الإثنين ٢٣ - سبتمبر - ٢٠١٩ ١٠:٥٠ صباحاً

مجدولين الحسن - آلاف الأطفال والنساء "المعلقات" ضحية سوء إدارة قسم التبليغ في المحاكم الشرعية

2009/08/9
التاريخ : 09/08/2009

لمعت فكرة هذا التحقيق في ذهني خلال لقائي الأول مع الأستاذة رنا الصباغ، المديرة التنفيذية لشبكة أريج قبل حوالي عام. حينها أطلعتني السيدة الصباغ على أهم ما يميز التحقيقات المدعومة من الشبكة من حيث أهمية القضية لأكبر قطاع من المجتمع، وأن يؤدي تناولها في سياق صحفي الى تغيير واقع مؤلم للأفضل. وضعنا عدة موضوعات قيد الاختيار ليستقر القرار على قضية القصور في آليات التنفيذ القضائي المتعلق في النفقة في المحاكم الشرعية.

لم يكن طريق العمل الاستقصائي معبدا لدي، إذ أن مفرداته المتنوعة بين صياغة فرضية وجمع معلومات ووضع إستراتيجية تنظيمية، تقترب من الطلاسم بالنسبة لصحافية لم يتجاوز عمرها المهني ثلاث سنوات وتعيش في بلد ما يزال العمل الاستقصائي وليدا غض الأطراف في مؤسساته الإعلامية. في النهاية استطعت صياغة فرضية خاصة بالتحقيق بمساعدة الصباغ ومشرف التحقيق الأستاذ سعد حتر خلاصتها : القصور في آليات تحصيل النفقة في المحاكم الشرعية، تتيح للمدعّى عليهم التنصل والمماطلة في تأديتها ما يفاقم من معاناة المستفيدين.

بما أن ذروة الشيء تكمن في أعماقه، كان لا بد لي من العودة بقصتي إلى الوراء والبدء بفك ما هو غامض لدي. في المرحلة الأولى عمدت إلى جمع المعلومات من أصحاب الاختصاص ومحاولة رسم صورة مبدئية للمشكلة وفهم الصيغة القانونية المتصلة بها بخاصة أنها تقع في السياق القضائي. في مستهل التحقيق قمت أيضا بمقابلة بعض ضحايا خلل التنفيذ الشرعي.

وعندما اختمرت القصة في ذهني انطلقت إلى مرحلة توثيق الأحداث وتدعيمها بالمصادر المهمة.

الهدف الأساسي من التوثيق أن أصل أنا وكل من يقرأ التحقيق لحتمية وجود مشكلة في التنفيذ القضائي. لذا حاولت أن اعمد إلى الأساليب العملية في الإثبات وقمت بتوزيع استبيانا على 180 امرأة لديهن قضايا نفقة في المحاكم الشرعية. وبعد ظهور النتائج بادرت بالتحدث إلى عينة عشوائية ممن استطلعت أرائهن في الدراسة. هنا استطعت أن احدد المفاصل الأساسية في مشكلة التنفيذ الشرعي الكائنة في مواطن أهمها تبليغ الحكم وقيام المحضر بأخذ رشاوى لقاء توصيل البلاغ للمدعى عليه بوجوب دفع النفقة، أو لإخباره بأن طرفا ما قام برفع قضية ضده.

أن تتهم شخصا ما بالفساد ليس بالهين بخاصة عندما يكون عاملا في السلك الحكومي لذا حاولت التأكد من صدق ادعاءات نصف المستطلعة أراؤهن بأنهن قمن بدفع مال لقاء تبليغ المدعى عليه.

قمت بتوزيع استطلاع رأي شمل 20 محضرا يعملون لدى المحاكم الشرعية. بين الاستطلاع أن يعضهم يتقاضى رشى ليؤدي عمله الرسمي وكشف الاستطلاع أيضا عن معضلة تدفعهم لطلب المال وهي شح بدل التنقلات مقارنه بحجم العمل الذي يقومون فيه. ودعم هذا الاستطلاع بشهادات كلامية من محضرين تحدثوا فيه عن بعض التجاوزات في التبليغ وعن ما يواجهونه من معوقات تجبرهم في بعض الأحيان على التقاعس عن أداء وظيفتهم.

تسليط الضوء على محور التنفيذ القضائي المتعلق بالنفقة قادني إلى التطرق لقضايا فرعية متصلة به، مستوى المحاكم الشرعية في تلبية حاجات المراجعين. وفي هذا الصدد تمت جولة ميدانية شملت عشر محاكم شرعية من أصل 13 محكمة. كشفت الزيارات المتكررة لهذه المحاكم افتقارها للمرافق الأساسية كالمصاعد وقاعات الانتظار، كما لوحظ أن غرف القضاة في المحاكم الرئيسية تعج بالمراجعين وملفات القضايا المتراكمة، حيث تعرض على القاضي 40 قضية في اليوم الواحد ما يؤدي إلى تعسر سير الدعوى القضائية بسبب كثافة الدعاوى .

ولغايات تدعيم الحقائق والنتائج التي تم التوصل اليها، فقد قمت بالرجوع الى تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان للعامين 2006/2007، بصفته مرجعية حقوقية تحظى بتقبل رسمي وشعبي، التقريران أوردا معلومات حول خلل في التنفيذ الشرعي تتشابه مع ما تم استقصاؤه في التحقيق.

استخدام حق الحصول على المعلومة بشكل رسمي كان تجربة فريدة لي. خلال إعداد التحقيق توجهت لدائرة قاضي القضاة بطلب رسمي مستندة إلى قانون حق الحصول على المعلومة. الطلب قوبل رسميا بالمماطلة والتسويف بداية، حسبما استنتجت من عملية التأخير. إلا أن الدائرة عادت واستجابت بعد اسبوعين من تقديم الطلب. ورغم عدم مرونة الدائرة في الرد إلا أن استجابتها في النهاية شكلت نقطة ايجابية تستحق التسجيل.

مراحل التحقيق سارت بسلاسة ويسر بسبب وفرة المعلومات وتمكني بعد تحليل نتائج استطلاع الرأي والاستبيان من بناء تسلسل منطقي لأحداث المشكلة. الصعوبات تجلت في المرحلة النهائية، الكتابة، ذلك أن الصياغة تدور في موضوعات بالغة الحساسية متصلة بالقضاء. كان لا بد لي من اختيار المفردات بعناية ودقة حتى لا أقع في إشكاليات المس بهيبة القضاء.

ربما لم أتمكن من تخطي هذه العقبة لولا مساندة الأستاذ سعد حتر مشرف التحقيق، إذ أن خبرته المهنية الطويلة كانت صمام أمان بالنسبة لي. كما أنه لم يتوان في أي وقت عن تقديم النصح والمساعدة وتقبل الملاحظات والاستفسارات مهما عظم شأنها أو قل.

9/8/2009 تاريخ نشر التحقيق، بعدها بثمانية أيام قام قاضي القضاة سماحة الدكتور احمد هليل بزيارة مفاجئة لمحكمة عمان للقضايا . تناولت خبر الزيارة بالتفصيل وكالة (بترا)، التي أوردت: قام هليل بتفقد سير العمل والاستماع لملاحظات القضاة والمحامين حول ما يواجهونه أثناء تأديتهم لعملهم. كما التقى بالمحضرين واستمع أيضا لهم وحثهم على توخي الدقة وعدم المماطلة أثناء قيامهم بالتبليغ. ووعد هليل أيضا أن يتم تعديل بعض الأنظمة والتشريعات القضائية. زيارة قاضي القضاة تعد رد فعل غير مباشر على كل ما أورده التحقيق من إشكاليات وقضايا، كما أن التحقيق أنتج ردود فعل خلف الكواليس. مسؤول في دائرة قاضي القضاة اتصل بي وطلب مني أسماء المحضرين الذين اقروا بالحصول على مال لقاء توصيل البلاغ، إلا أني تحفظت على ذلك بصفتي صحافية يتيح لي القانون حماية مصادر معلوماتي. المسؤول تفهم دافع امتناعي عن الإدلاء بأسماء المحضرين ووعد بأن آليات التبليغ ستتطور بما يخدم مصالح المراجعين.

وأخيرا من الإنصاف بمكان أن اعترف أن التحقيق لم يكن ليخرج بهذه السوية المهنية المقنعة، لولا دعم شبكة أريج المادي والمعنوي والمهني وتقديرها لكل جهد مبذول أثناء العمل على خلاف الكثير من مؤسساتنا الإعلامية التي تبادر في نتف ريش الصحافي في حال فكر بأي عمل يوازي ما يتطلبه العمل الاستقصائي من وقت ومال وجهد إضافي .


تعليقاتكم