استخدام زيوت السيارات المستعملة في إشعال أفران مخابز تقليدية يهدد بكارثة صحية وبيئية

4 مارس 2009

استخدام زيوت السيارات المستعملة في إشعال أفران مخابز تقليدية يهدد بكارثة صحية وبيئية فحوص مخبرية تؤكد أن الخبز الأردني “آمن صحيا” وتدعو لإزالة أي بقع سوداء تلتصق بالجانب الأسفل للأرغفة عينات من 9 مخابز في عمان وجرش والغور تكشف تراكيز عالية للرصاص والنحاس متبقيات المعادن وغازات المخابز تهدد صحة الأطفال الرضع والنساء الحوامل

الغد /حنان كسواني ومحمد فضيلات- يرزح رغيف الخبز الذي تنتجه بعض المخابز التقليدية، وأغلبها يقع خارج العاصمة، تحت وطأة التهديد بالتسمم جراء استخدام زيوت عادمة في إشعال أفران تلك المخابز بهدف تخفيض الكلف التشغيلية فيما يعد مخالفة صريحة للقانون.

وبحسب نتائج علمية لفحوصات شملت 15 عينة التقطت من 9 مخابز في عمان وجرش ومناطق الأغوار فإن الزيوت العادمة تخلف معادن ثقيلة تشمل الرصاص والنحاس والخارصين والزئبق بتراكيز عالية، تتراكم على أرضية الفرن، ما يهدد بالتصاقها بالعجين قبيل نضوجه ليصبح خبزا يتناوله ملايين الأردنيين.

وتنوعت العينات، التي فحصتها الجمعية العلمية الملكية، لمصلحة “الغد”، بين الخبز الناضج، ووقود من خزانات المخابز، إلى جانب مسحات من أرضية أفران المخابز التقليدية “الحجرية” المشمولة في الفحوصات.

ويصل عدد المخابز الحجرية، التي تعتمد بصورة أكبر من نظيرتها الآلية على الأيدي العاملة في الإنتاج، إلى 1639 مخبزا في المملكة، من بينها 626 مخبزا تتوزع في مناطق الدراسة الثلاث (عمان، جرش، الأغوار)، بحسب إحصائية رسمية لنقابة أصحاب المخابز.

وتنتج المخابز الحجرية، إلى جانب نظيراتها الآلية البالغ عددها 178 ونصف الآلية التي يصل مجموعها إلى 248 مخبزا تنتشر في مختلف محافظات المملكة الاثنتي عشرة، ما يقدر بثمانية ملايين رغيف يوميا، بحسب النقابة.

ويرتبط استخدام الزيوت العادمة في الأفران مع ارتفاع الأسعار، وخصوصا للمشتقات النفطية، وتعود أول مرة معروفة لاستخدام الزيوت في الأفران التقليدية إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتوقف عدة سنوات ليعود مجددا مع تحرير أسعار المحروقات في شباط (فبراير) العام الماضي، بحسب أصحاب مخابز تقليدية.

ووفق خبراء وباحثين في علم السموم والمعادن الثقيلة، عرضت “الغد” عليهم نتائج الفحوصات المخبرية الأخيرة، فإن تراكيز المعادن الثقيلة على أرضيات المخابز ضمن عينة الدراسة تزيد بمعدل يتراوح بين 50 و300 ضعف عن ما هو ملتصق بالخبز الذي تنتجه، وهو ما يهدد بـ”كارثة صحية وبيئية” في حال التصاق تلك المعادن بالعجين أثناء خبزه.

الخبز الأردني “آمن وخال من السموم”

بيد أن الباحثين والخبراء أجمعوا على أن رغيف الخبز الأردني “آمن وخال من المعادن المعدنية السامة” مقارنة مع مواصفات الخبز العربية والعالمية.

