الطريق السالكة إلى تونس لغسل الأموال المشبوهة

11 ديسمبر 2017

تحقيق: مريم خضراوي

وات– تنشر شبكة أريج ثمانية تحقيقات ذات أبعاد دولية هي عصارة تقصّي ثمانية صحفيين أريجيين في إطار تحقيقات دولية شارك فيها عشرات الصحفيين من 32 دولة  لكشف مسارات تبييض مليارات الدولارات من روسيا الاتحادية إلى بنوك وشركات في أرجاء العالم، في ما بات يعرف بأضخم عملية غسل أموال مكتشفة.

أنجز هذه التحقيقات أريجيون من مصر، ليبيا، تونس، الجزائر وسوريا والعراق بعد تتبع أنشطة وصفقات 71 شركة عربية في الإمارات، السعودية، مصر وتونس لها ارتباطات تجارية ومالية بما تعرف ب”المغسلة الروسية”. وتقدر حصّة الشركات والمصارف العربية بنصف مليار دولار من بين عمليات تبييض 20 مليار و800 مليون دولار على مستوى العالم.

عمليات التقصّي وتحليل البيانات جرت بالتعاون مع مصدري الوثائق، الذي كشف أبعاد “المغسلة الروسية” عام 2014؛ وهو مشروع التحقيقات الصحفية حول الجريمة المنظمة والفساد OCCRP وصحيفة نوفا غازيتا الروسية.

تفجّرت الفضيحة الكونية حين أطلق OCCRP أولى التحقيقات التي كشفت ملف غسل أموال مصدرها شخصيات مهمّة في روسيا. في البدء، بدا هذا الملف محدوداً وكان مقتصراً في تلك الفترة على شركتين أوف شور مسجلتين في بريطانيا انخرطتا في تلك العملية عام 2011.

ثم كشفت الوثائق لاحقا أن رأس جبل الجليد يخفي تورط 21 شركة يديرها ظاهريا (بروكسيس) أي وكلاء مدراء في الظاهر هم في الغالب أشخاص فقراء من أوكرانيا يعملون في روسيا.   OCCRP واجهت عائلاتهم، فأبدت اندهاشها حيال المعطيات ولم تتمكن من الاتصال بأبنائها.

وفي 2016، تكشّفت معلومات أكبر بعد تسرب وثائق مهمة من أحد المصارف المتورطة في هذا الملف، ليتبين أن حجم هذه العمليات يقترب من  20.8 مليار دولار. وتم الكشف عن 21 شركة أوف شور أضيفت إلى الشركتين السابقتين المتورطتين في الفضيحة، وكانت هذه الشركات مسجلة في بريطانيا، قبرص ونيوزيلاندا.

بعد نشر سلسلة تحقيقات صحفية قادتها OCCRP، فتحت السلطات تحقيقا في لاتفيا وروسيا، وتم تحويل 14 قاضياً في لاتفيا للتحقيق بتهمة التورط في تسهيل نقل أموال فاسدة (من مخدرات ورشاوى) من روسيا إلى أوروبا وسائر العالم.

وكشفت التحقيقات تورط رجال أعمال روس كبار منهم: أليكسي كربيفين Alexey Krapivin وهو من المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، و كذلك جورجي جينز Georgy Gens وهو رجل أعمال روسي كبير يمتلك مجموعة Lanit group، الموزع الرئيس لشركة آبل في روسيا. كما وصلت أموال مشبوهة الى شركة Trident International Corp التي يمتلكها رجل الأعمال الروسي بافل سمينوفيتش فليدر  Pavel Semenovich Flider، الحاصل على الجنسية الأميركية. وقد ورد اسمه عام 2015 بين المتورطين في صفقة تهريب أجهزة تكنولوجيا محظورة من أميركا إلى شركة متخصصة بأجهزة تكنولوجيا عسكرية في روسيا.

كما كان البنك العقاري الروسي مسؤولاً عن تحويل 9.7 مليار دولار ضمن هذه الفضيحة إلى مولدوفا بنك، علماً أن البنك العقاري الروسي بإدارة ايغور بوتين، ابن خال الرئيس الروسي.

