مصر مرتع لمبيدات مغشوشة محرمة دولياً (الجزء الأول)

26 ديسمبر 2011

يكشف هذا التحقيق الاستقصائى خفايا مافيا دولية تستغل ضعف الرقابة على المنافذ الجمركية لإدخال مواد محظورة من الصين ودول جنوب شرق آسيا عن طريق وزارة الصحة.

استمر العمل فى التحقيق عامًا كاملاً حتى يرى النور، تتبع خلالها كاتب التحقيق شركة مصرية تدخل مواد خامًا من الصين عن طريق وزارة الصحة المصرية، ثم تستخدمها فى تصنيع مبيدات زراعية مقلدة، مغشوشة ومحرمة دوليّا.

فى الجزء الأول يضىء كاتب التحقيق مسارات البضائع المحرمة من بلد المنشأ وصولاً إلى مقصدها النهائى فى مصر.. وهكذا تتبع الشركة الصينية المصدرة للمواد الخام وأوهمها برغبته فى عقد صفقة معها لإدخال شحنة مبيدات لمصر. كشفت هذه المراسلات الأساليب التى تتبعها الشركة الصينية فى إدخال المبيدات المحرمة والمحظورة إلى مصر، ووجدت أن هذه الشركة لا تمتلك شهادات تسجيل لإنتاج هذه المبيدات داخل الصين. حصل كاتب التحقيق فى نهاية هذه المراسلات على دعوة لحضور المعرض الدولى للمبيدات بالصين الذى يقام فى مدينة «شنغهاى» خلال أكتوبر.

فى الجزء الثانى يتتبع كاتب التحقيق خيوط الشركة المحلية داخل مصر ويتمكن من الحصول على محاضر قضايا وأوراق رسمية تثبت قيام الشركة بإنتاج مبيدات مقلدة ومغشوشة ومحرمة دوليّا تستخدم فى الزراعة داخل مصانعها، وذلك عن طريق وزارة الصحة المصرية التى تمنح الشركة موافقات استيراد لإدخال المواد الخام المستخدمة فى تصنيع المبيدات بعيدًا عن وزارة الزراعة. وهذا يؤدى لإصابة مصريين بأمراض خطيرة ويؤثر على البيئة بكل عناصرها.

عندما تدوى صافرات السفن العملاقة معلنة وصولها إلى الموانئ المصرية تكون حمولتها «المحرمة دوليّا» من المبيدات والمواد الخام القادمة من الصين والهند قد أنهت رحلتها البحرية فى ظروف غامضة يشوبها تحايل فى بيانات أوراق التصدير ومانفيست البضائع، على ما سيكشف هذا التحقيق الميدانى.

بعد ذلك تبدأ المواد الخام – التى تدخل خطوط إنتاج محلية تحت مسميات غير محظورة – رحلة أخرى داخل مصانع سرية تنتج مبيدات مقلدة ومغشوشة يتم توزيعها فى الخفاء على الفلاحين المصريين.

كاتب هذا التحقيق تتبع رحلة المبيدات المحرمة من الموانئ الصينية حتى وصولها إلى الموانئ المصرية، ورصد عمليات غش وتقليد تقوم بها «مصانع بيرالسلم» التى تعمل فى سرية تامة بعيدًا عن الجهات الرقابية.

يتتبع هذا الجزء من التحقيق مسارات رحلة استيراد المواد المحرمة دوليّا من الصين، التى تتهم شركاتها – إلى جانب الهند – بتصدير هذا النوع من المواد الخام بعيدًا عن رقابة السلطات المحلية فى مصر ودول أخرى، وأحيانًا بالتواطؤ مع مسؤولين فى هذه الدول.

بداية الخيط فى مصر

كانت بداية تتبع الشركة المصرية وعلاقتها بالشركة الصينية من معرض «صحارى للزراعة والغذاء» السنوى، الذى أقيم من 25 إلى 28 سبتمبر 2010.