ومع ذلك، فإن هؤلاء الخبراء والباحثين، الذين اطلعوا على نتائج الفحوصات، يشيرون إلى أن الخطورة تكمن في البقع السوداء التي قد تظهر على رغيف الخبز جراء احتراق مواد مثل الرصاص والنحاس والكاديميوم والكروم والخارصين والزرنيخ، وهو ما يؤدي إلى “خلل في تكوين هيموغلوبين الدم وأنسجة خلايا أعضاء الجسم وأمراض دماغية وضعف في الذاكرة وخمول وهشاشة عظام”.

وفي الوقت ذاته، فإن واقع الخطورة لا يصل إلى حد التسبب بـ”أمراض سرطانية”، وفق رئيس جمعية السموميين الأردنيين (تحت التأسيس) الدكتور سمير القماز.

والزيوت العادمة، بحسب تعريف جمعية البيئة الأردنية، هي التي “يتم تكريرها من البترول الخام أو الزيوت الاصطناعية وتم استعمالها وانتهاء دورة استخدامها، فأصبحت نفاية ملوثة بمواد كيماوية أو ملوثات فيزيائية ويجب التخلص منها أو معالجتها أو إعادة استخدامها مثل زيوت المكائن، المحركات”.

ولا يقتصر تأثير عشرة معادن وجدت في عينات الوقود على متناولي الخبز في منطقة عينة الدراسة، بل يتعداها إلى إمكانية حدوث تلوث بيئي خطير ناتج عن دخان يتصاعد من عوادم الأفران، وفق الخبير البيئي ومدير صحة البيئة في وزارة الصحة سابقا الدكتور مازن خليل.

ويهدد دخان العوادم سكان المنطقة المحيطة بالمخبز ويطاول الأطفال والرضع والنساء والحوامل، فضلا عن احتمال تسببه بأمراض تنفسية مزمنة للعاملين في تلك المخابز جراء استنشاق الغازات المنبعثة من الحرق، بحسب اختصاصي الأمراض الصدرية والتنفسية الدكتور خميس خطاب.

ويخلف احتراق الزيوت العادمة، كذلك أدخنة وأبخرة بتراكيز عالية في الجو، تهدد بانتشار أمراض صدرية مزمنة مثل الربو القصبي، فضلا عن احتمال تعرض السيدات الحوامل إلى ولادات مبكرة وصغر حجم جنينها بالإضافة إلى إصابة الرضع بالتخلف العقلي وظهور طيف مرض التوحد وفقر الدم، إلى جانب أمراض تنفسية لدى الأطفال حديثي الولادة والأطفال دون سن 6 سنوات، بحسب الخبراء.

ويتخوف الخبراء من زيادة معدلات ونسب المعادن “السامة” في الجسم، حال تراكمها على شكل متبقيات لا يستطيع الجسم التخلص منها، ما يؤدي على مر السنين إلى زيادة خطورتها السمية التي تنعكس أمراضا يعاني منها الناس، وخصوصا إثر تراكم الرصاص في العظام.

الرصاص: تركيز عال ومخاطر مستقبلية

وتراوحت تراكيز الرصاص العالق بالخبز، بحسب النتائج المخبرية، بين أقل من 0.1 و0.59 جزء بالمليون، وهي ضمن المعدلات المسموح فيها مقارنة مع النتائج “الآمنة” لفحوصات أجريت على الخبز في دول عربية وأجنبية ونشرت نتائجها في مجلة علمية محكمة في العام 2005.

لكن النتائج أظهرت أن نسب تلك التراكيز كانت عالية على أرضية المخابز، وتراوحت بين 1.4 و27.6 جزء بالمليون، كما ظهر عنصر الكاديميوم في عينات الخبز بنسب “محدودة جدا” تقل عن 0.1 جزء بالمليون “ما لا يشكل خطورة”، بحسب خبير السموم في الجامعة الأردنية الدكتور عبدالقادر بطاح الذي أوضح أن ظهور الكاديميوم على أرضية المخابز كان بمستويات عالية جدا تتراوح ما بين 0.5 و1.05 جزء من المليون.