نقل الأموال القذرة من روسيا إلى أوروبا والعالم يتم وفق خطّة تقضي بأن توقع اثنتان من الشركات الـ 21 المتورطة عقد اقتراض تتلقى بموجبه من الشركة الأخرى ملايين الدولارات. بموجب العقد، يحدّد كفيل للقرض من الشركات الروسية ورجال أعمال في لاتفيا، يلتزمون بتسديد قيمة القرض بعد أن “يتعثر” المقترض عن السداد. كما بينت الوثائق اكتمال حلقة غسيل الأموال بتصريف أموال مشبوهة عبر شراء بضائع بفواتير وهمية لتدوير الأموال وإعادتها نظيفة. شملت شبكة مسارات الأموال 732 مصرفا و5140 شركة في 96 بلداً، من بينها 167 شركة عربية. وهي تتوزع على النحو التالي: 150 شركة مسجلة في الإمارات، ست في مصر، اثنتان في السعودية، أربع في تونس وثلاث عمانية، واحدة أردنية وواحدة بحرينية.

خلال متابعتنا للشركات العربية التي ورد اسمها، كمتلق لهذه الأموال ومتورطة ولو عن غير قصد، بحثنا وتواصلنا مع الشركات لنتبين إن كانت على علم أم لا، وماذا تصرفت بعد أن عرفت بتورطها؟ كانت لدينا شبهات حول شركات تلقّت تحويلات مالية من الشركات المدانة تشير الوثائق أنها لغايات شراء سلع معينة بينما كان نشاط الشركة مختلفاً تماماً. كما كشفنا عن وجود صلات بين بعض هذه الشركات العربية وشركات روسية أو شخصيات روسية.

فإلى التفاصيل

طالت الأموال، التي تدفقت من روسيا بطرق غير شرعية، بين سنتي 2010 و2014، تونس عن طريق حسابات بنكية لغير المقيمين وفواتير غير مطابقة لصالح شركات ضالعة في غسيل الأموال.

ويعكس ضلوع بنوك ومؤسسات تونسية في ما يعرف بملف “المغسلة الروسية”، ضعف تطبيق المنظومة التشريعية بعد الثورة ضد الفساد والديكتاتورية، وحتى قبلها. وقد اعترفت اللجنة التونسية للتحاليل المالية التابعة للبنك المركزي، في تقرير حديث لها صدر في نيسان/أبريل 2017، أن خطر تبييض الأموال في تونس يعدّ “مرتفعا نسبياً”. 

انخراط شركات وبنوك تونسية في “المغسلة الروسية” بين عامي 2010  و 2014، حدث حين غادرت روسيا 20 مليار دولار بطرق “غير مشروعة” إلى وجهات مختلفة في أوروبا وأمريكا عبر 732 مصرفا و5140 شركة من بينها شركات “أوف شور”، في 96 بلداً، من بينها تونس.

طريق “التبييض” سالكة إلى تونس 

الوثائق التي حصلنا عليها عبر شبكة أريج “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” ومن مصدرها في “مشروع التقارير الصحفية حول الجريمة المنظمة والفساد” وصحيفة “نوفايا غازيتا” الروسية، تؤشر إلى ضلوع أربعة مصارف في تونس في تحويلات مشبوهة خلال تلك الفترة. في عامي 2013 و 2014، مرّرت أربع حوالات قدرها مليون دولار عبر بنك تجاري تونسي كبير تأسس في 1982 ويعمل وفقا للقانون التونسي وبنك  ثان هو سابع بنك تونسي من حيث الإيرادات وأحد أضخم الشركات المدرجة في البورصة ومصرف ثالث يملك 200 فرع في تونس وكذلك بنك يمول أحد القطاعات الاستراتيجية في البلاد. إحدى تلك التحويلات بقيمة 270 ألف دولار نفّذت لحساب شركة صربية غير مقيمة وليس لها أي نشاط في تونس ولكن لها حساب في بنك هو فرع لمجموعة بنكية عربية معروفة وحاضرة في 30 بلدا.  

يندرج هذا التحقيق ضمن ستة تحقيقات في دول عربية و30 دولة أخرى حول العالم، بما يكشف خفايا الشركات الضالعة، عن قصد أو عن غير قصد، في هذا الملف غير المسبوق. وهو يكشف تقصير السلطات المالية التونسية في التثبت من مصادر الأموال وصدقية بيانات الصفقات التي تتم بمقتضاها التحويلات على مستوى الجمارك أو على مستوى المصارف. هذا التقصير يجعل من تونس وجهة مفتوحة أمام تدفق أموال من مصادر غير مشروعة.

تقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية يقر بأن “الساحة البنكية التونسية معرضة للاستغلال من قبل غاسلي الأموال، على وجه الخصوص، في مرحلة التمويه، أي المرحلة الثانية من المسار التقليدي لتبييض الأموال”، وذلك بالنظر إلى حجم أموال هائل، تم تجميده خلال السنوات الخمس، بما يناهز 18 مليون دينار تونسي ( حوالي 37,7 مليون دولار أمريكي) 

بنك تونسي وشركة صربية 

تفاصيل الوثائق، التي حصلنا عليها، تظهر أن البنك التونسي الاول، الذي أشرنا إليه، تلقّى أربع حوالات قدرها الإجمالي 920 441 دولار، أي حوالي 605 072 1 دينار تونسي، اثنتان منهما خلال عام 2014 (13 و24 مارس). وكان مصدر الحوالتين شركة مسجلة في بريطانيا متورطة في غسل الأموال تدعى “ألارو بزنس”. إذ حولت هذه الشركة مبلغا قدره 160573,00 دولار إلى حساب الشركة في البنك المشار إليه في تونس، ومبلغا ثان إلى الشركة ذاتها قدره 848 109 دولار مقابل صفقات “مواد بناء”.

كما حولت شركة أخرى هي “كريستالورد ليميتاد”، مبلغا ماليا إلى حساب الشركة الصربية في البنك التونسي في 25 نوفمبر 2013، بدعوى تسديد ثمن صفقة “أجهزة صناعية”. و”كريستالورد ليميتاد” هي شركة قبرصية متورطة في ملف غسيل أموال. وتم التحويل عبر البنك الليتواني “تراستا كومارسا بنك” الذي أدار جل عمليات التبييض.

وتظهر الوثائق أن الأموال المشبوهة ترد إلى حساب الشركة الصربية في تونس من مولدافيا وليتوانيا، بالعملة الأجنبية (الدولار واليورو). واستغلت الشركة على ما يبدو حسابها البنكي في تونس، كحساب عبور للتمويه وفصل الأموال عن مصدرها الأصلي، ثم إضفاء المظهر الشرعي بأختام تونسية. يأتي مثل هذه الممارسات، متعاملون غير مقيمين يستغلون إجبارية حفظ السر البنكي التي يكفلها القانون التونسي.

وكانت كتلتا “النهضة” و “النداء” المتحالفتان في البرلمان التونسي قد أسقطتا في 2016 الفصل الذي ينص على إمكانية رفع السر البنكي بأمر القضاء، وذلك بدعوى حماية المعطيات الشخصية. وقد اتهمتهما المعارضة وقوى مدنية آنذاك وإلى اليوم، بأنهما “لا تريدان الشفافية المالية وتتستران على الفساد وتغلغل المال السياسي المشبوه”. ولم تتم المصادقة على قانون رفع السر البنكي الذي أثار الكثير من الجدل إلا في ديسمبر 2016.

وكان المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين طالب برفع السر البنكي والمهني دون قيد أو شرط وحصره في حالات استثنائية محدودة جداً كالسر الطبي على سبيل المثال، وذلك لمكافحة التهرب الجبائي. جاء ذلك في ورقة طرحها، في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2017، تحت عنوان: “الإصلاحات المهملة بصفة متعمدة.” 

“شركتنا ليس لها أي علم”

راسلنا شركة “مونت إنفاست أد” عبر البريد الإلكتروني، لنستفسر عن طبيعة تحويلاتها إلى تونس ولكننا لم نتلق أي رد إلى اليوم. فأرسلنا أسئلتنا، في 11 أغسطس/آب 2017، إلى الصحفية الاستقصائية “دراجانا بيكو” في بلغراد، التي اتصلت بمدير الشركة “ألكسندر كفيتكوفيتش” وأرسلت له الاسئلة، فنفى علمه بعملية غسل أموال واكتفى برد مقتضب: “شركة “مونت إنفاست” ليس لديها أي علم بعملية غسل الأموال التي ذكرتموها في النص الذي أرسلتموه. ولا نملك أي تعليق على أسئلتكم”.

على مدى أسبوع، حاولنا الاتصال عديد المرّات بإدارة “الامتثال” في البنك التونسي للاستفسار عن التحويلات، وعن مصير حساب الشركة بعد ورود اسمها  ضمن ملف “المغسلة الروسية” وسحب الرخصة من البنك اللاتفي “تراستا كومارس بنك” لثبوت تورطه في جرائم مالية. ولكن لم يتسن لنا الوصول إلى المسؤول بالإدارة المذكورة.

تقرير لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي، الذي تناول خطر غسل الأموال، أقرّ بأن البنوك التونسية تعد “وجهة مفضلة لغير المقيمين”، مشيرا إلى، أن حوالي 70 % من التصاريح بالشبهة في غسل الأموال التي أحيلت إلى القضاء كانت تتصل بأشخاص غير مقيمين، أي أن أغلب العمليات المشبوهة تمت بالعملة الأجنبية. وبذلك يستخلص أنه تم استغلال الحسابات المفتوحة لدى مؤسسات بنكية تونسية، وأن الساحة البنكية “جاذبة” لمهندسي عمليات غسل الأموال خاصة في مرحلة التمويه كثاني حلقة في مسار التبييض.

“ألارو بيزنيس” مقبولة في تونس مرفوضة في الدنمارك

لاحظت معدّة التحقيق أن شركة “ألارو بيزنيس”، التي تأسست عام 2014،  نفّذت حوالتين لحساب الشركة الصربية في تونس، المسجلة في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2013 في غلاسكو/ اسكتلندا. ولا تظهر البيانات المنشورة أي تفاصيل عن مالكيها وطبيعة عملها. وبالتالي يمكن أن تكون قد سجّلت فقط كنقطة عبور وفصل للأموال القذرة عن مصادرها الحقيقية عبر مولدافيا وليتوانيا.

ورد اسم هذه الشركة في مقال نشر على موقع الاعمال الدنماركي وذكر فيه أن بنك الدول السكندينافية “نورديا” قد أقدم على إغلاق الباب في وجهها مطلع 2017، بعد أن طلب معلومات معمقة عن مصادر أموالها، واشتبه بتورطها في تبييض أموال متأتية من أنشطة إجرامية تديرها مافيات روسية.

السلطات التونسية المالية والبنكية، التي تربطها اتفاقات دولية مثل اتفاقية “بازل 3” واتفاقيات تعاون مع الاتحاد الأوروبي، لم تتخذ أي خطوات تحر مماثلة حيال متعاملين جدد مجهولي الهوية.

هونغ كونغ عبر تونس

 شركة أخرى استغلت تونس ممرا خلفيا لتبييض أموال في إطار هذا الملف. هذه الشركة مسجلة في هونغ كونغ منذ عام 2006، وهي شركة “سانساين ترايدينغ ليميتاد”.  وهي تملك حساباً في مصرف تونسي آخر هو البنك المختص في تمويل قطاع استراتيجي في تونس.  في 27 سبتمبر/ أيلول 2013، وصل حساب شركة “سانساين” الى مبلغ قدره 030 77 دولار من شركة “كريستالورد ليميتاد”،  مقابل صفقة “تجارة حواسيب”. نفّذ هذا التحويل عبر البنك اللاتفي “تراستا كومرسا بنك” مرة أخرى.

أثناء بحثنا عن شركة “سانساين” وجدنا أنها تلقت عديد التحويلات المالية من مولدافيا عبر البنك الروسي “كومارسيال بنك ماكسيما” في موسكو. بقيت الشركة تعمل لمدة تسع سنوات وسبعة أشهر، حتى تاريخ حلّها في مارس/ آذار 2016، غداة إطلاق التحقيقات حول تورطها.

 الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تؤكد بأنها اتخذت إجراءات تقصي حيال هذا الملف الذي بات طور التحقيق الآن. وأكدت أنها قامت بمراسلة البنوك المذكورة لمدّها بمعلومات أوفى وتفاصيل  الصفقات المالية التي مرّت عبرها. 

 

شركات تصدير منتجات فلاحية تونسية وردت أسماءها في ملف “المغسلة الروسية”  

الوثائق التي حصلنا عليها تفيد بأن شركة “سيبون ليميتاد” المتورطة في قضية غسل أموال دولية كانت قد حوّلت 240 95 دولار من مولدافيا إلى شركة تونسية مختصة في توريد التمور وتوجد في الوطن القبلي، وهي شركة مصدّرة للقوارص (الحمضيات) والتمور، هذا المبلغ حول إلى حسابها في البنك التونسي.

أثيرت تساؤلات حول هذه الصفقة، وفقاً للوثائق التي بحوزتنا، لأنها نفّذت بهدف شراء “مواد بناء” بما لا يمت إلى مجال أعمال الشركة بصلة. كما أن الطرف المقابل في الصفقة  شركة مسجلة في الجز العذراء البريطانية، المصنفة ضمن قائمة الملاذات الجبائية عبر العالم، بموجب عدد 3833 المؤرخ في تونس 03 أكتوبر/ تشرين الأول 2014. 

