في المقابل، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، الدكتور حسام عبد
الغفار، أن مريض الإدمان يُعامل معاملة المريض النفسي وفق المادة 13 من
قانون الصحة النفسية؛ أي يجوز إدخاله إلزامياً للعلاج إذا كان خطراً
على حياته أو الآخرين.
لكن المعضلة ما تزال قائمة، فليس كل المدمنيين يمثلون خطراً على حياتهم
الشخصية أو الآخرين، وهو ما تستغله مراكز علاج الإدمان غير المرخصة حتى
اليوم.
كانت المستشفيات الحكومية الملاذ الآمن والوحيد لآلاف المرضى، لكن
تزايدت أعداد متعاطي المواد المخدرة على نحو كبير فبلغت نحو ستة ملايين
شخص، بنسبة تصل إلى نحو 5.6 في المئة، بحسب ما ذكر دكتور عمرو عثمان،
مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر
2024، خلال إحدى اللقاءات التليفزيونية المحلية.
مقابل ذلك، بقيت أعداد الأسِرّة الخاصة بعلاج الإدمان داخل المستشفيات
الحكومية محدودة، ولم تواكب هذه الزيادة. الأمر ذاته أكده المتحدث
الرسمي باسم وزارة الصحة، الدكتور حسام عبد الغفار، بأن عدد الأسِرّة
في المستشفيات الحكومية بلغ نحو ألف و500 سرير فقط.
ووفق الدكتور تامر العمروسي، مدير إدارة علاج الإدمان بوزارة الصحة
سابقاً، فإن محافظة القاهرة وحدها بها أكثر من 500 مركز غير مرخص لعلاج
الإدمان، كما أن عدد المراكز غير المرخصة بحي المقطم فقط يصل إلى 50
مركزاً؛ أغلبها تحت إدارة مدمنين سابقين.
عجز كبير وواضح، دفع أغلب الأهالي لطلب العلاج في المراكز غير المرخصة،
التي لا تخضع لرقابة وزارة الصحة.
مراكز الموت بلا لافتات
أدمن علاء نبيل، طالب جامعي، أقراص الترامادول عام 2010، حين كان عمره
20 عاماً، وهو المُخدر الأكثر رواجاً وقتها بين الشباب.
في البداية، أودعه والده في مصحة نفسية خاصة بحي النزهة الجديدة
بالقاهرة؛ لكنّ تكلفة علاجه العالية دفعت الأب لإخراجه من المصحة
الخاصة، محاولاً إيجاد سرير لابنه داخل أحد المستشفيات الحكومية للصحة
النفسية، لكن من دون جدوى.
تقول الأم: "لا توجد أماكن شاغرة، شاهدت بعيني والدة أحد المرضى تقول
لإدارة المستشفى: خدوا ابني في أي مكان حتى لو تحت السرير، طالما مفيش
مكان".
اضطر الأب مجدداً إلى البحث عن أحد المراكز الخاصة لعلاج الإدمان، حتى
قاده إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي لمركز بحي المقطم بالقاهرة.
اتصل الأب برقم الهاتف، وصل فريق شحن تابع للمركز ليأخذ الشاب بالقوة،
كان الأب والأم مع ابنهما حتى وصوله المركز.
دفع الأب حينها مبلغ ألف و500 جنيه مصري (200 دولار أميركي تقريباً)
تحت الحساب، على أن يدفع ثلاثة آلاف و500 جنيه بعد يومين، كان ذلك مساء
يوم 27 كانون الثاني/يناير عام 2013.
خلال اليوم الأول لعلاء داخل المركز، اتصل والداه عدة مرات بالمركز
للاطمئنان عليه، وكان الجواب دائماً "علاء بخير". تقول الأم: "لم أكن
أعرف أنه في هذه اللحظات يتعرض للتعذيب".
مساء 29 كانون الثاني/يناير؛ أيّ بعد يومين من دخول علاء المركز، تلقت
الأم اتصالاً هاتفياً من مدير المركز: "ابنك قطع شرايينه ووصلناه
المستشفى"، بعد قليل جاءها اتصال آخر: "ابنك مات". تحركا الوالدان
باتجاه المركز، ليجدوا ابنهم جثة هامدة هناك.
في الدور الرابع من هذا العقار، تعيش (منذ عام ونصف) داليا زكي، باحثة
قانونية، لكنّها لم تعرف أن بالعقار نفسه توجد مصحة لعلاج الإدمان؛ فلا
وجود لأي لافتة على مدخل العقار. اعتادت طوال هذه الفترة على سماع
أصوات مريبة كل ليلة: "كنا بنسمع كتير بالليل ناس بتصرخ، وناس بتتألم،
وناس بتزعق، كنا بنفكر إنه صوت ناس مدمنة عايزة تشرب مخدرات".
