الخميس ١٣ - ديسمبر - ٢٠١٨ ٠٧:٥١ مساءً

تجرع الألم

2018/11/22

اخترت فكرة التحقيق الاستقصائي خلال تصفحي للمواقع الإخبارية، توصلت إلى مقابلة منشورة مع رئيس الجمعية الأردنية للأمراض الوراثية التخزينية النادرة المهندس عماد المومني تفيد بوجود مصابين بمختلف الفئات العمرية بأمراض وراثية نادرة معرضين للموت إثر غياب العلاج اللازم لهم (الإنزيم البديل) في ضوء تقاعس الجهات المعنية من وزارة الصحة والحكومة بعدم تأمين العلاج لكلفته الباهظة.

 

ما استوقفني بداية الأمر هو موضوع الأمراض الوراثية النادرة والتي لم أسمع عنها من قبل وتبين أن عدد لا بأس به من الناس لا يعلمون عنها كأمراض البومبي، وجوشر، وعديد السكاريد المخاطي، ولاحظت هذا أثناء مناقشتي مع الأصدقاء والأهل وعدم معرفتهم عن وجود مثل هذه الأمراض. ومن هنا بدأت أولى خطوات التحقيق في جمع معلومات كافية عن ماهية هذه الأمراض وأسبابها وأعراضها، ثم بدأت بجمع البيانات المتعلقة عن الحالات المصابة بهذه الأمراض في الأردن وأعدادها فتواصلت مع الجمعية الأردنية للأمراض الوراثية النادرة والجمعية الأردنية للعناية بمرضى جوشر.

 

لاحقا، تبين أنه لا يوجد سجل وطني يشمل أعداد المصابين بالأمراض الوراثية النادرة في وزارة الصحة، فكل جهة رسمية تحتفظ بأعداد المرضى الذين يقومون بمراجعتها كوزارة الصحة ومدينة الحسين الطبية والجمعيات التي تعنى بهذه الأمراض. أيضا أعداد من الحالات المصابة بعد المعاناة الطويلة مع المرض يتوفون نتيجة عدم أخذهم الإنزيم التعويضي لجسمهم والذي يحسن من حالتهم ويخفف عنهم ظهور الأعراض والالتزام في أخذ العلاج دون انقطاع.

 

ما لفت انتباهي خلال مقابلتي للحالات المصابة وعائلاتهم بالرغم من سوء أوضاعهم الصحية كانت البسمة التي لا تفارق محياهم، وشعرت بتجدد الأمل لدى أهلهم بإمكانية توفر الدواء في حال وصلت رسالتهم ومعاناتهم للجهات المعنية، لأنهم حسبما ذكروا لم يتركوا بابا إلا وطرقوه لكي يتم تأمين العلاج لهم لكن لا حياة لمن تنادي. هذه البسمة المتجرعة للألم والأمل المتجدد أعطياني دافعا قويا لأكمل مسار التحقيق وأن أحاول جاهدة لإنهائه وإيصال صوتهم. لذلك، في كل خطوة كنت أخطوها في هذا التحقيق كانت المسؤولية تكبر، ليس هاجسا من أحد وإنما خشية من كسر هذا البريق الذي رأيته في عيون أهالي المصابين والذين ما انفكوا عن التواصل معي إلى لحظة كتابتي هذه السطور سواء عبر المكالمات الهاتفية أو الواتس ليسألوا “ماذا حصل بالتحقيق؟ هل من أمل أن يؤمن لنا العلاج؟.”

 

أثناء التحقيق حرصت على اتباع منهجية أريج في كل مرحلة من مراحل التحقيق بدءا بوضع الفرضية وجمع المعلومات وتوثيقها بالوثائق الرسمية، ومقابلات مع كافة أطراف التحقيق، وانتهاء بمواجهة الجهات المسؤولة عن هذا التقاعس (مرحلة المواجهة ). من الصعوبات التي واجهتها في إنجاز التحقيق هو عدم تعاون بعض المصادر بشكل سريع في بداية الأمر وهذا ما أدى إلى تأخري في إنجاز التحقيق، عدا عن إجراء المقابلات ما بين محافظات المملكة (مدينة إربد وجرش وعجلون والسلط وعمان والزرقاء). وأيضا مرحلة المواجهة تطلبت مزيدا من الوقت للحصول على المعلومات المطلوبة والمتعلقة بالتحقيق من قبل وزارة الصحة.

 

إرشادات الأستاذين – حمد العثمان وعماد عمر- ساعدتني كثيرا في كافة جوانب التحقيق، حيث كان لتوجيهاتهما دور كبير في سد الثغرات في كل جوانب التحقيق والحرص على الخروج بعمل تحقيق استقصائي كامل، مبني على أسس ومنهجية سليمة.

 

هذا العمل في عالم  الصحافة الاستقصائية يعد العمل الأول لي، كانت تجربة رائعة لم أخضها أثناء عملي في مجال الصحافة التقليدية من قبل. وبالرغم من صعوبة العمل جسديا ونفسيا على الصحفي الا أنه أثبت لي في نهاية المطاف بأن الحقيقة لن تموت وستجد سبيلها للنور طالما هناك من يسعى لإيجادها.