خصّص ذلك المعرض عدة أجنحة لشركات تجارة المبيدات، من ضمنها إحدى شركات مجموعة «icm» وهى من كبريات الشركات المصرية العاملة فى مجال تصنيع مبيدات «الصحة العامة». كانت هذه الشركة قد واجهت اتهامات بالاتجار غير الشرعى فى المبيدات الزراعية المقلدة والمحظورة، وذلك بعد أن ضبط بأحد مصانعها كميات ضخمة من هذه المبيدات، وفق محضر الدهم رقم 686 لسنة 2007، الذى أثبت فيه قيام الشركة بتقليد وتصنيع مبيدات محرمة دوليّا بمصنعها فى مدينة بدر الصناعية، ولا تزال القضية متداولة أمام القضاء المصرى.

رغم قرار المحكمة استمرت الشركة فى نشاطها. فطبقًا لأوراق القضية رقم 3913 لسنة 2009 جنح وادى النطرون وجهت لمدير الشركة تهمة ضبط مبيدات محرمة بمخزن فى طريق مصر إسكندرية الصحراوى عثر بداخله على مبيد «التيمك» المحرم دوليّا بالإضافة لمبيدات مقلدة ومغشوشة ومواد مجهولة المصدر.

وفى عام 2010، قدمت الشركة نفسها بصفتها إحدى شركات مجموعة «i.c.m» المتعددة المجالات فى مصر فضلاً على دورها فى بعض الدول العربية, بحسب المعلومات المدرجة فى دليل المعرض وعلى موقع الشركة الإلكترونية، أنشئت شركة «icm» عام 1991، وهى تنشط فى مجالات مختلفة مثل تصنيع المبيدات الحشرية والفطرية والأسمدة الزراعية ومبيدات الصحة العامة وتنسيق الحدائق والرشاشات الزراعية وماكينات الضباب الحرارى والرذاذ. وتعد الشركة وكيلاً لكبريات الشركات العالمية التى تعمل فى هذه المجالات.

وتدرج الشركة فى منشور المعرض وموقعها الإلكترونى قائمة منتجاتها من المبيدات الزراعية ومبيدات الصحة العامة. وتذيل اللائحة بأسماء عدد سبع شركات أجنبية تؤكد الشركة المصرية أنها وكيل حصرى وموزعة لمنتجات هذه الشركات من المبيدات. من خلال تصفح مواقع هذه الشركات «الأجنبية» المتعاملة مع الشركة المصرية تبين أنها شركات «صينية وهندية».

كانت هذه الشركات ومواقعها الإلكترونية بداية الخيط الذى تتبعه كاتب التحقيق لتقصى خط سير المواد الخام المحظورة والمقلدة – بدءًا من خروجها من مصانع هذه الشركات وحتى دخولها مصر. وكذلك الكشف عن الوسائل التى تتبعها الشركات المصرية، لتمرير هذه المواد المحظورة عبر الموانئ بعيدًا عن الجهات الأمنية والرقابية داخل مصر؛ مصلحة الجمارك والضرائب المصرية والمعمل المركزى للمبيدات التابع لوزارة الزراعة وشرطة المسطحات المائية والتموين التابعة لوزارة الداخلية، والجهات الرقابية فى وزارات الصحة والبيئة والتجارة والصناعة وحماية المستهلك.

عجزت هذه الجهات مجتمعة عن التصدى لمافيا تجارة المبيدات المهربة، ومصانع «بير السلم» التى تنتشر فى محافظات مصر، وتقوم بغش وتقليد المبيدات ثم توزعها فى الخفاء على الفلاحين المصريين الذين يستخدمونها فى الزراعية، مما ينتج أضرارًا بيئية وصحية خطيرة تصيب المواطن المصرى.

وقع الاختيار على شركة «nanjing essence-fine chemical» وتعنى بالعربية «الزهرة الجميلة»؛ إحدى الشركات التى ورد اسمها فى المنشور الدعائى لشركة «i.c.m» وعلى موقعها الإلكترونى.