في هذه الليلة، انتبهت داليا لأصوات عالية قادمة من الطابق الذي توجد
به المصحة، وتجمع أشخاص أمام باب العقار؛ دفعها الفضول للنزول إلى
الشارع، عرفتْ من والد الشاب أن ابنه فارق الحياة، وعندما سألت صاحب
المركز عما حدث، أخبرها: "مدمن وعنده ميول انتحارية شنق نفسه في
الحمام".
في الأثناء، سمعتْ صاحب المركز، الدكتور محمد الحجار، وهو يقترب من
الأب ناصحاً أن يأخذ ابنه ويدفنه بهدوء، متعهداً بإنهاء الإجراءات، فلا
حاجة إلى إبلاغ الشرطة بما حدث، حفاظاً على جثة ابنه من التشريح
و"البهدلة". لكنّ داليا استرجعت الأصوات المريبة المعتادة التي كانت
تسمعها بشكل يومي؛ فطلبت من الأب أن يتجاهل كلام صاحب المركز، ويتصل
بالشرطة، فاستجاب الأب.
ما وراء الحادث
تشكّلت لجنة من وزارة الصحة بقيادة دكتور ممدوح الهادي، مدير عام
الإدارة العامة للمؤسسات العلاجية غير الحكومية، وذكرت في تقريرها عن
هذا المركز أنه مُسجّل عيادة خاصة وليس مركزاً، طبقاً للقانون 51 لسنة
1981، والمعدل بالقانون 153 لسنة 2004؛ حيث يمكن للعيادة أن تكون بها
أسِرّة للملاحظة لا يتجاوز عددها ثلاثة أسِرّة، لكنّها ليست للإقامة.
بمجرد وصول الشرطة، فرّ صاحب المركز هارباً تاركاً الكمبيوتر الشخصي
الخاص به داخل المركز، وبتقديمه للنيابة وفحصه، تبيّن وجود مقاطع فيديو
وصور فوتوغرافية لبعض المرضى يقوم العاملون بالمركز بتجريدهم من
ملابسهم، وربطهم من الخلف والتعدي عليهم بالضرب، ليتسبب مقتل علاء في
إعادة حادثة أخرى للواجهة، حدثت قبل أربعة أشهر داخل المركز نفسه؛ حين
مات أحد النزلاء نتيجة تعذيب واعتداء جنسي، في حين نجا ثلاثة نزلاء من
الموت، كان من بينهم محمود محمد، الشهير بـ "بسة".
انتهاكات مختلفة داخل مراكز علاج الإدمان غير المرخصة في مصر
التحريات السرية لرئيس مباحث قسم المقطم، كشفت عن أن المتهمينِ محمد
وأحمد الحجار قاما بإنشاء مركز غير مرخص لعلاج الإدمان، تُستخدم فيه
وسائل غير قانونية في علاج النزلاء، تمثّلت بإعطائهم عقاقير مخدرة
واحتجازهم داخل المركز، وتعذيبهم وهتك عرضهم، وإيهام أهلهم باستجابتهم
للعلاج وضرورة استمرار ذويهم في المركز.
تبيّن أيضاً قيام المتهمين بالتعدي بالضرب على المجني عليه، وحاولوا
إعطاءه عقاقير مخدرة، لكنّه رفض. حينها خنقه محمد الحجار بيده حتى زهقت
روحه، ثم قاموا بربط "تي شيرت" حول عنقه وتعليقه على شماعة الحائط
بدورة مياه المركز؛ لإيهام جهات التحقيق أن المجني عليه مات منتحراً.
بعد عامين، وتحديداً في 13 كانون الثاني/يناير 2015، حكمت المحكمة
بالسجن ثلاث سنوات على المتهمين، بتهمة ضرب أفضى للموت، وليس القتل
العمد، وذلك في القضية التي حملت رقم 7597 لسنة 2014 جنايات المقطم،
المقيدة برقم 14 لسنة 2013 حصر تحقيق جنوب القاهرة.
عبر مكالمة هاتفية في شباط/فبراير 2025، أخبرتنا أم الضحية (علاء)، أن
العقوبة الجنائية طُبّقت على اثنين فقط من العاملين بالمركز، بينما نجا
صاحب المركز وشقيقه من أي عقوبة، على الرغم من أنهما كانا متهمين
رئيسين في التعذيب والقتل. وبحسب متابعتها للأخبار المتعلقة بهذه
المراكز غير القانونية، تعتقد الأم أن الأمور ازدادت سوءاً داخل هذه
المراكز خلال السنوات التي تلت مقتل ابنها وحتى الآن.