وتؤكد قراءة الدكتور بطاح للنتائج المخبرية أن “خبزنا آمن”، لكنها تتخوف في الوقت نفسه من ارتفاع تراكيز بعض المعادن الثقيلة في حال التصاقها بالخبز مع ظهور محفزات لزيادة نسبها في حال وضع الخبز أو لفه بالجرائد التي يحتوي ورقها أيضا على رصاص بنسب عالية في الحبر تحديدا.

وجاءت تراكيز المعادن الثقيلة على أرضيات المخابز والشوائب من (الرصاص، النحاس، الزئبق، الزرنيخ، الكروم، الكوبالت، الكاديميوم، البزموث، الخارصين، والأنتينيوم) عالية نتيجة احتكاك الزيوت المستهلكة عالية اللزوجة مع محرك “ماتور” السيارات المصنوع من سبائك تلك المعادن، بحسب خبيرة السموم في المعادن الثقيلة الدكتورة مها التوتنجي.

وقالت التوتنجي، وهي أستاذة الكيمياء التحليلية في الجامعة الأردنية، إنه “في حال خلط الزيوت المستعملة مع وقود المخابز فإنها تشكل مواد عضوية أخرى وتراكيب جديدة ومع تعرضها إلى درجة حرارة مرتفعة تتحول هذه المعادن إلى أكاسيد خطرة تتشكل على هيئة أغبرة وروائح تدخل إلى الجسم عبر الرئتين”.

وحصرت التوتنجي خطورة هذه المعادن على صحة الإنسان والبيئة في معدن الرصاص، وأشارت في الوقت نفسه إلى احتمالية إصابة الأطفال الرضع بالتخلف العقلي وظهور طيف مرض التوحد لديهم، لافتة إلى “صعوبة اكتشاف الرصاص في الدم بعد تراكمه في الجسم على مدار سنوات طويلة لأنه يكون قد ترسب في العظام فيضعفها”.

ويعد معدل استهلاك الإنسان الطبيعي من النحاس في اليوم الواحد 1.2 ملغم، وفق بطاح الذي أشار إلى أن المواطن الذي يتناول يوميا ما مقداره كيلوغرام واحد من الخبز يبقى النحاس ضمن المعدلات الطبيعية في جسمه.

وفي ضوء ذلك، طالب الخبراء الحكومة باتخاذ إجراءات سريعة بحق أصحاب المخابز ومحطات الوقود التي تخالف تعليمات وزارة البيئة الصادرة منذ العام 1982، والتي تمنع تداول الزيوت المستهلكة باعتبارها من المواد الضارة والخطرة، وخلطها مع الوقود لتشغيل المخابز يشكل عقوبة كبرى تصل حد الإغلاق ومخالفات مالية وحبس أصحابها.

“عابثون بالأمن الصحي”

وحفاظا على صحة المواطن، دعا الخبراء إلى استبعاد أي رغيف خبز تظهر بقع سوداء عليه أو على أطرافه، إلى جانب عدم وضع رغيف الخبز على الصحف أو لفه بها لارتفاع تراكيز الرصاص السام فيها، مشددين على أهمية تنظيف أرضيات المخابز بصورة مستمرة للتخلص من النفايات الخطرة بطريقة آمنة.

ورغم إقرار وزير البيئة الدكتور خالد الإيراني في تصريح لـ”الغد ” باستخدام بعض المخابز التقليدية لزيت السيارات المستعمل في عملية الإشعال إلا أنه قال إن الوزارة تنتظر “أي معلومات أو دراسات علمية تمكنها من ضبط المخالفين وتحويلهم إلى القضاء”.

ووصف الإيراني المخالفين بـ”العابثين بالأمن الصحي”، مشددا على أن الوزارة “لن تتردد في اتخاذ إجراءات سريعة بالتعاون مع شرطة البيئة الأردنية”.

وفي المقابل، يقتصر دور صحة البيئة في وزارة الصحة على التحقيق في صحة شكاوى مواطنين بحق المخابز في حال تضررهم صحيا نتيجة انبعاث غازات من المداخن، بحسب مديرها المهندس صلاح الحياري الذي أكد أن المديرية لم تتلق منذ سنوات طويلة أية شكوى بهذا الخصوص.