يقع مصنع الشركة الصينية فى مدينة «نانجينغ»، عاصمة مقاطعة «جيانغسو» شرق الصين، وهى من أكبر المدن المتخصصة فى صناعة المبيدات بالصين. يضم المصنع مجموعة مخازن ومبنى إداريّا، وقسمًا للأبحاث والتطوير، بالإضافة للمصنع الذى يقع على مساحة 16 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية 10 آلاف طن مبيدات سنويّا، واستثمارات تبلغ 137000000 يوان أى ما يساوى 21 مليونًا و750 ألف دولار، تصدر الشركة مبيدات لعدة دول فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، ومنها دول عربية كالسعودية والأردن واليمن ومصر.

رحلة المخاطبات

خاطب كاتب التحقيق الشركة الصينية على بريدها الإلكترونى بتاريخ 31 / 3 / 2011 على أساس أنه ممثل لشركة مصرية تحت اسم «الزهراء للصناعة والتجارة» تعمل فى مجال تعبئة وتصنيع المبيدات المستخدمة فى مجال الزراعة. وطلب من الشركة الصينية أسماء منتجاتها من المبيدات وعروض أسعارها.

فى اليوم التالى وصلت رسالة على بريد «شركة الزهراء» من موظف التسويق بالشركة الصينية ويدعى «Michael Shu» تحتوى على قائمة بها ما يزيد على 150 نوعًا من المبيدات الحشرية والفطرية ومبيدات الأعشاب والنباتات، طلب موظف التسويق تحديد أنواع المبيدات التى نحتاج إليها.

تم تحديد تسعة أنواع من المبيدات «سيبرميثرين، ديكوفول، دايميثويت، الأترازين» وهى مبيدات يحظر استخدامها فى مصر بموجب القرار رقم 719 لسنة 2005. وأيضًا أنواع مبيدات أخرى مصرح باستخدامها فى مصر «الملاثيون، دلتامثرين، امدا – سيهالوثر، الكلوربيريفوس، ديازينون» أرسل قائمة بهذه المبيدات للشركة الصينية وطلب فى هذه الرسالة عروض وتفاصيل عملية الدفع والتسليم.

فى اليوم التالى وصلت رسالة الجانب الصينى، طلب فيها موظف الشركة تحديد الكميات المطلوبة لوضع السعر النهائى وحجم العينات المطلوب إرسالها.

تم تحديد حجم الكميات بـ 500 كيلو من كل نوع و2 كيلو أو لتر لكل عينة من المبيدات، وطلب فى هذه الرسالة أن ترسل الشركة جميع الشهادات والتراخيص الخاصة بهذه المبيدات.

بعد يومين جاء رد موظف الشركة الصينية فى رسالة مختصرة، جاء فيها أن إرسال العينات عن طريق شركات النقل «دى إتش إل أو فيديكس أو يو بى إس» سيكون بأسماء مواد كيميائية أخرى غير المبيدات، حتى يسمح لهذه المواد بالعبور من الجمارك دون مشاكل. كشفت هذه الرسالة عن الطريقة التى تستخدمها الشركة الصينية فى إدخال المبيدات إلى مصر، وذلك عن طريق أسماء مواد كيميائية أخرى.

جاء الرد على ذلك بأنه لا توجد أى مشكلة فى دخول المبيدات بأسماء مواد كيميائية أخرى مادام هذا يضمن دخولها لمصر دون مشاكل، وهو ما أكسبنا ثقة الجانب الصينى.

وفى رسالة أخرى من موظف الشركة الصينية، أخبرنا بمعلومة غاية فى الأهمية، وهى أن الشركة الصينية لا تمتلك شهادات التسجيل فى «ICAMA» وهى اختصار «معهد مراقبة المواد الكيميائية الزراعية» التابع لوزارة الزراعة الصينية والمنوط به مراقبة وتسجيل منتجات الشركات الصينية. وهو ما يعنى أن الشركة الصينية لا تمتلك شهادات تسجيل لمنتجاتها داخل الصين، وتقوم بتصديرها لدول العالم، ومن ضمنها مصر، وهى مبيدات محرمة دوليّا ومحظور تداولها كما ورد بقائمة الشركة.

