الجمعة ٢٠ - سبتمبر - ٢٠١٩ ٠٩:١٧ مساءً

علي زلط - ملابـس مسرطنة فى أســـواق مصـــر !

2011/06/13
التاريخ : 13/06/2011

مغامرة ــ محمد الخولي : رحلة بحث مجهدة امتدت لأسبوع بمنطقة بشبرا لرصد عدد المصابغ الموجودة بهذه المدينة وتحديدا بمنطقة بهتيم وإبراهيم بك والمؤسسة لأعرف هل هذه المصانع تستخدم كيماويات ومواد ضارة بعملية الصباغة أم لا ؟ ولكي أصل لجواب عن هذا السؤال كنت لابد أن أسير في اتجاهين الأول رصد خارجي لمكان هذه المصانع ومعرفة عددها وأماكنها بالتحديد و الثاني أن أعرف طبيعة المواد المستخدمة في الصباغة داخل هذه المصانع وطبيعة العمل داخلها ، وللوصول للنقطة الثانية كان لابد أن أخوض مغامرة صحفية للدخول والعمل داخل احد المصانع الكبرى ، ومن اجل ذلك ذهبت لبعض هذه المصانع وسألت علي عمل وتحديدا في مصبغة المصنع مبررا بأني أريد أن أتعلم صنعة الصباغة لأني لا أجد عمل والشهادة المتوسطة التي أحملها “ملهاش لازمة ” ، وبحثت في العديد من المصانع حتى وصلت لمصنع عنده عجز في العمال وتحديدا في المصبغة وعندما دخلت للسؤال بالمصنع كانت القصة كالآتي : اتجهت نحو بوابة المصنع ولاحظت عدم وجود أي لافتات تشير بأي حال من الأحوال عن أن هذا مصنع للصباغة والطباعة ، وتقدمت نحو البوابة إذ برجل خمسينى يجلس علي كرسي خشب يرتدي جلباب أما بوابة المصنع اقتربت منه وسألته “السلام عليكم إزيك يا حاج أنا جاي أدور علي شغل عندكو في المصنع ؟” ، نظر لي الرجل بابتسامه وقال ” تعالي يا ابني ورايا ” ، اصطحبني الرجل إلي داخل حجرة صغيرة بجانب البوابة لأحد الموظفين ليسأله عن شغل وبمجرد ان عرف أنني أبحث عن شغل سألني ” إنت اشتغلت قبل كدا في مصانع ملابس أو صباغة ” فأجبته ” لا والله يا بيه أنا أول مره أشتغل في مصنع بس وبدور علي مكان أتعلم فيه صنعة وياريت تكون الصباغة ” ، فقال لي ” خلاص تعالي من يوم السبت الساعة سبعة والشغل عندنا 12 ساعة وتجيب معاك صورة من البطاقة وشهادة الميلاد والمؤهل ” ، لم يتحدث مع الرجل عن مرتب وأنا لم أفاتحه في ذلك . أول أيام العمل في تمام السابعة كنت أما بوابة المصنع وذهبت للموظف الذي قابلني في اليوم الأول وذكرته بنفسي وأعطيته ما طلبه مني من اثبابتات للشخصية فأمرني أن أجلس قليلا حتي يأتوا العاملون بالمصبغة وبعد قليل من الانتظار ناداني وقال ” روح مع الأسطي حسن وهوا اللى هيعلمك الشغل جوه ” ، وعندها إصطحبنى عم حسن لداخل المصنع فهو رجل خمسينى هادي الصوت وسألني ونحن في طريقنا للداخل عن اسمي وسكني ومؤهلي وعن العمل السابق فأجبته . ” أهم حاجة تصبر وتتحمل وتفتح عنيك عشان تتعلم بسرعة ” كلمات قالها الأسطي حسن بحماس ، ثم أتبع ” بص يا محمد انت هتشتغل هنا علي 600 جنيه في الشهر والشغل من الساعة سبعة الصبح لسبعة بالليل ” ، و دخلنا للمصبغة . ألوان يغلب عليها القتامة منتشرة في كل مكان ، أجهزة ومعدات وماكينات وأقمشة تتناثر في كل جزء ، أرضية تكسوها ألوان الصباغة المختلفة ، هكذا كان حال الجزء المخصص للصباغة بالمصنع أو ” المصبغة ” . ” إنت مين ؟ ” سؤال وجهه لي رجل أربعيني وهو أحد العاملين على ماكينات الصباغة يبدو عليه الإرهاق رغم أننا في الصباح ولم نبدا الشغل بعد ، فأجبته ثم قال لي ” أنا محمد بشتغل في المصبغة من 21 سنة ” ثم تابع بحماس ” بص أنا هعرفك كل حاجة وهتتعلم واحدة واحدة إن شاء الله ” وأخذ يشرح لي عم محمد بعض تفاصيل العمل. أخذ يتوافد على المصنع العمال واحد تلو الأخر ، وعادة يبدأ العمال يومهم بعد أن يرتدون ملابس العمل الغير موحدة شكلها ودائما تكون وجباتهم عبارة ساندوتشات الفول التي يشترونها وهم في طريقهم للعمل . بأيادي ملطخة بألوان الصباغة المتراكمة من اليوم السابق جلس الأسطي حسن وعم محمد ويوسف الشاب العشرينى وبهاء ذو الـ16 عام يلتهمون الوجبات متجاهلين كمية التلوث المنتشرة على أياديهم من مخلفات الأصباغ . ” إيه مش هنشتغل النهاردة ولا ايه ” صيحة أطلقها بغلظة رجل مهندم الحال اسمه عم سيد مشرف المصبغة مطالبا العمال بالشروع فى العمل ، وبدأ العمل . يأتي القماش الخام من مصانع الغزل والنسيج على شكل أتواب كبيرة جدا وبعشرات الأنواع منها القطن الخام أو المخلوط من القطن والبوليستر أو البوليستر، وأول مراحل عملية الصباغة هي تجهيز القماش للصباغة عن طريق تجميع الاتواب التي تأتي ملفوفة ومربوطة بأحبال وفكها وحياكتها لتكون متصلة معا ليتم لفها على ” الدرفيل ” وهو اسطوانة مصمتة متصلة بمحرك وحوض صغير للصباغة يقوم بتحريك هذا الدرفيل محركات لتغمس أتواب القماش في المواد السائلة من الصباغة . ” روح يا محمد هات الاتواب اللى هناك دي وحملها وتعالى في العربية ” هكذا كان أول أمر لي من الأسطي حسن لبداية يومي في العمل وجاء ليرافقني يوسف وعلمني فك الأتواب وتجهيزها للوضع في الآلات التي ستصبغها ، وتحركنا معا متجهين نحو الأتواب وفي الطريق سألت يوسف فأجابني ” أنا عندي 26 سنة وشغال بعد ما طلعت من 3 اعدادي واشتغلت بعد ما طلعت من الاعدادية ميكانيكي وبعد كدا خراط وبد كدا جيت على المصنع من 4 سنين ” . تلي مرحلة فك الأتواب تجميعها معا في عربة صغيرة ذو ثلاثة عجلات ليتم دفعها يدويا نحو ماكينة الخياطة التى يطلقون عليها ” الأوفر ” ويقوم المعلم بحياكتهما ليكونوا توبا واحد متصل ، حتي يقوم بتركيبهما على ” الدرفيل” للشروع في أول مرحلة من الصباغة وهي بلغة العمال ” التركيبة ” أى تركيب الأتواب على ماكينة صباغة الأقمشة القطن تسمي ” الجيكر ” وناداني الأسطي حسن قائلا ” تعالى يا محمد شوف التركيبة بتتعمل إزاي ، لازم وانت بتركب القماش في الماكينة تخلي بالك من ايدك عشان الماكينة متسحبهاش وتتعور ” ، وبعد تركيب التوب شغل الأسطي حسن الماكينة حتي تسحب الأتواب لتلفها على ” الدرفيل ” وبدأت الماكينة في سحب الأتواب لتغمسها في المياه الباردة ، ثم يتم رفع درجة حرارتها لغمس الأقمشة بها أيضا . جاء شاب عشريني ذو لحية وأعطي ورقة للأسطي حسن وقال له ” خد تركيبة الألوان ” فأمرني الأسطي قائلا ” خد معاك الورقة دي و روح هات اللون من المخزن ” يقد جلب مواد الصباغة ، فالكلمة المتداولة بين العمال عن الصبغة هي كلمة ” اللون ” والمخزن هو المكان الذي يحتوي على الأصباغ والورقة مكتوب بها مجموعة ألوان بتركيبات معينة يقوم عامل المخزن بوزنها على حسب ألوانها وأنواعها . رجل يتوسط مجموعة من الكراتين التي تحتوي على ألوان مختلفة يمسك بيده جاروف يقوم “بغرف ” اللون ووضعه فى أكياس حسب الأوزان المكتوبة في الورقة التى يحملها له عمال المصابغ كأمر صرف ألوان ، كان يبدو عليه التعب فوجهه شاحب اللون وعيناه متورمتان ، وقفت اترقب حركة هذا الرجل داخل المخزن وهو يعمل بدون أي حاميات ليده من هذه الألوان أو الصبغة وتظهر يده متراكم عليها عشرات الألوان المختلفة فالرائحة داخل المكان تزكم الأنف وتضيق الصدر لأنها نفاذة جدا وغير مريحة ، فرآني وأنا أراقبه فقال لي ” إنت مين ؟ ” فدق قلبي وكدت أفصح له عن هويتي لكني اتزنت وأجبته ” أنا جديد يا ريس وشغال في المصبغة وعايز أصرف الألوان دي ” وأعطيته الورقة وسألته عن بعض المعلومات كتعارف ” أنا اسمي يوسف عندي 43 سنة وشغال هنا من 15 سنة ” فسألته ” انت متحمل القعدة في المخزن ازاي وسط الرائحة دي ” فقال لي ” أعمل ايه بس دا شغلي وأكل عيشي ، على فكرة انا مبشمش الريحة بتاعت الصبغة خلاص بقت عندي مناعة من الريحة ” عبأ عم يوسف الأصباغ وحملتها بدون ألبس أي قفاز يحمي يدي من الأصباغ لأني كنت أريد أن أتعامل كباقي العمال حتي لا يشعر أحد اني مختلف عنهم حتي لا يشك بي ، وذهبت للأسطي حسن وأعطيتها له ثم ذهبت مسرعا في خلسة حتي أنظف يدي من بقايا الألوان التي تناثرت عليها ثم رجعلت للأسطي فقال لي ” روح هات 20 شكارة ملح وكربوناتو وخد معاك بهاء يعرفك مكانهم ” ذهبت بصحبة بهاء لمكان الملح و” والكاربوناتوا ” واتضح لي أن الملح يتم وضعة مع الأصباغ لتثبيت اللون بجانب كربونات الصوديوم التي يطلقون عليها ” الكاربوناتو ” وعد للأسطي حسن . مرت ساعة تلو الأخري وأنا لا أستطيع أن أواصل هذه العمل الشاق وكدت أسقط علي الارض من التعب ، فالعمل شاق بالنسبة لي لأني أول مرة أبزل مجهود عضلي بهذا الشكل المرهق ، ومع مواصلت العمل شعرت بغثيان وكدت أسقط على الارض من دوشة الماكينات والروائح النفاذة المنتشرة في كل أرجاء المصنع وخصوصا المصبغة ، ولكي أخرج من هذا الموقف وأريح نفس قليلا كنت أذهب للحمام حتي أستريح قليلا أو أختبئ بين الماكينات وأستلق منهكا من العمل وفي أحد المرات داهمني النوم واستيقظت مفزوع علي صوت يقول لي ” انت نايم ليه قوم ؟ ” وكان الأسطي حسن وعنفني علي هذه الفعلة وامرني أن أذهب لأجلب صودا وقال لي ” خد الجرد ده وروح هات صودا من الخزان اللى في آخر المصنع وخلي بالى أصل ممكن تحرقك ” ذهبت وجلبت الصودا ورجعت أقف بجانب الأسطي . في تمام الساعة الواحدة ، قال لي الأسطي حسن ” تاخد وجبت غذائك ايه ؟ ” فسألته عن الأصناف معتقدا أن هناك أصناف من الاكل يمكن أن أختار منها ما لذ وطاب ، وصدمني كلامه عندما استفسرت عن أصناف الأكل ” الوجبة عندنا في المصنع رغيف عيش تحب تاخد معاه جبنه نستو ولا تلاجة ” وقع كلام الأسطي وقع على مسامعي كالصاعقة التي أخرستني عن الكلام للحظات من الوقت وأجابته ” هوا دا الأكل اللى عندكوا بس ” فقال لي ” من يوم ما جيت المصنع وهي دي الوجبة اللى بيجبوها لينا ” لم أسطيع أن أكل كلامي من الصدمة الواقعة علي وأجبته ” عايز جبنة نستو ” . حان الأن وقت الغذاء ، كل العاملين في عنبر الصباغة مرتاصين جنبا الى جنب استعداد للأكل ، لم يعبأ أحد بعدم نظافة يده أو ملابسة الكل جلس يأكل وبدا ، فكل رغيف يحمله العمال أيديهم إنتقلت له آثار الصبغة وأصبح يحمل لونا مختلف عن لونة الطبيعي ، فتجد رغيف أصبح لونه أحمر أو أخضر أو تركواز أو بني كل على حسب اللون الذي يعمل فيه صاحبه . انتهي العمال من تناول وجبة الغذاء “الدسمة ” وانصرف كل واحد ليتابع حالة الماكينة التى يعمل عليها ، وظل العمال على هذه الوجبة طوال ساعات العمل حتي نهاية اليوم وعندما أنهت الماكينة صباغة الأتواب بدا كل أسطي على ماكينة في تفريغ الصبغة الموجودة في الماكينات آليا عن طريق الضغط على أحد الأزرار المخصصة لذلك وفجأة كسي على أرضية المصبغة الون الأسود وبدا المياه الملونة تنهمر من كل ماكينة متجهة نحو مكان الصرف التي تنتشر على جوانب المصبغة . عند دقات السادسة ونصف هرولوا إلي ملابسهم ليرتدوها تأهبا لمغادرة الوردية كما يطلقون عليها استعدادا لإستلام الوردية الليلية من الساعة السابعة ليلا حتي السابعة صباحا . اليوم الثاني كانت مهمتي فى اليوم الثاني أكثر مخاطرة لأني أريد البحث عن طبيعة المواد التى يستخدمها المصنع في الصباغة وأعرف أسمائها وألقط صور فوتوغرافية للعاملين في المصنع والكراتين التي تحوي الأصباغ لأحدد هويتها ومن أي دولة تم استيرادها لأنه لا يوجد تصنيع محلي للصبغة . في تمام السابعة كاليوم السابق كنت أمام بوابة المصنع وأحمل معي داخل أمتعتي كاميرا صغيرة للتصوير الفوتوغرافي وكاميرا صغيرة لتصوير الفيديو قمت بإخفائهم في أحد الأحزية البلاستيكية التى اشترتها لأرتديها داخل المصنع حتي أحافظ على رجلي من آثار الألوان المتناثرة في كل مكان بالمصبغة ودخلت وكان مسار هذا اليوم كالسابق أجلب كل مكونات الصباغة للأسطي حتي يبدأ عمله المعتاد ، ومع أقرب فرصة بدأت أتسلل للمخزن الذي يحتوي على مواد الصباغ وأنا أحمل معي موبايل يقوم يحتوي على كاميرا ، وعند وصولي للمخزن ترقبت هل يوجد أحد بداخلة أم لا ، وكان خاليا فتسحبت رويدا وانا قلبي يدق وتتضارب دقاته وترتفع لدرجة أنني كنت اهتز مع كل دقة ينبض بها قلبي ودخلت لأستكشف ، وعندما شرعت فى التصوير سمعت وقع أرجل تاتي نحو المخزن وتنادي ” يا عم يوسف ، يا عم يوسف ” ففزعت وحاولت أن أختفي بجانب أعمدة المخزن فجاء أحد العمال ونظر بالمخزن لم يجد عم يوسف واستدار ليبحث عنه في مكان آخر ، فأخرجت التلفون المحمول مرة أخري لألتقط صور لكاراتين الصباغة وماركاتها ، ولاحظت أن أغلب كل الأصباغ مستوردة من الصين والهند ، ولفت انتباهي أحد حاويات المواد مكتوب عليها ثلاثة من أنواع المعادن فالتقط لهما صور وعندما رجعت بحث عنهم فوجد أن إحداهما مادة تسمي ” الفورمالدهايد ” وهو مركب كميائي ضار جدا بالصحة ويسبب أمراض خطيرة منها الأرام الخبيثة أو السرطان ، كما يوجد العديد من الأصباغ الضارة . ” مين اللى جوه ؟ ” صيحة أطلقها عم يوسف المسئول عن مخازن الأصباغ وأنا أقم بتصوير بعض الاصناف داخل المخزن ، فارتبكت قليلا لكني استعدت توازني في الحديث عندما سألني قائلا ” إنت بتعمل ايه ؟ ” فأجبته ” انا كنت بلعب في التلفون وكنت جي أدردش معاك شوية عشان عايزك تعرفني الصبغة وأنواعها عشان أتعلم بسرعة وأفهم النظام ” . جلست مع عم يوسف أتبادل الحديث وحكي لي قائلا ” الأصناف كتير وانت عايز أسبوع عشان تتعلم إزاي توزن وتعرف اللون اللى مطلوب ايه لأنه بيجي مكتوب بالانجليزي ” وأخذ يسهب عم يوسف في الكلام بصوته الضعيف وكلامه السريع شارحا بعض تفاصيل صنعة الصباغة وأنواعها وكان يبدوا من حديثه أن لا يعلم أضرار هذه الصباغة ومخاطرها على صحة الانسان وكان يبدو عليه التعب أثناء حديثه أكثر من أمس عندما رأيته وفجأة توقف عن الكلام وهو يمسك ببطنه ويقول “أنا تعبان النهارده خالص ” وفجأة قام مسرعا نحو الحمام وهو ممسك ببطنه وأراد أن يتقىء ، وبدا عليه الألم الشديد واصفر وجهه وظل 10 دقائق يقف على أحد مراحيض الحمام وكاد يسقط على الأرض لولا أن ساندته حتى ليجس على كرسيه الخشبي بالمخزن ، وبعد أن هدأت حالته بدأت أسأله عن بعض المعلومات عن حالته الصحية فأجابني ” أول ما جيت أشتغل في المصنع مكنتش كدا خالص ومكنتش تعبان كانت صحتي بمب وكنت بشيل وبعتق لكن دلوقتي تعبت وبقي بيجيلى دور الترجيع ده كل شهر ومعاه كحة ربنا يستر عليا بقي من شغلة المخزن المقرفة دي ، كل ما حد جديد يجي يشتغل في المخزن ميقدرش يكمل ويمشي وأنا بقال سنين شغال هنا ومتحمل وكان فيه اتنين قبلي شغالين هنا واحد جاله مرض مش عارف يقوم منه والتاني مات ” حاولت ان استفسر عن الأصاغ الموجودة داخل المخزن ومن أين يتم شرائها ” فقال لي أصحاب المصنع بيشتروها من بيستوردوها من برده مصر ” ، من خلال حديثي مع عم يوسف اكتشفت أنه لا يعرف شيئ عن تركيبة هذه الأصباغ كل ما يعلمه أن الرائحة الكريهة التى تصدر من هذه الكراتين المفتوحة هي مكن الخطورة ، فكل ما يعلمه عن الاصباغ أو الألوان في معجم العمال أن أنواعها “أكتف” مباشر و “ريأكتف” غير مباشر وهي طرق للصباغة فهو يقوم بتحضير ورقة الألوان المكتوبة له و الآتية من المعمل الذي يحسب نسبة اللون ودرجته ويقوم بتحديد أوزانه حتى يناسب حجم الأتواب التي سيتم صباغتها . “أنا بدور عليك وانت قاعد هنا !! ” كلمات خرجت بغلظة من الأسطي حسن موجها كلامه لي وأخذ يعنفني على غيابي عن العمل وأمرني أن أجلب “جركن” خل الى المصبغة ، وحملت ” الجركن ” الذي يتعدي وزنه الخمسون كيلو جرام وأتبعت الأسطى حسن وفي طريقنا قال لي ” خلي بالك من الجركن ليوقع أصل فيه خل مركز ممكن يحرقك وإياك تبعد عن المصبغة تاني لأني بحتاجك تجبلي حاجات وتقف تشتغل معايا في تركيب الشغل ” توالت الساعات علينا في العمل وأنا أتضرع جوعا ، ومنهك للغاية ، فلا أستطيع الوقوف على رجلي وأنا أعمل أكثر من ذلك ، فجاء آذان العصر لينقذني من أرقي وطلبت الذهاب للصلاة وسمح لي الأسطى حسن وذهبت للصلاة ، حملت في جيبي الكاميرا الفيديو بجانب الموبايل الموجود بحوزتي واتجهت نحو الحمامات وفي طريقي يوجد المخزن بجانب الحمامات ، فذهب لعم يوسف عامل المخزن مره أخري بحجة سؤاله على الساعة وأنا أقوم بتسجيل صوتي لما يقوله ، وبدأت أفتح معه الحوار مره أخري قائلا ” أنا عايز أجي أقف معاك هنا يا عم يوسف أساعدك عشان لو تعبت ، وكمان لو ينفع أنقل شغلى معاك في المخزن أطلب نقلي ” ، بدا عم يوسف فرح بكلامي وبدت على وجهه ابتسامة التعجب قائلا في قرار نفسه ” هوا عايز يجي للموت برجليه ؟ ” وقال لي بصوت مسموع ” ياريت والله أنا عايز اتنين ولا ثلاثة معايا في المخزن يساعدون بس الادارة مش هترضي بثلاثة بس شوف لو نويت هحاول أجيبك معايا ” وأثناء حديثة دخل رجل أسود الوجه يقسم الشارب نصف وجهه ويسأل عم يوسف عني ، فأجابه بأني جديد وعايز أشتغل معاه في للمخزن ، وعرف عم يوسف الرجل قائلا لي ” دا عمك مندو سواق اللودر اللى بينقل المعدات والأتواب الكبيرة بعد صباغتها” . انتهي الحديث مع عم يوسف وأثناء خروجي من المخزن ناداني عم مندو وقال لي بصرامة وبوجه عابس “إوعي يوسف ياكل دماغك ويشغلك معاه في المخزن عشان الشغل في المخزن انتحار ، إتعلم صنعة الصباغة أحسنك إنت لسه صغير متموتش نفسك ” هكذا حذرني عم مندو من العمل بالمخزن . حاولت أن أحتفظ ببعض أوامر صرف الصباغة من المخزن لتكون معنا مستند ، كما انتزعت بعض العلامات التجارية من على كراتين الصباغة لعرف هويتها ، ورجعت للمصبغة وأكملت العمل حتي جاءت نهاية اليوم ، واستعد العمال للرحيل وأخذت أجهز أمتعتي وأخفي كل ما استحوذت عليه من أوراق داخل ملابس العمل وأضع الكاميرات التي معي داخل حذاء العمل استعدادا للتفتيش على البوابة عند الخروج ، فهذا اجراء روتيني يومي يقوم به فرد الأمن على البوابة حتي لا يسرق أحد من العمال أي قطع أقمشة وهو خارج . وقفت في طابور طويل مع العاملين لأسجل انصراف ، واقتربت من فرد الأمن وأنا مرعوب وتزداد دقات قلبي كلما تقدمت نحوه حتي وصلت إليه وشرع في تفتيشي وأخذ يقلب ما في ” الشنطة البلاستيكية التى أحملها وانهي تفتيشي وقال لي ” خلاص يابني ” تنفست الصعداء وأنا أسرع في طريقي نحو بوابة الخروج وتغمرني الفرحة لانقضاء يوم شاق من أصعب أيام حياتي . اليوم الثالث والأخير كعادتي في الصباح ذهبت لمصنع وكانت مهمتي استكمال التصوير وجلب عينة من الاصباغ التي يستخدمها المصنع في الصباغة . دخلت للمصنع وانا أخفي الكاميرات داخل حذاء العمل الموجود بشنطة ملابس الشغل وبدأت يومي بالافطار مع العمال ، ثم ذهبت لأنقل لوازم التركيبة من الأقمشة واللون والملح والخل والصودا والكربوناتو وعندما أنهيت هذه المهمة انتقلت لأتفقد باقي مكان المصنع فهناك جزء مخصص للطباعة على الأتواب المختلفة “للحريمي والرجالى ” ولا حظت وجود بئر يمتلأ بالألوان ومواد الطباعة التي يتم صرفها في مجري الصرف العادي لأن المصنع يقع بين المساكن ويصرف مخلفاته في الصرف العادي ، كما انتقلت لمكان غسيل الأتواب وهي المرحلة الاخير للصباغة أو الطباعة ، ولاحظت أحد العمال يشتغل على ماكينة غسيل ويخرج الأقمشة الممتلأة ببقايا الصباغة التي غلب عليها اللون الأحمر ويطرحها أرضا حتى تنصرف ما تحويه من مياه إلي مجري الصرف المخصص ، أخذت ألتقط بعض الصور وعندما بدأت أصور صور بالكاميرا الفيديو إذا بيد ثقيلة تهبط على كتفي محدثة “طرقعة ” وشخص ضخم يقول لي ” إنت بتعمل ايه ؟” فاتربكت وكاد قلبي يتوقف من الخوف وسكت قليلا وأجته ” انا بسمع أغاني في إم بي ثري ” فقال لي ” يعني ايه إم بي ثري ” فأجبته بفكاهة وابتسامة تلازم دقات قلبي التي تتعالي “دي تكنولوجيه ” وقمت بوضع الكاميرا في جيبي تمهيدا للانتقال في مكان أخر بالمصنع . في طريقي نحو مكان “تكيس” الأتواب ولصق عليها بيانات الاتواب والشركة المصنعة لاحظت أن الأتواب يكتب عليها إسم غير اسم الشركة التي تقوم بصباغة الأقمشة ، كما لاحظت أن التعامل بين الشركة تقوم بالإنتاج المحلي فقط ، فتأتي السيارات نصف النقل لتعبأ بالأقمشة وتغادر المكان ، تعامل الشركة الرسمي والمدون على الأوراق التي تصاحب الأقمشة التى يتم صباغتها يكون مع أسماء أشخاص وليس شركات وكلهم مصريين . سرقني الوقت في استكشاف باقي المكان وتنبهت وهرولت متجها ناحية المصبغة وفي طريقي قابلت شاب عشريني يقوم بتجميع بقايا الكراتين والأكياس البلاستيك وباقي مخلفات المصنع الصلبة ويقوم بوضعها على عربة كارو يجرها حصان فسألته ، وأجابني قائلا ” أنا إسمي أحمد شغال في المصنع بجمع الزبالة كل يوم وبرميها بره على ترعة عزبة أنور وشغال هنا في المصنع من سنتين بمرتب 150 جنيه أصل انا عندي شغل تاني في الحكومه مرتبها 250 جنيه ” . أنهيت حديثي مع أحمد وتوجهت مسرعا للمصبغة فقد جاء معاد الأكل كي أتناول الوجبة الدسمة ” رغيف العيش وقطعة الجبن ” وعند وصولي وجدت العاملين جالسين ويتبادلون أطراف الحديث عن وجود نقص حاد في عدد العمال في المصنع وان العمال الجدد لا يقضون فترة طويلة به ، فتبادلت الحديث معهم عن سبب ترك العمال للمصنع فقال لي الأسطي حسن ” الفلوس شوية وادارة المصنع بتقول هتزود 100 جنية أخر قريب عشان المصنع بقي انتاجه قليل الأول كان فيه يجي 250 عامل دلقتي مفيش إلا 90 عامل ” انتهي الغذاء واستكمل العمل وبدأت أصور خلسة بعض العاملين وألتقط صور للصباغة والألوان المنسكبة على الأرض ، كما قمت بتصوير بعض أنواع الصباغة لمعرفة هويتها . مع اقتراب ميعاد الرحيل بدأت أفكر في طريقة لأخذ عينة من الأصباغ الموجودة بالمصنع ، وكانت المغامرة ، ذهبت للمخزن وجلست من بعد أترقب عم يوسف عامل المخزن وهو يخلط مواد طباعة سائلة بيده وبدون ارتداء أي قفاز وعندما أنهي وذهب ليغسل يده في الحمال المجاور ذهبت مسرعا للمخزن وأمسكت بالجاروف وأخذت أبحث عن شيء صغير أعبء به أحد الألوان حتي وجدت كيس صغير أخذته واتجهت مسرعا نحو كراتين الصباغة واحترت أي الألوان أعبئ أحد الألوان حتى انتهيت ووضعت الصبغة في بنطالوني وعند خروجي قابلني عم يوسف متعجبا وهو يسألني ” كنت بتعمل ايه جوه ” فقلت له ” كنت بدور عليك عشان أسلم عليك عشان أنا ماشي مروح ” قارب الوقت على الساعة السادسة والنصف مساءا والكل يتاهب لإنهاء العمل ، فذهبت لإرتداء ملابسي استعداد للخروج وبدأت العمال تغادر المصنع وتذهب لإمضاء الانصراف والتفتيش ، في هذا اليوم كنت في ذروة خوفي لما احويه معي من عينة صغيرة من الصبغة تعادل ربع كيلو وكاميرا للتصوير وكالعادة وقفت في الطابور ووصلت لرجل الأمن وقام بتفتيشي ولم يكتشف شيئا وخرجت مسرعا وأنا أتذكر كلمة ” برمي الزبالة بتاعت المصنع على ترعة أنور وذهبت لأسئل عن ترعة أنور حتي دلني أحد السكان ووصلت لمكان إلقاء المخلفات فوجدت أناس يقومون بفرز القمامة وأخذ ما تحويه من كراتين وأكياس بلاستيك ليقوموا ببيعها لأحد مصانع اعادة التصنيع .


تعليقاتكم