ورغم المنع الرسمي لاستخدام الزيوت المستعملة في إشعال الأفران، إلا أنه لم يتم فعليا ضبط أي مخالفة في هذا المجال، بحسب مصدر في مديرية صحة البيئة قال إن “الوزارة أو أي جهة رسمية أخرى، لم يصلها أي شكوى تفيد بذلك، باستثناء شكاوى تتعلق بضجيج الآلات العاملة في المخابز”.

ويقول المصدر نفسه، إن فرق المديرية لا تملك صلاحية التفتيش على المخابز “من دون شكوى”، ما يشي بغياب تشريعي واضح يحدد الجهة المسؤولة عن مراقبة المخابز، وسط تبادل لإلقاء المسؤولية بين مختلف الأطراف الرسمية.

وفي الوقت نفسه، لم يخف أصحاب مخابز تحدثت إليهم “الغد” في جولات ميدانية شملت 10 مخابز في المناطق الثلاث، إقدامهم على مخالفة التعليمات البيئية والصحية من خلال شراء عوادم السيارات من محطات الوقود، فيما نفى نقيب أصحاب المخابز عبدالإله الحموي بشدة استعمال المخابز التقليدية زيوت السيارات العادمة باعتبار أن ذلك “ممنوع قانونا ويشكل استخدامه مخالفة تصل عقوبتها حد إغلاق المخابز”.

ويعزو أصحاب المخابز “المخالفة”، الذين طلبوا عدم نشر أسمائهم، استخدامهم الزيوت العادمة إلى “ارتفاع الكلف التشغيلية (أجور العمال، وأجرة المخبز، والنقل) للمخابز التي يتم استثناؤها من معادلة إنتاج طن الطحين”.

ويقولون إن “الاعتماد على الزيت العادم في إشعال المخابز يحقق وفرا ماليا يتراوح ما بين 45 و60 دينارا يوميا ما يساهم في خفض الكلف التشغيلية للمخابز”.

وفي ذلك، رأى الحموي أن “عدم إضافة الكلف التشغيلية الثابتة ضمن معادلة كلفة إنتاج طن الطحين يمثل إجحافا بحق أصحاب المخابز”، مؤكدا أن “تلك الكلف تضاعفت بشكل كبير، في حين لم يدخل عليها تحديث منذ العام 1998”.

وبحسب دراسة أعدتها وزارة الصناعة والتجارة ونقابة أصحاب المخابز، فإن طن الطحين يستهلك لتحويله إلى خبز ما مقداره 107 ليترات من السولار، إضافة إلى 30 كيلوواط كهرباء و15 كيلوغرام ملح و800 لتر ماء و10 كيلوغرامات خميرة.

زرنيخ على أرضية المخابز

وبحسب نتائج الفحوصات المخبرية، تتواجد نسب من الزرنيخ على أرضية المخابز، وخصوصا في مناطق الأغوار وجرش، بمعدل يتراوح بين 0.73 و1.83 جزء من المليون، لكن الزرنيخ لم يظهر على مادة الخبز نفسه ما يدلل على أن الخبز مطابق للمواصفات في هذه المسألة.

والحال نفسه ينطبق على معدن البزموث السام، الذي يتواجد بنسبة عالية جدا على أرضية المخابز تراوحت بين 21.4 و186.9 جزء بالمليون، لكن الخبز خال منه، وفق النتائج. ويؤثر البزموث السام، في حال علق بعض منه على الخبز، على ذاكرة الإنسان، حسب التوتنجي.

وتوجد بعض المعادن الثقيلة بشكل طبيعي داخل جسم الإنسان بنسب بسيطة جدا، ولكنها لا تهدد صحة الإنسان إلا إذا زادت نسبها على المعدلات الطبيعية، بحسب اختصاصية التغذية المهندسة وسام قرقش، التي تشير إلى أن المعادن والفيتامينات الضرورية للجسم (أ، د، ب 12) التي يجري تدعيم الخبز بها لا تفقد من قيمتها الغذائية أثناء تعرضها لدرجات الحرارة العالية.