حاول كاتب التحقيق معرفة تفاصيل أكثر عن طريقة دخول المبيدات المحرمة دوليّا والممنوعة عبر الموانئ المصرية. فطلب من موظف الشركة الصينية المساعدة فى إدخال المبيدات غير المصرح بها لمصر، وأخبره فى نهاية الرسالة بأن صاحب الشركة المصرية «الزهراء» سيزور الشركة الصينية فى أقرب فرصة للاتفاق على التفاصيل.

رد موظف التسويق بالشركة الصينية على هذه الرسالة بمجموعة من الأسئلة حاول من خلالها استكشاف وضع شركة الزهراء القانونى والتجارى مثل خطة التسجيل؟ وهل سبق أن قمنا بتسجيل مبيدات قبل ذلك أم لا؟

وكان رد كاتب التحقيق على هذه الأسئلة بأن هناك شركة أخرى لديها بعض شهادات التسجيل داخل مصر ستساعدنا فى إدخال المبيدات بسهولة.

وفى نهاية هذه الرسالة سألنا موظف الشركة الصينية عن المعرض السنوى للمبيدات الذى يقام فى الصين للشركات الصينية العاملة فى مجال تصنيع المبيدات؟ وطلبنا منه مرة أخرى معرفة السعر النهائى للكميات المطلوبة من المبيدات وتكلفة إرسال العينات من الصين إلى مصر.

بعد يومين أرسل موظف التسويق بالشركة الصينية تكلفة إرسال العينات؛ 1025 دولارًا أمريكيّا، وقال فى رسالته إن معرض المبيدات فى الصين يقام مرتين كل عام فى شهر مارس فى مدينة «كاك» والثانى فى شهر أكتوبر فى «شنغهاى» القريبة من مدينة نانجينج، مقر مصنع الشركة. وبمنتهى الود وجه لنا دعوة للسفر للصين لحضور المعرض ومشاهدة مصنع الشركة الصينية.

طلب كاتب التحقيق من الجانب الصينى أن يرسل رقم حساب الشركة الصينية لتحويل ثمن العينات وتحديد ثمن شحنة المبيدات المطلوبة فى حال الاتفاق حسب الكميات التى تم تحديدها مسبقًا.

وفى ذات الرسالة حاول كاتب التحقيق معرفة تفاصيل دخول «المبيدات المحرمة والممنوعة» إلى مصر عبر الجمارك المصرية بعيدًا عن الجهات الرقابية. فأخبر موظف التسويق بالشركة الصينية أن الشركة المصرية «الزهراء» كانت تحصل على هذه المبيدات من بعض الشركات المصرية التى تستورد من الصين فى عبوات بدون أى بيانات. وطلبنا منه مساعدتنا فى هذه العملية.

بعد مرور أربعة أيام رد موظف التسويق بالشركة الصينية برسالة جديدة ورد بها رقم حساب الشركة كما يلى:

«ESSENCEFINE-CHEMICA (U.K) LIMITED» على بنك «‏SHENZHEN DEVELOPMENT BANK CO., LTD. NANJING BRANCH»، وعنوانه شارع تيودور، كارديف، جانب النهر، ويلز.

طلب موظف الشركة الصينية فى هذه الرسالة تحويل المبلغ المتفق عليه 1025 دولارًا، وقال «إذا كنت فى حاجة لتأشيرة لزيارة الصين أخبرنا بذلك، عندما تحضر إلى الصين ستشاهد مصنعنا» وردّا على أسئلتنا حول دخول المبيدات بأسماء أخرى قال: «لا توجد مشكلة فى تغيير الأسماء لمساعدتك فى استيراد سهل، نحن نعرف أن مصر تعتبر سوقًا كبيرة، لدينا خطة جيدة وسيكون تعاونًا آمنًا وسلسًا». وفى نهاية الرسالة أرفق موظف الشركة الصينية قائمة بالأسعار النهائية، للمبيدات التى طلبناها على أساس 500 كيلو أو لتر، من كل نوع فوب من ميناء شنغهاى بالصين. الملاحظ فى رسالة موظف الشركة الصينية أنه أخبرنا عن خطة لدخول المبيدات بأسماء أخرى، ولكنه لم يفصح عن تفاصيل أكثر عن هذه الخطة.

