المكب". بدا الطريق خالياً إلاّ من بضع شاحنات أو ضاغطات. استوقفنا إحدى الضاغطات؛ لنسأل إن كان بإمكاننا دخول المكب، فكان الجواب أن أحداً لن يمنعنا. لم يكن المكان محاطاً بسياج، وحدها الجبال تطوقه. لمحنا ثلاثة أطفال هناك، وبضع ضاغطات وجرافات، وأكواماً من القمامة، اختبأ الأطفال بينها.
بوصف أحد الناشطين، فإنّ حالة المكب كانت "مزرية". وهو يختلف عن باقي المكبات التي تفرغ فيها نفايات عادية، لكون مكب الزرقاء محاطاً بسلسلة جبلية، ومحكماً من جميع الجهات، تتراكم فيه النفايات وتختمر وتطرح مواد سائلة، "أي إنسان طبيعي قد يتضرر بوجوده هناك لدقائق". إضافة إلى وجود القطع الزجاجية، والمعدنية والنفايات الطبية في أكوام النفايات؛ ما يعرض العاملين فيها لخدوش وجروح عميقة وملتهبة؛ نتيجة التعامل مع النفايات.
في الرصيفة، حيث يقطن يونس وأسرته، هناك ما يزيد على 55 ألف نسمة على أرض لا تتجاوز مساحتها 84 كيلومتراً مربعاً، في بقعة مكتظة، يكدُّ العديد من قاطنيها بحثاً عن لقمة العيش.
عادت أم يونس بابنيها إلى الأردن عشية الأزمة في سوريا، وسكنت في حارة في الرصيفة. تتحدث عن حال ابنها حين يعود بعد ساعات طويلة أمضاها في المكب، "كنت أحكي له من الباب الخلفي على الحمام" هكذا تقول أم يونس.
بهيئة يرثى لها، وبملابس متسخة، ووجه يعلوه سواد النفايات، ورائحة عالقة في جسده، يدخل يونس من الباب الخلفي وعادة ما يؤخر وقت عودته إلى أن تغيب الشمس. تضيف والدته "كان يحكي يا أمي بضطر أستنى للمغربيات"؛ لكي لا يلمحه أبناء الحي فيسخروا من هيئته وملابسه.
ترك يونس (18 عاماً) العمل في المكب قبل سنتين، بعد مضي شهر واحد فقط. تقول والدته إنّ ظروفهم أجبرتها على دفعه للعمل. لافتة إلى أنّ جاراً لهم يعمل في المكب، هو من أشار إليه بالعمل معه، وأبدى يونس استعداده للبدء.
صباحاً يخرج مع الجار، وفي المساء يعود معه. يومياً، يعمل في المكب 12 ساعة، إلّا أنّها لم تسمح له بالمبيت هناك أبداً، "إذا تأخر عن الساعة 8 مساء أرنّ 40-50 ألف مرة"، تقول والدته.
ما زالت والدته تذكر اليوم الأول من عمله "أول يوم روحوا فيه مش منظر بني آدم"، إلّا أنّها اضطرت إلى تقبل الوضع، لقاء ديناريْن أو ثلاثة دنانير يعطيها الجار لها.
الوضع الاقتصادي يجبرهم جميعاً على العمل في الأماكن الأسوأ أحياناً؛ إذ إنّ قصة قيس لا تختلف كثيراً عن حالة يونس. إلّا أنّ الأول قصد المكب من تلقاء نفسه قبل ست سنوات، بعد أن أقنعه صديق له بالعمل في المكب. يذكر قيس "سألته كيف بقدر أقدم للشغل في المكب"، ليجيبه أنّه لا داعي للتقديم "كل ما عليك فعله أن تأتي وتبدأ العمل".
لأنّ قيس هو الابن الأكبر في عائلته؛ لم يشأ أن يبقى عبئاً على والده المتقاعد، فأراد أن يعمل لمساعدته، ولو بجزء بسيط.
يقول قيس، إنّه كان يبدأ العمل عند الخامسة صباحا في فرز الكرتون ويضعه جانباً، ليذهب لمدرسته قبل أن تبدأ ساعات الدوام. عادة ما كان يصل متأخراً؛ إلّا أنّ المدرسين والأذنة أبدوا تعاونهم معه ولم يمانعوا دخوله متأخراً أبداً.