وتشير قرقش إلى أن عناصر الزنك والرصاص غير العضوي والكربتون والزئبق والكاديميوم موجودة في دم الإنسان بنسب وتراكيز “محدودة وآمنة لكن الخطورة تكمن في حال زيادتها على المعدلات الطبيعية”.

وتوضح أن نسبة الرصاص غير العضوي في الجسم تصل بحسب المقاييس العالمية إلى 80 مايكروغرام لكل 100 ملم في الدم، وإذا زادت على هذا الحد فإنها تؤدي إلى تسمم في الجسم، فيما يصل الحد الأعلى من الكاديميوم في الدم إلى 10 مايكروغرامات، أما الزرنيخ فيصل الحد الطبيعي له في الجسم إلى 50 مايكروغراما في كل 100 ملم من الدم.

وتدعو قرقش وزارة الصحة إلى إجراء دراسة علمية على عينات مخبرية من الدم والبول، وخصوصا لسكان مناطق عمان وجرش والأغوار، لقياس نسبة تراكيز المعادن الثقيلة في أجسامهم، لاسيما وأن بعض أصحاب المخابز في تلك المناطق أقروا باستعمال الزيوت العادمة مع الوقود في إشعال أفرانهم منذ سنوات طويلة.

“السموم خطر يتهدد الخبز”

وبعد أن يؤكد على “سلامة الخبز من التلوث بالمعادن الثقيلة حتى الآن”، يحذر خبير السموم الدكتور سمير القماز من الخطر الذي يتهدد الخبز.

ووفقا للقماز، فإن نتائج الفحوصات المخبرية “تدلل على تراكم تلك المعادن داخل حجرة الفرن طيلة فترة الاستخدام ما يؤدي إلى تلوث بيئي عال داخل الحجرة يؤثر على صحة العمال الذين يتعرضون بشكل يومي إلى أول أوكسيد الكربون الناتج عن الاحتراق غير التام للمواد غير العضوية (الفحم، الزيوت البترولية)”.

ولذلك، فإن عمال المخابز هم الأكثر عرضة للتسمم من غيرهم من الأصحاء ذوي الهموغلوبين المرتفع أو الطبيعي، وفق القماز.

ويؤكد خبير السموم على أن ارتفاع نسب المعادن الثقيلة العالقة بالخبر يؤدي إلى حدوث تسمم مزمن، تظهر أعراضه المبكرة على شكل فقدان للشهية، ألم في الرأس، ضعف عام، عدم مبالاة وقلق وإمساك، فيما تتمثل أعراضه المتطورة بخلل في الدماغ مع اضطراب الرؤية وارتفاع في ضغط الدم، إضافة إلى الأرق وعدم الاستقرار العاطفي، وتشنجات وحالة نفسية مرضية.

لكن أيا من العاملين في تلك المخابز لم يقل إنه أصيب بأية أعراض، باستثناء الإرهاق جراء العمل لساعات طويلة.

وبعد أن يبدي تأييده لما يذهب إليه القماز، يوصي بطاح بعدم إبقاء الخبز على أطراف الأفران لفترة طويلة تفاديا لالتصاق معدن الكاديميوم السام بأرضيات المخابز. ويشدد على تنظيف أرضيات المخابز مؤكدا في الوقت نفسه على ضرورة نزع أي بقع سوداء تعلق في رغيف الخبز.

وبالإضافة إلى مخاطر المعادن التي قد تلتصق برغيف الخبز، فإن مداخن الأفران التقليدية التي تستخدم الزيوت العادمة في إشعال بيت النار، تنفث دخانا كثيفا قد يلوث الجو.

ويقول رئيس جمعية الأمراض الصدرية سابقا واستشاري الأمراض الصدرية والتنفسية الدكتور خميس خطاب إن “الاحتراق غير الكامل لأول أكسيد الكربون يؤدي إلى انبعاث مواد سامة تعمل على تهيج القصبات الهوائية وتحسسها”.

وبحسبه، فإن “الروائح المنبعثة من مدخنة الفرن الموجود في حي سكني تؤدي إلى أضرار شاملة على الإنسان وبالذات على الأطفال والحوامل”.

ولمواجهة ذلك، يطالب خطاب بنقل المخابز التقليدية إلى خارج التجمعات السكنية، فضلا عن “الحرص على التهوية الجيدة للمخبز وتخفيف ساعات العمل والتغذية الجيدة للعمال”.

ضمان سلامة سلسلة “إنتاج الخبز”

ولضمان سلامة سلسلة إنتاج الخبز منذ لحظة خروجه من حجرة الفرن، وحتى وصوله إلى المستهلك، يرى أستاذ الميكروبات الطبية في كلية الطب ومستشفى الجامعة الأردنية الدكتور عاصم الشهابي ضرورة “عدم بيع الخبز للمستهلك قبل جفافه من الرطوبه بشكل كامل تفاديا لنمو الفطريات (الخضراء والبيضاء) عليه بأنواعها المختلفة”.

كما يوصي بعدم تغليف الخبز بالأكياس البلاستيكية التي يتم إعادة تدويرها أو تصنيعها واستخدام أكياس بلاستيكية خاصة لهذه الغاية.

ويقول الشهابي “يتوجب على أصحاب المخابز منع المستهلك من لمس الخبز بيديه مباشرة”، لافتا إلى “احتمالية انتقال الجرائم من إنسان إلى إنسان آخر من خلال الخبز”.

ولضمان سلامة الخبز، يدعو الشهابي المواطنين إلى “حفظ الخبز في الثلاجة حتى لا تتكاثر الفطريات عليه”.

وبعد أن أكد لـ”الغد” أن “المؤسسة لن تتردد بإغلاق أي مخبز مخالف لشروط الصحة العامة بالتعاون مع وزارة البيئة”، يقر الرواشدة بوجود “تقصير” من قبل كافة الجهات الوطنية في متابعة المخابز “بشكل جدي وبشكل خاص في التقاط عينات بين فترة وأخرى من الخبز أو الوقود لمعرفة تأثيرهما على صحة الإنسان”.

وفي ذلك، يقول الخبير البيئي ومدير صحة البيئة في وزارة الصحة سابقا الدكتور مازن خليل “لا بد من تكثيف الحملات الرقابية في المملكة لحماية المواطنين من أضرار تلك المعادن الثقيلة والسامة بيئيا وصحيا”.

ويضيف “يجب إعادة الزيوت المستهلكة من محطات الوقود إلى المصفاة لتكريرها أو بيعها إلى جهات مرخصة تستعملها في عمليات البناء أو تعبيد الطرقات”.

ويعتبر خليل أن “الشوائب (بما فيها الأغبرة) من النفايات الخطرة التي جاءت نتيجة لتراكيز المعادن الثقيلة”. ويقترح التخلص منها في موقع معالجة النفايات الخطرة بمكب السواقة.

أصحاب مخابز يعترفون ونقابتهم تنفي

ولم يتقبل نقيب أصحاب المخابز عبدالإله الحموي اعترافات أصحاب مخابز وعمال فيها بخلط مادة الوقود بزيت السيارات المستهلك بهدف تقليل الكلف التشغيلية للفرن.

وبحسب الحموي، فإن استخدام زيت السيارات المستعمل في إشعال الأفران “ممنوع قانونا ويشكل مخالفة تستدعي إغلاق الفرن الذي يثبت استخدامه لتلك المادة”.

وتكشف جولة ميدانية شملت 10 مخابز تقليدية في منطقة الأغوار، التي تضم وفقا لإحصائيات النقابة 19 مخبزا تقليديا، من أصل 626 مخبزا حجريا في منطقة الدراسة (عمان والأغوار وجرش)، عن إقدام بعض تلك المخابز على استخدام زيت السيارات رغم علم أصحابها بمنع استخدامه.

ويعزو أصحاب تلك المخابز استخدام الزيت إلى تضاؤل الأرباح الناتجة عن ارتفاع الكلف التشغيلية للمخابز.

ويقول صاحب مخبز فضل عدم ذكر اسمه إن استخدامه الزيوت المستهلكة منذ ما يقرب العام خفض كثيرا من الكلفة التشغيلة لمخبزة، مضيفا “لولا الاعتماد على زيت السيارات لما تمكنت من الاستمرار في العمل بسبب الانخفاض الكبير في الأرباح”.

وسعيا لتخفيض الكلف، يشغل صاحب المخبز نفسه اثنين من أبنائه لديه، ورغم ذلك فهو يتكلف 50 دينارا يوميا أجورا لثلاثة عمال آخرين، إضافة إلى 110 دنانير كإيجار شهري للمخبز.

ويقول إنه يشتري الزيت من محطات تغيير الزيوت حيث يتراوح سعر برميل الزيت بين 15 و25 دينارا.

وتكاد شروط الصحة والنظافة تكون معدومة في مخبز حجري آخر في الأغوار، ويعمل في هذا المخبز 8 عمال على فترتين صباحية ومسائية، يتقاضون مائة دينار كأجور يومية.

وبحسب صاحب المخبز، فإن دخله تراجع نتيجة الارتفاعات المتتالية للأسعار والتي بدأت مطلع العام الماضي، ما دفعه للعودة إلى استعمال زيت السيارات في إشعال بيت النار في مخبزه.

ووفق أصحابها، تستهلك المخابز الحجرية كمية من المحروقات أكبر من تلك التي تستهلكها المخابز الآلية أو نصف الآلية، إذ إن الحجرية تتطلب “تحمية” الفرن إلى ما يقرب من ساعتين قبل بدء العمل فيها.

وبحسب اعترافاتهم، يلجأ أصحاب المخابز الحجرية إلى استخدام الزيت المحروق في إشعال المخبز في ساعات الفجر الباكر، خصوصا وأن تلك الفترة لا تشهد عمليات رقابية.

ولم يكن الحال في محافظة جرش مختلفا كثيرا عنه في الأغوار، سواء من حيث انتشار الأفران التقليدية أو اعتمادها على زيت السيارات. وتضم المحافظة 67 مخبزا تقليديا من أصل 74 إجمالي عدد المخابز فيها، وفقا لإحصائيات نقابة أصحاب المخابز.

ويقول ابن صاحب مخبز إن “المخبز إرث أكثر منه مشروعا مربحا، ويبرر مواصلته للعمل في المخبز بعد توقف والده عن العمل بسبب المرض”، ويتابع “لم أتعلم إلا هذه المهنة”.

وبحسب زياد فإن المخبز يحتاج إلى 71 ليتر ديزل يوميا في حال اعتمد على الديزل فقط. ويقول إنه باشر قبل أقل من عام في استخدام الزيت المحروق في إشعال فرنه، بسبب ضعف المردود المالي، رغم علمه بأنه بذلك يقوم بمخالفة قانونية. وبحسبه، فإن زيت السيارات يوفر عليه ما يقرب من 30 دينارا يوميا من مصروف المحروقات.

ولا يختلف حال العاصمة عمان عن حال الأغوار وجرش من حيث انتشار الأفران التقليدية بشكل كبير، إذ تشير أرقام نقابة أصحاب المخابز إلى وجود 539 مخبزا تقليديا (حجريا) من إجمالي أعداد المخابز الموجودة في العاصمة والبالغة 775 مخبزا.

بيد أن الواقع في عمان مغاير من حيث الرقابة العالية التي تقوم بها المؤسسة العامة للغذاء والدواء على المخابز، ما يحول دون انتشار استخدام زيت السيارات في إشعال الأفران.

وأمام الرقابة المشددة في عمان، يبقى استخدام الزيت العادم في دائرة التأكيد والنفي، ففي الوقت الذي يؤكد فيه عدد من أصحاب محطات تغيير زيت السيارات قيامهم ببيع الزيت المستعمل لبعض أصحاب المخابز ينفي أصحاب المخابز استخدامهم لتلك المادة في إشعال الأفران.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، www.arij.net) بإشراف الزميل محمود الزواوي


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.