قرر كاتب التحقيق إرسال الرسالة الأخيرة وسؤال الجانب الصينى بطريقة مباشرة عن آلية دخول المبيدات إلى مصر والأسماء الكيميائية التى ستدخل بها والمنافذ الجمركية الآمنة لتنفيذ هذه العملية؟

جاء رد موظف التسويق بالشركة الصينية على هذه الرسالة بمجموعة أسئلة تكشف عن مدى قلقه من إبداء أى تفاصيل أخرى. فسأل كيف توصلنا لشركته؟ هل يوجد لدينا موظف صينى بالشركة «المصرية»؟ وفى النهاية أخبرنا بأن العينات ستصل خلال 4 – 5 أيام، وسيخبرنا بالأسماء التى ستدخل بها قبل إرسالها لمصر.

وكان رد كاتب التحقيق على هذه الرسالة بأننا لن نجازف بأموالنا ويجب أن نعرف كل التفاصيل قبل بداية أى تعامل.

وبعد مرور أربعة أيام جاءت رسالة من موظف التسويق بالشركة الصينية يخبرنا فيها بأن العينات جاهزة وسترسل لمصر عن طريق شركة «فيديكس» للنقل السريع وستصل بعد 3 أو 4 أيام من تاريخ تحويل المبلغ المالى المحدد للعينات وهو 1025 دولارًا.

عند هذا الحد قرر كاتب التحقيق التوقف عن مراسلة الشركة الصينية حتى لا يتورط فى عملية استيراد لمبيدات محرمة دوليّا وممنوعة من الدخول لمصر.

الغريب أن كاتب التحقيق تلقى دعوة لاحقًا من الشركة الصينية بتاريخ 12 سبتمبر لحضور المعرض الدولى للمبيدات الذى يقام سنويّا فى أرض المعارض بشنغهاى خلال الفترة من 20 إلى 22 أكتوبر 2011.

من خلال هذه المراسلات نبش كاتب التحقيق مسارات رحلة خامات المبيدات المحرمة من بلد المنشأ إلى مصانع «بير السلم»، قفزًا فوق حواجز الجمارك ومعايير الدولة المصرية.

فى الجزء الثانى غدًا، يتتبع الكاتب مراحل تصنيع وتوزيع المبيدات المغشوشة والمقلدة، وصولاً إلى الفلاح البسيط، ومنه إلى المستهلك المصرى.

فى ورشة عمل بحضور ممثلين عن الجمعيات الرقابية والحكومية

وإلى أن تصل غداً لتتبع مراحل وتصنيع وتوزيع المبيدات المغشوشة فى مصر ننوه إلى أنه نظرًا لخطورة هذه المبيدات عقدت أواخر 2010 ورشة مغلقة بنادى شرطة المسطحات المائية بعنوان «مكافحة الاتجار غير الشرعى والغش فى المبيدات»، بحضور ممثلى ست جهات حكومية. وقد نشرت حوارات الورشة على موقع المعمل المركزى للمبيدات التابع لوزارة الزراعة المصرية، كما نقلت الصحف القومية تصريحات لمسؤولين تثبت وجود مبيدات مغشوشة ومقلدة فى السوق المصرية تصنع فى مصانع «بير السلم» وتوزع فى سرية على الفلاحين.

وأثناء المناقشات التى دارت خلال الورشة كشف الدكتور منير محمد الماظ مدير المعمل المركزى للمبيدات بوزارة الزراعة أن المعمل رصد خلال عام 2009 مبيدات مهربة ومغشوشة فى عدة محافظات. وتصل نسبة هذه المبيدات فى محافظة الإسكندرية %19 وفى الإسماعيلية %10.9 وفى المنيا %63.2 وفى الدقهلية %19، وهو ما يدل على تفاوت نسبة المبيدات المغشوشة والمهربة من محافظة لأخرى.

ويرى سعيد ناصر مدير عام التهرب الجمركى أن للمهربين طرقًا متعددة فى إدخال المبيدات المغشوشة، حدد منها استخدامهم لوثائق مزورة تحمل شهادات جمركية لمواد غذائية توضح أن ما بداخل الحاويات عبارة عن بضائع للاستهلاك الآدمى.‏. ويوضح ناصر أن هناك مهربين يستخدمون وثائق جمركية وإجراءات سليمة،‏ لكن غرض الاستخدام يتغير فى السوق المحلية مثل مركبات الصحة العامة أو الكيميائيات الصناعية وتستخدم فى تحضير المبيدات‏،‏ وهى عبارة عن مذيبات ومواد استحلاب غير مسموح بها للاستخدام الزراعى.‏ بعض المهربين يدخلون براميل للمبيدات مغلفة ويكتب على إطارها مواد دباغة للجلود ومواد كيميائية، على ما يضيف.

ومن خلال فاعليات الورشة أرجع د. نبيل صابر مسؤول الوحدة الرقابية بالمعمل المركزى للمبيدات زيادة عمليات غش وتهريب المبيدات إلى ضعف الرقابة على بعض المنافذ الجمركية، والبيع فى محلات غير مرخصة وأيضًا من خلال باعة جائلين على عربات أو دراجات لا تخضع للرقابة، بالإضافة إلى ضعف المستوى التقنى لطباعة البطاقات الاستدلالية للمبيدات الأصلية مما يسهل غشها. وقال: «الحملات التى نفذها المعمل كشفت وجود مصانع الكارتون الخاص بالمبيدات والشركات التى تجمع عبوات المبيدات الفارغة وتعيد تعبئتها».

وأثناء انعقاد الورشة أعلن عن ضبط مصانع للمبيدات المغشوشة داخل عمارات سكنية فى محافظتى الإسماعيلية والبحيرة، بالإضافة إلى انتشار مطابع غير مرخصة فى تلك المناطق تطبع بونات المبيدات ذات الماركات العالمية على أنها استيراد دولة السعودية أو تونس، أو إنتاج شركة النصر، وتسجل عليها أرقام تليفونات مجهولة يصعب الوصول إليها.

وبعد انتهاء الورشة أعلن العقيد عادل سامى مدير إدارة المسطحات المائية بالدقهلية عن تورط المدير السابق للرقابة على المبيدات بمحافظة الدقهلية فى «الاتجار غير الشرعى للمبيدات المغشوشة وعن ضبط ست شركات وهمية» متخصصة فى إنتاج وتجارة المبيدات المغشوشة والمهربة، منها شركة «بغداد الدولية» وحرر لها المحضر 1311 جنح لسنة 2010 و«جرين ستار» وحرر لها المحضر رقم 1276 لسنة 2010 و«الوطنية الوسيطة» وحرر لها المحضر رقم 1635 لسنة 2010.

وفى محافظة الدقهلية أيضًا تم ضبط 15 طن مبيدات مغشوشة فى تسعة مخازن على طريق المنصورة – دكرنس وحرر المحضر رقم 13096 لسنة 2010 تخص نائبًا برلمانيّا. وفى محافظة طنطا تم ضبط 3518 عبوة مبيدات مغشوشة، وحرر المحضر رقم 7351 قسم أول طنطا لسنة 2010.

ورغم الإجراءات التى اتخذتها الجهات الرقابية والأمنية لمحاربة مصانع «بير السلم» ووقف تجارة المبيدات المقلدة والمغشوشة، أعلنت وزارة الداخلية على موقعها الإلكترونى فى نشرة إعلامية صدرت فى 24 / 9 / 2011 عن قيام إدارة المسطحات المائية والبيئية برفقة لجنة فنية من وزارة الزراعة بضبط سبعة أطنان من المبيدات المغشوشة داخل مصنعين فى محافظة الشرقية بكامل خطوط إنتاجهما – معدات الخلط والتعبئة وتغليف المبيدات الزراعية المغشوشة والمقلدة.. وكان المصنعان ينتجان مبيدات ويغلفانها باسم شركات وهمية عالمية ومحلية.

تكشف هذه القضايا وكميات المبيدات المقلدة والمغشوشة المضبوطة عن حجم انتشار مصانع المبيدات السرية فى محافظة مصر.

مؤسسة دولية ترصد تهريب المبيدات من الصين لدول العالم

وعلى الصعيد العالمى نبهت مؤسسة «كروب لايف» الدولية، وهى اتحاد عالمى يهتم بصناعة علوم النبات، وتدعم شبكة من الجمعيات الإقليمية والوطنية فى 91 دولة، إلى خطورة استخدام المبيدات المغشوشة والمقلدة فى الزراعة، ورصدت عملية تهريب المبيدات مقلدة من الصين إلى عدة دول: «إسبانيا وأوكرانيا والبرازيل وباراغواى وروسيا وبولندا».

تتم عملية التهريب عن طريق وثائق مزورة وشركات وهمية، ففى عام 2006 تضررت زراعة الذرة والبطاطس والطماطم، فى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا بسبب استخدام مبيدات الأعشاب المقلدة، وفى نهاية نفس العام مُنى محصول الفلفل بخسائر فادحة بسبب استخدام مبيدات مقلدة أيضًا وفرض الاتحاد الأوروبى حظرًا على تصدير الفلفل الإسبانى لدول الاتحاد، وفى عام 2007 تمكنت السلطات فى إسبانيا من إلقاء القبض على شبكة إجرامية لتهريب المبيدات المقلدة والمغشوشة إلى إسبانيا.

قامت كروب لايف برصد ضبط الشرطة فى باراغواى بأمريكا اللاتينية، لمخزن ضخم يحتوى على كميات كبيرة من المبيدات المقلدة، وقد أكدت التحقيقات أن هذه المبيدات دخلت البلاد بطريقة غير شرعية، عن طريق وثائق مزورة وباسماء شركات وهمية، وقد كانت الكميات أكبر من حجم استهلاك بارغواى من المبيدات بـ 50 مرة تقريبًا، وقد كشفت التحقيقات أن هذه المبيدات المقلدة كانت تعد للتهريب للدول المجاورة، ومنها البرازيل، والتى اتخذت إجراءات حماية صارمة لمنع دخول هذه المبيدات إلى أراضيها.

وفى أوكرانيا تم ضبط مخزن ضخم للمبيدات عام 2007، احتوى على 560 طنّا من المبيدات المقلدة والمغشوشة قادمة من الصين، وكانت العصابات التى جلبت هذه المبيدات تستعد لتهريبها لدول الاتحاد الأوروبى، ولم تستطع حكومة أوكرانيا تدمير هذه المضبوطات لأنها لا تمتلك الميزانية لذلك.

تحاول كروب لايف الدولية منع عمليات تهريب المبيدات المقلدة بالتعاون مع «ICAMA» معهد مراقبة المواد الكيميائية الزراعية التابع لوزارة الزراعة الصينية، عن طريق إرشاد مستوردى المبيدات من الصين، إلى ضرورة التأكد من أن الشركات الصينية التى يتم الاستيراد منها معتمدة لدى «ICAMA» ومصرح لها بإنتاج المبيدات فى الصين، ونبه المسؤولون فى كروب لايف إلى ضرورة التعاون الدولى بين سلطات الجمارك فى البلدان المختلفة، والتأكد من أن وثائق الشحن سليمة.

 التحقيق نُفِذ بدعم من شبكة أريج – اعلاميون من اجل صحافة استقصائيه عربية www.arij.net



تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *