محمد الربيعي
في العراق، غالبا ما تضيع تفاصيل الأشياء حين نبدأ الغوص في أي تحقيق استقصائي معمق، ربما بسبب غياب الاحصائيات الموثقة حول معظم الظواهر التي نتقصى فيها، أو ربما بسبب خطورة التعامل مع ملفات حساسة يقف وراءها على الدوام عصابات الجريمة المنظمة أو جماعات مسلحة او مافيات حزبية، أو تقصير حكومي فاضح. تغيب تفاصيل الأشياء في أحيان كثيرة ايضا، نتيجة لهذه الأسباب مجتمعة.
حين بدأت مع الزميلة ميلاد الجبوري رحلة العمل على تحقيق الانتحاريات في العراق نهاية العام 2010، كان الأمر يشبه "رحلة بلا نهاية". أدركنا حينها أن انجاز العمل على تحقيق يتعلق بأخطر ملفات العنف في عراق ما بعد 2003، سيتطلب جهدا ووقتا طويلا، وربما ايضا، الكثير من المخاطر التي تحيط بكل صحفي استقصائي عراقي يتجرأ على عبور الخطوط الحمراء للجماعات المسلحة في العراق.
في فترة العمل على تقصي ظاهرة الانتحاريات في العراق من قبل تنظيم القاعدة الذي تبنى لسنوات استراتيجية تجنيد نساء معدمات او راغبات الانتقام لتنفيذ عمليات انتحارية راح ضحيتها مئات وربما الآلاف من القتلى والجرحى، كانت الأوضاع الأمنية في العراق تزداد سوءا على خلفية التجاذبات السياسية التي رافقت وأعقبت الانتخابات التشريعية.ولوقت ليس بالقصير، كان الوصول الى المؤسسات الأمنية وسجون وزارات العدل والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية في مناطق متفرقة من العاصمة بغداد، مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر تخوضها الزميلة ميلاد الجبوري بلا تردد، وهي تمضي محملة بكل أنواع التحذيرات والتوجيهات التي أزودها بها قبيل كل رحلة بحث عن معلومات جديدة او مقابلات مع انتحاريات او مجندات انتحاريات.
الفرضية التي صنعناها بالاتفاق مع القائمين على شبكة أريج، كانت تتحول الى فرضية ضبابية كلما اقتربنا من الوصول الى مثابة محددة. لكن سرعان ما كنا نعود الى جوهر التحقيق مع كل وثيقة او مقابلة او معلومات جديدة تكشف عن فضاعة ما مارسته الجماعات المسلحة لتحويل فتيات لم يبلغ اغلبهم سن الرشد، الى قنابل متفجرة تحصد أرواح الأبرياء في شتى مدن العراق.
تطلب البحث عن جذور ظاهرة الانتحاريات في العراق، زيارة عدد من السجون التي تقبع فيها الانتحاريات ونساء مارسن عملية تجنيد الانتحاريات. خطورة هذه الزيارات لم تكن تقارن بخطورة الوصول الى قلب محافظة ديالى التي اشتهرت بأنها "مصنع الانتحاريات"، فمدن بعقوبة وبهرز والمقدادية وقراها أنتجت وصدرت الى بقية مناطق العراق طوال الفترة 2006 – 2009، عشرات الانتحاريات اللواتي فجرن أنفسهن وسط حشود المدنيين أو ألقي القبض عليهن وهن مزنرات بالأحزمة الناسفة قبل لحظات من تنفيذ العمليات الانتحارية.
كل زيارة من الزيارات المكوكية لمدينة بعقوبة ومناطقها التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لسيطرة تنظيم القاعدة، كان يتطلب مني ومن الزميلة ميلاد الجبوري الكثير من القلق، والكثير جدا من السرية والتكتم في التنقل لمقابلة المصادر الرئيسية في التحقيق.
قادة عسكريون، منشقون عن تنظيم القاعدة، قادة من قوات الصحوة، شيوخ عشائر، ومسؤولات محليات عايشن عن قرب مراحل صناعة "الانتحاريات" في ديالى إبان سنوات العنف الطائفي. كل هذه المصادر كانت نقطة حقيقية للغوص في عمق ظاهرة الانتحاريات.
لم يكن الأمر أقل صعوبة في العاصمة بغداد، فاغلب الجهات المعنية رفضت التعاون معنا لاعتبارات قالت أنها "أمنية". الكثير من المؤسسات لم تكن ترغب بالدخول في تفاصيل هذه القضية الشائكة رغم الموافقات الرسمية التي حصلنا عليها بصعوبة. بعض هذه الجهات رفضت تزويدنا بالأرقام التي تتوفر لديها بحجة أنها "من أسرار الدولة". ومع كل فوضى الأرقام والمعلومات التي أحاطت بملف الانتحاريات، كان الأمر يتطلب تجميع الأرقام المجزأة وتوحيدها في معادلات حسابية للوصول الى الأرقام التقريبية لحجم هذه الظاهرة التي روعت العراقيين خلال السنوات الماضية، وقد تعود الى السطح في أي وقت لاحق.
المهمة الأصعب، كانت عملية فرز المعلومات التي أدلت بها لكاتبة التحقيق، 16 "مشروع انتحارية" أو "مجندة انتحارية" او "متعاونة". التناقض ما بين أقوال الانتحاريات وما سجلته ملفات التحقيق، فضلا عن التناقض بين كل جلسة تحقيق وأخرى في ملف كل انتحارية، كاد أن يخفي الخيط الرئيسي الذي يوصلنا الى حقيقة الظاهرة. لكن الإصرار الذي أبدته كاتبة التحقيق في مطابقة المعلومات التي تدلي بها كل انتحارية، والتحقق من مصداقيتها ثم العودة مجددا لإجراء المزيد من المقابلات مع الانتحارية المعنية في جلسات جدل مطولة، قادتنا في النهاية الى رسم المشهد الواسع الذي عرضناه في هذا التحقيق.
أضف تعليقاً جديداً