عام 2020، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) مشروع الحدّ من عمالة الأطفال استهدفت فيه الرصيفة والزرقاء. يقول مسؤول برنامج حماية الطفل في المنظمة مهند الهامي "زرنا منطقة وادي العش، ومكب النفايات بالزرقاء، وحسبة خضار الزرقاء، والحسبة المركزية، والمناطق الصناعية العشوائية بسحاب".
وأظهرت نتيجة المسح الميداني تسجيل عمل نحو 500 طفل، كما يقول الهامي.
ويعزو عملَ الأطفال في المكب إلى وضعهم الاقتصادي المتردي، لكون طبيعة "المهنة" غير مرغوبة من قبل البالغين، وبالتالي تتمّ عملية استغلال الأطفال بالعمل في المكب مقابل أجور متدنية إما بحسب الأوزان التي يجمعونها أو بالساعة. أجر الفرد لا يقلّ عن 10 دنانير، وبعض الأطفال اعتادوا العمل في المكب، إذ نشأوا في قرى مجاورة، كما يقول.
يؤكد الهامي أنّهم تمكنوا من مساعدة 25 طفلاً إما بإعادتهم لمقاعد الدراسة أو بإلحاقهم بأعمال أقلّ خطورة، أو حتى تقليل ساعات عملهم. إلّا أنّ "المكان ما زال يستقطب أطفالاً آخرين".
مهنة محفوفة بالمخاطر
في المرة الأولى التي قابلنا فيها "أحمد"، سمح لنا برؤية الجرح في قدمه. وبابتسامة يقول "أكبر جرح أصبت به كان قبل ثلاثة أيام ويحتاج لقطب بس ما قطبته". هي ليست المرة الأولى التي يصاب فيها عامل في المكب، فمنذ أيام فقط أصيب أحدهم في قدمه أيضاً.
لا يخلو المكب من النزاعات اليومية بين العاملين على توزيع "البزاريات"، أو تجمع أكياس النفايات، بحسب أحمد الذي اعتاد أن ينأى بنفسه عن الخلافات، "كل يوم هوشة هو بس هاليوم".
يقول أحمد إنّه لا يتناول شيئاً أثناء عمله في المكب، وينتظر إلى أن يعود لبيته، لافتاً إلى أنّ العديد من الموجودين يأكلون مما يرد المكب من نفايات، كاللبن والعصير والخبز. ويسرد لنا بأنّ أكوام القمامة التي ينبشها العمال، قد تخبئ أشياء للباحث بين أكوامها. سبق أن عثر على 3 دنانير وتعليقة من ذهب يقدر ثمنها بـ 72 ديناراً.
لا يعمل أحمد تحت إشراف أحد، فهو منذ بدأ عمله قبل 3 سنوات، يدفع ضماناً أسبوعياً بقيمة 10 دنانير للمتعهد، ويجمع ما تيسر من الخردة، ويبيعها بنفسه في أماكن بيعها. يتوجه للعمل من ساعات الفجر الأولى، ويقف عند قارعة الطريق منتظراً ناقلات النفايات المتوجهة للمكب، ويستقل أيّاً منها. ويشير هنا إلى أنّ الناقلات أو الضاغطات تتبع بلدية الزرقاء، وتغادر المكان بمجرد إفراغ حمولتها. وفي الوقت الذي يعثر فيه "المحظوظون" على نقود وسلاسل ذهبية وأشياء أخرى لا تقل قيمة، تواجه الغالبية مشاكل صحية لا تقتصر على جروح وخدوش.
حصل مُعِدَّا التحقيق على فحوص طبية أُجريت على عدد من العاملين، تدلّ على وجود مشاكل في الكلى وتسمم؛ نتيجة أكل بعضهم مخلفات المصانع، عدا عن المشاكل الجلدية والتنفسية.
اتجار بالبشر
توفر عنصري الاستقطاب والعمل الجبري -هما عنصران ينطبقان على كل الأعمال الخطرة التي يقوم بها الأطفال- يجعل من تشغيلهم اتجاراً بالبشر"
تفيد نتائج مسح عمل الطفل الذي نُفذ آخر مرة عام 2016 من قبل دائرة الإحصاءات العامة، بأنّ عدد الأطفال بعمر (5–17) أعوام في المملكة، يبلغ نحو 403 آلاف طفل، يعمل منهم 69 ألفاً. ويبلغ عدد الأطفال العاملين في أعمال خطرة -بحسب نتائج المسح-، قرابة 45 ألف طفل.
يصنف العمل داخل المكبات والتعامل المباشر مع النفايات من الأعمال الخطرة، التي يحظر القانون تشغيل من هم دون الثامنة عشرة فيها.
هؤلاء العاملون عرضة لإصابات العمل، والأمراض التنفسية والجلدية؛ نتيجة تعرضهم لمواد كيماوية، وفق لقاءات مع أطفال عاملين في مكبات للنفايات، أجراها الفريق الميداني في مركز "تمكين"؛ لتعزيز مفهوم الحماية الاجتماعية للفئات المستضعفة، وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الأردن.
ترى رئيسة المركز ليندا كلش -ناشطة في قضايا الاتجار بالبشر- أنّ معظم حالات عمل الأطفال ترقى إلى "جريمة اتجار بالبشر". وبنظرها فإنّ "توفر عنصريْ الاستقطاب والعمل الجبري -هما عنصران ينطبقان على كل الأعمال الخطرة التي يقوم بها الأطفال- يجعل من تشغيلهم اتجاراً بالبشر"، إلّا أنّ "الإشكالية الحقيقية" تكمن في صعوبة الإثبات وضعف الإبلاغ.
من جهة أخرى، ترى كلش أنّ جذر المشكلة يكمن في ارتفاع البطالة وقلة الوعي. "حتى المشغّل لا يرى نفسه مخالفاً للقانون، بل يعتقد أنّه يقدم العون لذوي الطفل"، تقول كلش، مشددة على ضرورة تغليظ العقوبات على مشغّلي الأطفال "العقوبات الموجودة غير كافية".
جزء من مقابلة ليندا كلش
أدوار ومسؤوليات المؤسسات ذات العلاقة بالتعامل مع الأطفال
يقع ضمن اختصاصها الأطفال العاملون في المنشآت المشمولة بأحكام قانون العمل الأردني.
يقع ضمن اختصاصها الأطفال العاملون لحسابهم الخاص، والأطفال المتسولون، والباعة المتجولون، والعابثون في النفايات، والعاملون ضمن المنشآت غير المشمولة بأحكام قانون العمل والأطفال العاملون خلافاً للتشريعات.
يقع ضمن اختصاصهم الطفل المنقطع أو المتسرّب من المدرسة قبل الانتهاء من المرحلة الإلزامية وهو من فئة الأطفال المعرضين للخطر.
من المسؤول؟
رغم التزام الأردن بالتشريعات والاتفاقيات التي تحمي وتحدّ من عمالة الأطفال، إلّا أنّ منظمة بيت العمال تتوقع زيادة عدد الأطفال العاملين في الأردن بنحو 100 ألف طفل؛ أي بارتفاع نسبته 25%، عما كانت عليه قبل ستة أعوام.
بحسب أشرف خريس -الناطق الإعلامي باسم وزارة التنمية- فإنّ مسؤولية التفتيش على المناطق الخطرة تقع على عاتق وزارة العمل، "وزارة التنمية لا تدخل المنشآت وأماكن العمل، التنمية تقدم خدمات اجتماعية تأتي لاحقاً". وبيّن أنّ "عملية الضبط يتبعها ما يعرف بإدارة الحالة لتقييم وضع الطفل والخدمة التي يحتاجها، وكلّ الوزارات معنية بإدارة الحالة، فالأمر ليس مقتصراً على وزارة التنمية".
أما وزارة العمل فتتعامل مع عمالة الأطفال من خلال نظام التفتيش والضبط عبر استقبال الشكاوى. وخلال هذا العام، وردت 40 شكوى لحالات عمالة أطفال من أصل نحو 7700 شكوى. وتمّ ضبط 172 حالة في النصف الأول من هذا العام. رقم يعد ضئيلاً؛ إذا ما قورن بإحصائيات عمالة الأطفال في الأردن.