وقد تم حلّ الشركة في شباط/ فبراير 2016، بحسب الموقع الرسمي للشركات البريطانية، أي مباشرة بعد أن انكشف الملف الاكبر لغسل الأموال عبر”مشروع التحقيقات حول الجريمة المنظمة والفساد”.  

 أبدى متحدث رسمي باسم الشركة التونسية المعنية، استغرابه من الموضوع بأكمله وأفاد المتحدث،  الذي لم يشأ الإفصاح عن هويته، بأنه لم يتعامل قط مع شركة “سيبون ليميتاد”، نافيا وجود أي علاقة للشركة بغسل أموال. وقال: “شركتنا تصدّر المنتجات الفلاحية وتحترم كل القوانين المعمول بها في عمليات التصدير. وهي تتعامل عادة مع حرفاء (زبائن) معينين وأوفياء يرتقون إلى مرتبة الشركاء”. ومضى إلى القول: “هذا كلام لا يصدقه العاقل…لا يهمني من أين يتحول لي المال المهم أن يكون نتيجة منتجات بعتها وقبضت ثمنها وفقاً للإجراءات المعمول بها”.

بيد انه أوضح، أن الصفقة المذكورة كانت لمنفعة شركة روسية لم يكن يعرفها مسبقاً وهي “او او او خليف”، موضحا أن هذه الشركة  “هي زبون عرضي لا نعرف عنه شيئا لذلك اشترطنا دفع مبلغ الصفقة مسبقا قبل شحن البضاعة،  فاستجابت لذلك، وحولت المبلغ مروراً بالبنك المركزي، ثم نزل في حسابنا الجاري المفتوح بالبنك التونسي”. وأكد أن الشركة “شحنت البضاعة وانتهت العملية” آنذاك.

الخبير المختص في الشركات التجارية، مروان السباعي، يستبعد ضلوع الشركات المصدرة بعمليات تبييض أموال: “صفقاتها التجارية مطالبة بالامتثال لقوانين محددة تصحبها فواتير عادة وهي مطالبة بما يعرف بـالسند التجاري. وتكون الشركة المصدرة مطالبة بالتصريح بالفاتورة وبجلب العملة التي تحصلت عليها من عملية التصدير التي تمر عبر الديوانة (الجمارك) وبعلم البنك المركزي”. أما إذا “لم تجلبها في أجل معين فيطالبها البنك المركزي بتفسير”، حسب ما يردف السباعي.  

 لكنه أشار في المقابل، إلى “احتمال وقوع عمليات تبييض أموال عبر تحويلات مالية صرفة، وبمبالغ كبيرة. ويكون البنك في هذه الحال مطالبا بـ”تصريح بالشبهة”. كما يمكن أن تحدث في تسويق الخدمات وفي العلاقة بين الشركة الأم وفروعها لأنه في هذه الحالات يصعب إثبات تهمة غسل الأموال”.

أمام هذا الخطر الذي تقرّ بوجوده السلطات المالية في البلاد، أصدر البنك المركزي التونسي في سبتمبر/ أيلول 2017، منشورا جديدا للمصارف والمؤسسات المالية يحتوي على سلسلة إجراءات تلزم هذه المؤسسات بتعزيز المراقبة الداخلية درءا لمخاطر تبييض أموال وتمويل الإرهاب. يفرض المنشور ايضا إجراءات يقظة للكشف والإعلام عن العمليات والمعاملات المشبوهة.

يعتبر القانون التونسي غسلا للاموال “كل فعل قصدي يهدف، بأي وسيلة كانت، إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع لأموال منقولة أو عقارية أو مداخيل متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من كلّ جناية أو جنحة تستوجب العقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات أو أكثر ومن كل الجنح المعاقب عليها بمجلة الديوانة”. كذلك يعتبر غسلا للاموال “كل فعل قصدي يهدف إلى توظيف أموال متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من الجرائم المنصوص عليها بالفقرة السابقة، أو إلى إيداعها أو إخفائها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها أو محاولة القيام بذلك أو المشاركة فيه أو التحريض عليه أو تسهيله أو المساعدة في ارتكاب جريمة غسل أموال مستقلة في قيامها عن الجريمة الأصلية. ويكون إثباتها بتوفر ما يكفي من القرائن والأدلة على عدم شرعية الأموال موضوع الغسل. الفصل (93) من القانون الأساسي لسنة 2015، ينص على عقوبة مرتكب غسل الأموال بالسجن من عام إلى ستة أعوام وبخطية (غرامة) من خمسة آلاف إلى 50 ألف دينار. وقد تصل قيمة الغرامة إلى نصف قيمة الأموال موضوع الغسل.