حتى منتصف 2022، ضبطت وزارة العمل العديد من الحالات لأطفال يعملون في مهن خطرة العام الماضي، لم تكن أيٌّ منها في مكبات النفايات، إذ كانت جميعها في محال بيع القهوة وتصليح المركبات وبيع التجزئة.
بلغ عـدد مفتشي العمـل فـي الأردن عام 2022، نحو 160 مفتشاً، 6 منهم فقط في محافظة الزرقاء. وشددت ورقة سياسات نشرها "بيت العمال" على ضرورة مضاعفة العدد، لتغطية جميع المنشآت. واعتُبر العدد غير كافٍ مقارنة بالمهام المطلوبة من المفتشين وحجم سوق العمل.
يقول الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل (وقت إنجاز التحقيق) جميل القاضي، إنّ التفتيش على عمل الأطفال مسؤولية وزارة العمل وحدها. وعن عدد مفتشي العمل، اعتبر أنّ وجود 170 مفتشاً كافٍ. وأنّ "عدم وصول الوزارة لمنطقة لا يعني تقصيرها، بل تقصير من رأى المخالفة ولم يبلغ عنها".
قابلنا عماد المومني -رئيس بلدية الزرقاء- لنسأله عن العمل في محطة الزرقاء التحويلية. وقال إنّ هناك موظفين من البلدية يعملون بصفة دائمة ومستمرة، داخل المحطة التحويلية، وضمن ظروف عمل قاسية جداً. "شيء لا يطاق.. الروائح وانبعاثات الغاز والحرارة أجواء صعبة جداً"، هكذا يقول المومني.
بداية نفى وجود عملية فرز داخل المحطة التحويلية "تحدث على أطرافها"، لكنّه عاد ليؤكد أنّ هناك أكثر من 800 شخص يعملون في "نبش" النفايات في الزرقاء "لا نتعامل معهم بقسوة، شو الإنسان اللي بده ياخذ حديد وبلاستيك. مين اللي بده يلجأ لنبش الحاويات.. إنسان معدم"، هكذا قال المومني.
ويتابع المومني "بعض الأهالي القاطنين بالمنطقة، يستفيدون بشكل غير رسمي من النفايات، عددهم مش هين، نحاول منعهم لكن يحاولون الاستفادة من بعض المخلفات من حديد وبلاستيك وكرتون بشكل غير رسمي بين مد وجزر من المحطة". ويوضح أنّ موظفي البلدية، يحاولون منع أهالي المنطقة من نبش النفايات، إلّا أنّهم يتجنبون حدوث صدامات معهم. وعن عمل الأطفال، نفى أن يكون قد تلقى أيّ بلاغ أو شكوى بذلك.
البداية
ترك زين العمل في المكب، وانتظم في المدرسة مجدداً. يحتفظ زين ببضع صور يحملها في ذاكرته عن أيامه هناك، لأطفال يأكلون من القمامة، وكلاب تبث الرهبة في نفوس الأطفال، وشمس تتوسط السماء، فتصب لهيبها على رؤوس العاملين، ولحظات من المرح يسرقها هو ومن معه من ساعة استراحتهم.
وفي زاوية بغرفته، يبقي زين لعبة "بلاي ستيشن" عثر عليها أثناء عمله، وسمح له المتعهد بأخذها، إلّا أنّها بقيت كذلك بلا أسلاك. يقول إنّه يريد أن يصبح طبيباً حين يكبر.
بعد إلحاح منّا وتردّد منه، عبّر علي عن رغبته في أن يصبح معلماً. يقول زين مازحاً "الحلم شاورما والحقيقة عدس".
يونس أيضاً عاد لمقاعد الدراسة، ولا يحب أن يذكر الشهر الذي أمضاه في المكب. أما قيس فوجد مهنة جديدة يقتات منها بعيداً عن النبش في أكوام النفايات.
أحمد الذي تعثرت دراسته منذ كان في الصف الثامن، لم يبرح مكانه "أكون كذاب وأحكيلك بفكر بمشروع؟ لا". ما زال أحمد يعمل في فرز النفايات وبيع "الخردة".
*نُشرت الحالات بأسماء مستعارة بناء على رغبتها أو رغبة ذويها وحماية لها.