فواتير مخالفة وصفقات مع شركات متورطة 

شركة تونسية أخرى ورد اسمها أيضا ضمن وثائق ملف غسل الأموال الروسية وتعمل هي الأخرى في تصدير المنتجات الفلاحية (تمور وغلال). هذه الشركة تلقت 4953  دولارا في 12 أبريل/ نيسان 2013، من شركة “كريستالورد المحدودة” مقابل شراء شحنة  “تجهيزات صناعية”. مرّ المبلغ عبر البنك الذي قاد عملية غسل الأموال الروسية “تراستا كومارسبانكا” في لاتفيا وحوّلها إلى بنك  تونسي آخر تم اختياره، مؤخرا، كأفضل بنك في الساحة البنكية التونسية.

وجهنا أسئلتنا إلى عنوان الشركة، فاتصل بنا محاسبها المالي، ليؤكد “أن لا علاقة للشركة بهذا الملف”. فطلبنا منه رداً مكتوباً، ولكن لم نتلق أي إجابة بعدها، ولم يرد على اتصالاتنا أو رسائلنا النصية.

المؤسسات التونسية، التي أشرنا إليها، قد تكون امتثلت لكل قوانين التعامل مع شركاء وحرفاء أجانب وأخلت مسؤوليتها وبذلك تكون الاخلالات التي سمحت بتورطها راجعة إلى المؤسسات والسلطات المالية. فقد أقر تقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية أن وظيفة الامتثال في المؤسسات البنكية أو المالية “تعرف غالبا وبصفة مجانبة للحقيقة بأنها

غير حيوية ولا تدخل في المجال الربحي لهذه المؤسسات، ممّا قد يجعلها مهمشة وثانوية”. ووظيفة الامتثال التي هي بمثابة “شرطة البنوك”، لم يتم إلى حد صدور تقرير اللجنة المشار إليها تخصيص الموارد البشرية الكافية لها “حتى تتمكن من القيام بواجبها في التثبت ورصد العمليات التي تتعلق بالإرهاب والتصريح بها لدى اللجنة التونسية للتحاليل المالية.

 

“سلطة المال” تجهض ترسانة القوانين بعد الثورة  

رغم ترسانة قانونية ومؤسساتية لمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تعزّزت مع صدور قانون 2015 حول مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، فإن مجرد ذكر مفردة غسل الأموال يدفع المواطن التونسي، وكذا المسؤول للتهرب من الحديث في الموضوع. هذا الخوف لم يعد مصدره السلطة السياسية الحاكمة بل سلطة المال التي قد تهدّد كل من يعترض طريق استثرائها.

في تونس، ظاهرة غسل الاموال قد تنتعش من تفشي الفساد، التي تؤشر إليه جل استطلاعات الرأي، وأحدثها استطلاع وجدت من خلاله مؤسسة “كارنيغي” للشرق الأوسط (بين تموز/ يوليو و آب/أغسطس 2017)،  أن 76 %  من التونسيين يقرّون بأن الفساد منتشر في تونس اليوم أكثر مما كان عليه في عهد زين العابدين بن علي.

ويعتقد خبراء هذه المؤسسة أنه من أجل التصدّي للفساد بشكل فعّال ومستدام، يمكن للحكومة التونسية اتخاذ إجراءات عدّة  تشمل تطبيق وإنفاذ القوانين القائمة لمكافحة الفساد، بدءاً من القانون الذي يُلزم المسؤولين التونسيين بالتصريح علناً عن ممتلكاتهم. كما ينبغي على الحكومة إعطاء الأولوية لإنشاء المحكمة الدستورية وضمان استقلالية القطب القضائي المالي المكلّف بالتحقيق في قضايا الفساد المالي ومحاكمة المتورطين بها والفصل فيها. تبدو هذه الخطوات ضرورية اليوم لأن القوانين ولئن تبدو مثالية في بلد ما، فهي قد تنهار أمام تشكّل دولة موازية بقوانين خفية، بمجرد ضعف حلقة ما في مسار تطبيقها.

أنجز هذا التحقيق بدعم شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)www.arij.net ومشروع التحقيقات الاستقصائية في الجريمة المنظمة والفسادOCCRP www.occrp.org/en-  Organised Crime and – ضمن مشروع The Russian Laundromat.

 


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *